صور من الذاكرة – التسلل الى الوطن (1) بقلم : تميم منصور

فلسطين …
بقلم : تميم منصور –  فلسطين المحتلة ..
لا يوجد شعب عبر التاريخ دخل الى وطنه خلسة بطريقة التسلل غير الشعب الفلسطيني ، نعترف  تغيرت طرق التسلل الآن وقد يقول قائل أنه اختفى ، لكن بقي في قاع مستنقع الاحتلال رائحة التسلل المقيت الذي سجل مشاعر شعب كان يعيش بين مطرقة اللجوء القسري وسدان العودة المحفوفة بالخوف من القتل برصاصات الجيش.
في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي كثرت ظاهرة التسلل الاضطراري ، فخلفت وراءها المئات من الضحايا ، قتلوا وهم في طريقهم للقاء عائلاتهم الذين فرقتهم النكبة عن بعضهم البعض .
مئات القصص سطرها هؤلاء المجهولين بخوفهم ودمهم ورعبهم وليلهم وهم يحاولون غرز اقدامهم في تربة الوطن ، واستنشاق هواءه ، حتى وجد في أدبنا – أدب التسلل – حين أحتضن أدب المقاومة هذا الأدب المنقوع في مياه المغامرة المحاطة بالإصرار على الدخول الى الوطن رغم كل شيء ، حتى لو كلفه الدخول حياته .
أبو سليم المتسلل الى قريته
كان عمر أبا سليم لا يزيد عن الأربعين عاماً ، يسكن في قرية من قرى المثلث الجنوبي ، عندما بدأت المناوشات بين العرب واليهود بعد صدور قرار التقسيم سنة 1947 ، قرر أبو سليم نقل أسرته الى مكان آمن تحاشياً للخطر الذي أخذ يهدد حياتهم ، خاصة بعد أن سمع عن العمليات الاجرامية التي قامت بها عصابات الاتسل والبلماخ والهاغاناه ضد العديد من القرى الفلسطينية ، حيث قتلت خلالها مئات من المواطنين الفلسطينيين من بينهم عدداً كبيراً من الأطفال والنساء والشيوخ .
لسوء حظ أبي سليم أنه كان يعاني من إعاقة في قدمه مما منعه من حمل السلاح والوقوف مع أبناء قريته للدفاع عنها ، لكن هذه الإعاقة لم تمنعه من تقديم المساعدات ، منها شراء بندقية المانية الصنع في حالة جيدة مزودة بحوالي الف رصاصة وقد سلمها لأحد المناضلين من شباب القرية كي يقاتل بها .
بعد فشل واحباط الهجوم الأول الذي استهدف قريته ، وبعد سماعه عن مذبحة دير ياسين ، قرر البقاء قريباً من اسرته خاصة أن والدته كانت تعاني سكرات الموت ، وزوجته قد أنجبت طفله الرابع  ، رغم أنه كان يتحسر حين يرى بعض المعارف والأصدقاء يحملون البنادق ويتنقلون بين الخنادق التي قاموا بحفرها .
لكن البقاء دون عمل معناه الموت جوعاً لأطفاله ، لذلك عن طريق خبرته في بيع الأقمشة سابقاً ، قام بشراء بعض قطع القماش من مدينة نابلس ، وأخذ يتجول حاملاً القماش منادياً في القرى المجاورة ، حتى أصبح معروفاً للجميع وقد كبرت تجارته ، مما دفعه الى الاتيان بعائلته الى القرية التي أقام بها .
هدأت الأوضاع قليلاً  وقبل التوقيع على اتفاقية الهدنة بين الأردن وإسرائيل ، وقبل انسحاب القوات العراقية التي كانت ترابط في قريته ، سارع الى إعادة اسرته الى قريته ، وبعد أن أيقن أن أطفاله الآن يعيشون بأمان ، أراد الذهاب الى القرى المجاورة لبيع القماش وجمع بعض الديون ، وأثناء قيامه بهذا وقعت الطامة الكبرى دون أن يشعر ، لقد فوجئ بإغلاق بوابات العودة الى قريته بعد أن سيطرت عليها القوات الإسرائيلية .
وجد أبو سليم نفسه معزولاً لاجئاً بعيداً عن قريته وأطفاله ، حاول إيجاد طريقة أو منفذاً بمساعدة السلطات الأردنية التي أصبحت تسيطر على الضفة الغربية ، ولكن هيهات لم يأخذوا طلبه على محمل الجد ، بل أحد الضباط الأردنيين صرخ بوجهه قائلاً له : احنا مش فاضيين لقصتك !! سبعمائة الف فلسطيني حالهم مثل حالك !!؟؟ .
غضب ، حزن ، بكى لكن وجد أن البكاء الصورة القاتمة التي يراها عبر الوجوه المذهولة ، كأنهم لا يصدقون أن أقدارهم تحولت الى مستقبل مجهول والأيام تصفعهم في الغربة واللجوء .
في غمرة أحزانه وخوفه على اسرته البعيدة عاد الى عمله السابق تاجر الأقمشة المتجول ، جميع زبائنه من أبناء القرى التي كان يرتادها عرفوا عن لجوئه القهري ، لذلك تعاطفوا معه ومنهم من طلب أن يتزوج ويستقر- مثلو مثل غيرو – لكنه رفض بحجة أنه لا يستطيع فتح بيتين ، واحد في الغربة وواحد في قريته .
بعد مرور حوالي سنة على اللجوء ، قرأ في بعض الصحف أنه بالإمكان تقديم طلب لم شمل عن طريق لجنة الصليب الأحمر الدولي ، في الحال راجع الدوائر المختصة وقدم طلباً لعل وعسى يعود الى اسرته ، وقد أرفق مع هذا الطلب رسالة استرحام .
أعاد طلب لم الشمل الأمل في نفسه وكان يقول لأصحابه من المستحيل أن يرفضوا طلبي رحمة باطفالي ، كان كل يوم يراجع مكتب الصليب الأحمر في مدينة نابلس ، وكلما سأل الموظف يكون الرفض هو الجواب الصارخ ، حتى أصبح الجميع يعرفه ، وقد أراد احد الموظفين الانتقام منه على الحاحه اليومي ،فأخذ يسخر منه كلما رآه – مجوز ومش مجوز ثم يضيف بسخرية – يعني كيف تيجي هاذي .. أشو رأيك شفتلك عروس زينه .. والله زينه .. !!
وبعد انتظار طال عدة أشهر وصل الرد على طلب لم الشمل ، لكن إسرائيل رفضت هذا الطلب الإنساني دون أن تحدد السبب ، وتبددت جميع آمال وأحلام أبا سليم ، وأخذ يؤمن أن انقطاعه عن أهله سيكون أبدياً وما عليه الا التسليم والقبول بقدره .
حاول أصدقاءه مواساته والشد من ازره والتخفيف عنه ، أشاروا عليه الانتقال للعيش في قرية قريبة من الحدود ، لعله يستطيع الاتصال بأبناء اسرته عن طريق المهربين والمتسللين ، ويرسل لهم بعض المال .
فعلاً انتقل واستأجر بيتاً قريباً لكن قضية ارسال المال لاسرته محفوفة بالمخاطر ، كيف يثق بالمتسللين ، وفي خضم تفكيره أشار عليه أحد الأصدقاء بأن الضمان الوحيد لايصال المال هو ، أن يقوم بالتسلل ويصل لقريته ، خاصة أنه أبن المنطقة ويعرف الطرق جيداً ، من وديان وجبال .
اقتنع أبو سليم بكلام الصديق ، لكنه خشي من الموت ، قد يطلق عليه حرس الحدود الإسرائيلي الرصاص ويكون مصيرة كمصير عشرات المتسللين الذين قتلوا بدم بارد أثناء محاولاتهم اجتياز الحدود لزيارة ذويهم أو للبحث عن لقمة العيش .
قال أبا سليم ( اللي كاتبو ربي بصير ) أحضر الملابس الأقلام والدفاتر لأولاده الذين سيدخلون المدارس بعد عدة أيام  وقطع قماش لزوجته وشقيقاته ، وبعض السكاكر ، وضعها جميعها في وسط كوفية ثم قام بعقدها وحملها على ظهره ، وبقي الأمر سراً بينه وبين صديقه ، الذي طلب منه أيضاً أن يحمل سلاحه الشخصي خوفاً من الضبع والذئاب التي كانت تملآ المنطقة .
اختار أبو سليم احدى الليالي العاصفة والمظلمة ، لعل الدوريات العسكرية لا تفكر بنصب الكمائن في مثل هذه الليالي .
خمس سنوات مضت  وهو بعيد عن أولاده وزوجته ، الآن يمشي داخل الظلمة متخيلاً زوجته التي ستحتضنه عندما تراه داخلاً من الباب ، أنه يسمع أصوات أطفاله وهم يهرعون الى أحضانه فرحين تساءل بينه وبين نفسه ، هل سيعرفونه يا ترى ؟!!
سقوط المطر وثقل خطواته التي ينزعها من عمق التربة الموحلة ، لم يطفىء الشوق الكامن ، لكن الرياح الممزوجة بنباح الكلاب القادمة من بعيد زادت من عزلته الموحشة ، هذه الليلة فارقة في حياته إما أن يصل سالماً أو يُقتل ، لا حل وسط عند الصهاينة .
كان الخوف من الضياع يتشبث في سرعته ، أخذ يسأل نفسه هل هو في الطريق الصحيحة ؟؟ أم أخطأ وأصبح تائهاً !! وبين شكه وخوفه  وجد نفسه في الوادي الذي يعرفه جيداً ، وادي الذئاب ، وقد وجد مياهه ضحلة تجاوزها بسرعة ، رأى أضواء بيوت قريته من بعيد .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة