حدث في الأقصى..- قصة : بكر السباتين

القصة …
قصة بقلم : بكر السباتين ….
الطفل براق والطيور الخضر
دقت نواقيسُ الأقصى من فوق المساجد والكنائس في عموم فلسطين.. الدروب إليه مليئة بالأشواك المخضبة بدماء المارين إلى مدينة السلام.. كان الطفلُ براقُ يتشبث بثوب أمه التي تجملت بابتسامة العزة وهي تحث الشباب على الاستجابة للنداء.. حافلات الركاب كانت تتوشح بهتافات الناس الذين أطلوا من نوافذها وهي تقلّهم من أنحاء المدن الفلسطينية إلى القبلة الأولى كي يستحموا بطهرها مما علق بهم من خيبة:
” إلى القدس يا شباب”
وفي بهيم المشهد الوضاء كان الجنود الصهاينة مدججين بالسلاح وهم يتمترسون  خلف الحواجز المحاطة بسواتر الرعونة وفحيح الأفاعي، رغم ما بدا على  فرائصهم من خوف وارتعاد.. كأنهم عابرون فوق الجراح إلى حيث جاءوا ..
“وهم كذلك”.
قالتها امرأة تم تفتيشها بقسوة!!
“ستقتلعهم دوامة الغضب من أرض تبرعمت بالثائرين”.
عبارة نبضت في قلب شاب أسْجِيَ أرضاً بينما أقدام الجنود الصهاينة تركله بوحشية، وأعقاب البنادق تأكل من أطرافه المنهكة.. ثم يُترك لحال سبيله.. فلم يُنَكّّصِ الراياتِ؛  بل استمر زاحفاً نحو الأقصى الأسير.
صارت الأمكنة المحيطُة بالأقصى الجريح  تمثل كلَّ فلسطين..
” أكاد أسمع وأنا ساجد أنين القدس كأنه رجل عجوز مدنفٌ على فراش الموت ينتظر نجدة أبنائه العصاة”
قالها رجل لا عته فيه.. شيء أحس به وطواه في نفسه..
وكان بوسع الناس الاستئناس بوقع سنابك خيول صلاح الدين وهي تدك أسوار القدس على رؤوس الغزاة.. هنا تتلخص تداعيات النكبة وكيف غُسِلَت جدران القدس بغسق الغياب.. وكأن صمود الناس هنا بزوغ لشمس الإياب..
بدا هذا المكان بأهله الصامدين كنافذة يرى فيها العالم مأساة الشعب الفلسطيني.. وخيانة الأقربين.
أما الطفل براق فقد جعل قلبه الصغير يلهج بالدعاء متخذاً مكانه إلى جوار والده في ساحة باب الساهرة الذي أتيح عنوة لإقامة الصلاة بعد إغلاق المسجد في وجوه المصلين..
“كل الأماكن في القدس هي الأقصى”.
قالها رجل عجوز أُقِعِدَ على كرسي متحرك للصلاة.
” لا بل كل فلسطين هي الأقصى يا شيخنا”..
رددها شاب كان يصلي إلى جانب الطفل براق الذي كان يتصبب عرقاً، وفي مخيلته أن الشاطر حسن سيقطع رأس الغولة.. وصلاح الدين يتقدم الجيوش ملوحاً بسيفه البتار.. ألم يقرأ ذلك في قصص زوده بها والده بعيداً عن المناهج الدراسية المسمومة! بعدما عُدّلت بحذفها.
ألم يردد مثل هذه القصص والده وهو يحدثه عن نكبة فلسطين.. فقال ذات يوم:
” اقتحموا علينا البيوت واقتلعوا جيراننا بالقتل والترهيب من أراضيهم التي تحولت إلى مستوطنات صهيونية، ثم هدموا ما تبقى من بيوت على رؤوس الصامدين فيها فصبرنا على الضيم ولم نغادر فلسطين وإلى الأبد.
وكان يتندر بقصة صراخ ذلك الطفل الذي نسيه أهله في ركن الدار وكيف أنه أرعب ببكائه ثلة من الجنود الصهاينة استدعت على إثر ذلك تعزيزات عسكرية لمشاغلة أية مفاجأة محتملة قد تباغتهم.. ربما لعنوا حظهم في هذا الطفل الذي صادفوه لكنهم قتلوه كأنهم بذلك يعدمون المستقبل الذي جاء بكم يا بني “..
كان بوسع الطفل براق أن يتخيل تفاصيل النكبة وهو صامد مع الثائرين في وجه الزوابع التي تلتف من حول الأقصى جاهدة لاقتلاعه.. فيردد بقلبه الصغير:
” سنحررك يا فلسطين”..
رمقه رجل طاعن بالسن كان يتوكأ على عصاه المعبقة بطيب الزيتون.. بنظرات مسكونة بالأمل، كأنها ومضة فتيّة من نور قنديل لسعت جحافل الظلام؛ فيستيقظ البرق، وتمطر القلوب قمحا وأطفالاً.. بدا وكأنه يتمتم في سره:
” فلسطين أمانة في أعناقكم”.
أحس الطفل براق بنداء الرجل الذي توارى خلف المارة ليتخذ لنفسه مكاناً في الصفوف المتراصة توطئة للصلاة.
وها هو براق يزاحم الكبار في الصلاة أمام باب الساهرة المكتظ بالصامدين غير آبهين بلسع السياط وعلك جنازير الدبابات وهى تزرع الخوف من حولهم.. والقنابل المسيلة للدموع تدمع المآقي وتحاول يائسة إدخال الرعب في القلوب الهاجعة بالإيمان فلا تفلح في ذلك. وفي أتون هذه الملحمة المستمرة فشل  الرصاص المتفرق وقد ضجت بأزيزه السماء من إخافة القلوب، لا بل تركت صلياتُها الجنودَ في بهيم الخوف يعمهون..
أثناء تلك الحومة كان العرق يتصبب من جبين الطفل براق المصلوب تحت شمس تموز الساطعة.. كأنه (وهو قائم يصلي) زهرة قرنفل بين نخلتين شامختين.. يشرئب بهامته إلى ما تبدى له من المسجد الأقصى الأسير، وقد حجبت معظمة تلك المباني القديمة  المتكئة على الأسوار.. يرتشف بعينيه المتلهفتين بقايا صور لأعز مكان إلى قلبه.. كأنه وشقيقه الشهيد حسان يتصافحان على قبة  المسجد.. يختطف براق تلك اللقطة ويغمض عليها عينيه الدامعتين.
بدأت الصفوف تتراص إلى درجةٍ أحس فيها كل واحد بأنه جدار مانع يطوق الحرم المقدسي.. لا بل كل فلسطين..
الطفل براق كما يبدو من حركاته البريئة لا يتقن الصلاة كما ينبغي لذلك انتصب قائماً خلافاً لما دعا إليه الإمام بصوته الأجش، بينما المصلون كانوا ساجدين، متأبطين أرض الحرم المكبل بالبوابات الصهيونية الالكترونية.. ارتبك براق قليلاً لشيء ألمَّ به.. بعد أن باغته أزيز رصاصة مرت بجوار رأسه.. كأنها اخترقت رأسه الغارق في الحنين، فمزقت صورة شقيقه حسان والأقصى والأرض المفروشة بسنابل الصامدين.. وابتسامة أمه المورقة كالياسمين.. فينطوي المشهد الأخير في ذاكرته ليسارع إلى السجود.. ألقى بنفسه في أحضان المكان المرتجف غضباً.. تلمس دفء الدم المراق مسترخياً فلا يقوى على رفع رأسه المثقل بالصور الأخيرة للأقصى وحسان الذي قضى شهيداً في نفس المكان قبل أعوام.. وها هو براق يودع المكان هاتفاً بتضرع:
” سبحان ربي الأعلى… سبح……سب…”..
حدث كل ذلك بسرعة .. تسلل إلى جسد براق خدر لذيذ.. ها هو يغرق في غيبوبة حالمة.. مرتحلاً إلى عالم يريده.. تغمره أدعية ملهوفة للمصلين من حوله.. مضى ذلك عليه كالحلم.. وشعر بالأيادي الحانية المرتجفة تقلب جسده المتراخي.. أحس بحلاوة الروح وهي تتحرر من جسده إلى السماء دون بكاء.. تتحشرج أنفاسه.. يستحم قلبه بدموع الثكالى وأدعية الغاضبين، يتنسم  عطر اللقاء مع فضاءات الحرية المفتوحة على السماء.. ينمو له جناحان خضراوان حلق بهما بعيداً في فضاء الروح.. وكان بوسعه رصد ذلك البحر الهادر من المتظاهرين وأياديهم تودعه بقلوب أخذت  تزفه بالدعاء.. لم يكن الأقصى حينها مكتئباً وهو يبتسم في وجه السماء.. في اليوم التالي حدث ذات الشيء مع طفل آخر..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة