طيري وحلقي يا ابنتي – بقلم : ايناس ثابت

فن وثقافة …
بقلم : إيناس ثابت …
طِيري؛ وعَلِّي وحلّقي فوق الغيم يا طائرتي، خفيفة كالظل شفافة كالنور ملونة  كأثواب الغجر. أركضُ مع طائرتي الورقيَّة في الحقل الواسع، تحت عين الشمس وسماء لا تثور ولا تغضب ولا تنتقم أو تنتهي إلى حدود، وأرض خضراء حيث تنمو أشجارٌ حبلى بالتوت والتين والتفاح، وأصناف الفواكه والأثمار كأنما غرستْها يمين آدم حينما وطأ الأرض مطروداً من الفردوس.
أركضُ بين جفناتِ العنب وأشجار الخوخ والرمّان، ويمرُّ  مع الراعي وكلبِه قطيعُ ماشيةِ الريف توشِّحُه حملانٌ صغيرةٌ بيضاء، أبصرت النور هذا العام، وفي الجوار تنتشرُ دجاجاتٌ يحرسها ديك، تبحث عن رزقها من حبوب أرضٍ كريمة، ورزقٍ وفير بارَكَه من قلبِه ويديه ربُّ السماوات.
وطائرتي لا تتعب ولا تتوقف عن التحليق، و تطلب مزيدا من الخيطان، فلا أبخل عليها ولا أتوقف عن الركض  أو أنثني عن الجريِ في كلّ اتجاه. أسحبها خلفي تطيعني وتتبعني كما آمرها، وخيطانها أشدُّ عليها في يدي. تحلّق  كمنطادٍ يسافر  بي حول عالم حدوده لا تنتهي فلا يدركها بشرٌ ولا يبلغها إنس ولا جان. أو  أطيرُ على بساطٍ سحريّ من الحرير المُوَشّى بلون الذهب والياقوت والمرجان، يحملني إلى ما وراء البحار  ويرميني في دنيا العجائب وعالم الأقزام.
تعثّر خيط طائرتي ورائي بشجرة باركها الله، كثيفة الأوراق متشابكة الأغصان، واستقرتِ الطائرة في أحضان الزيتونة الهرمة من عهد آدم نبيّ الأنبياء. حاولت أن أتسلقها وأخلص طائرتي منها فأدْمَتْ قشورها قدميّ وخدشتْ  سيقاني وركبتيّ؛ وحينما فشلتُ في إنقاذها..؟ خاب أملي وخاب ظن طائرتي بعزيمتي، ودهمتني غصة في قلبي من ضعف قدرتي على  إنقاذ لعبتي.
جلستُ تحت الزيتونة أبكي كطفل تاه من أبويه، وأنا أشعر بالخيبة والهزيمة والأحزان، وانتظر عجيبة من السماء من ماردٍ جبّار يأتي من خلفِ الحقول والبحار، أو يهبط من سماءٍ لا أدري كم تعلو وأين تكون لكي ينقذ طائرتي. ويتواصل حلم الطفلة ويتحول المارد إلى حقيقة واقعة، ويغدو عبدها وهي سيدته مدى العمر كله. هذا الكائن الخرافي يغادر أسطورة الحلم، ويحملني في طياته عبر  أزمان سَلَفَتْ وانقضت وأزمان أخرى سوف تأتي.
ماذا عن هذا الضفدع المراهق، بلون الحشائش حولها؛ ينطُّ بالقرب مني؟ ماذا لو كان أميراً  أو فارساً مغوارا، حوّلته ساحرة ماكرة إلى ضفدع مسكين لتنتقم لنفسها منه..؟ فأمسى مخلوقا ضعيفا لا حول في الحياة ولا قدرة له لينجو،  فلا يحلم في الحياة إلا بومضات من النوم، ويسيرٍ من الطعام وحده يكفي.
بقبلة حارة من فمي، يعود الضفدع أميرا  يتعالى وجيبُ قلبِه، فينجو من لؤم الساحرة البغيَّة ويتقلد سيفه. ثم يعلو حصانه ويعدو  وأنا أركب خلفه. هكذا سأنقذه من الهلاك وأنقذ مملكته من الضياع وبعدها سيقع أسير وفائي له وحبّي؟ وأغدو حبيبته وأميرته الوحيدة وسيِّدة قصره.
هكذا تجود الأقدار على أصحاب القلوب الطيبة، التي لم تخفق يوما إلا استجابة للمودة والوفاء والحب. وأغمضتُ عينيّ أستعدادا لرسم قبلة ملونة على فم  الضفدع. فتحتُ شفتيّ أمدُّهما إلى الأمام أنتظرُ التقاءَ الفم بالفم ليتحقق حلمي، ويستعيد الضفدع شكل الأمير وما كانت عليه هيأتُه.
ليتك يا أميري تدنو مني قليلا؟وتطبع قبلتك على خدي وفمي، وتوشوشني في أذني بأحلى كلمات الحب والتمني، ثم تمسح بكفك الكريمة الخدوش عن ركبتي وساقي وتضمّد جراح قلبي..؟
ها هي يدُه الحنونة تمسح الجرح برقة من جسمي وقلبي، وها هو صاحب الخراف يدركني فيسعفني وينقذ طائرتي.
وهذه يد أميري الحبيب تستجيب وتمسكني من يدي، وها هي قبلته أشعر بحرارتها على خدِّي ورأسي وفمي.. لأفتح بعدها عيوني وأجد والدي وحده  فوق السرير، ويده تلاطف وجنتيَّ وشعري، وهو يردد بعين دامعة وقلب كسير: لا بأس.. لا بأس عليك يا ابنتي.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة