صور من الذاكرة : العميل زايد ( 2) بقلم : تميم منصور

استخبارات وجاسوسية …
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة …
ذهب كل واحد في طريقه ، بعد أن أطل العميل زايد بوجهه الكشر وملامحه التي تدل على اللؤم قائلاً :  الحاكم العسكري لن يأت اليوم …!!
شعر والدي بالخذلان وخيبة الأمل لأنه كان يريد التصريح لزيارة الطبيب  في  مدينة كفار سابا ، فقد الم الوجع في خاصرته ولم يعد ينام الليل والنهار ، وقد فشلت جميع الوصفات الشعبية من لزقات العجين الى شرب زيت الخروع واليانسون والميرمية ومياه البقدونس المنقوع ، لم يبق أحد الا ومنح والدي وصفة شعبية وطبية لكن لم ينجح أي علاج ، حتى أصاب والدي  اليأس وقرر أن يزور الطبيب، لكن اعلان العميل زايد حطم حلم والدي بالتخلص من الأوجاع .
في اليوم التالي كانت الساحة أمام مقر الحاكم العسكري تغص بالناس ، انضممنا أنا وأبي الى الطابور البائس الذي يتنهد حسرة وينز عرقاً ، كان الحديث يدور حول معاناة الحصول التصاريح وحاجات الناس لتلك الورقة التي ستفتح لهم أبواب الحياة.
الانتظار وسكاكين الساعات تقطع من لحمهم الساخن المحترق تحت أشعة الشمس ، خاصة المزارعون الذين تركوا حقولهم للوقوف في الطابور ، أما العمال الذين ينتظرون التصريح للوصول الى المستعمرات اليهودية  فقد تحدثوا عن معاناتهم من أصحاب وأرباب العمل ، وعن ملاحقة الشرطة لهم اذا لم يملكوا التصاريح للعمل ، لكل واحد في الطابور  قصة والوقت الذليل يجمعهم ويدفعهم للتكلم .
تحرك الطابور بسرعة ، فقد شاهدوا سيارة جيب عسكرية قادمة ، لقد جاء الفرج ، وقفت السيارة وإذ بالعميل زايد يخرج مع الحاكم من السيارة نافشاً ريشه حاملاً بيده عصاه المعروفة ، أول عبارة قالها يلعن وجهك وجهك وأشار الى بعض الرجال الذين أحنوا رؤوسهم كأنهم اعتادوا على سفالة لسانه وعلى هيئته التي تلخص شخصية الحاكم والظروف التي تحيط بقراراته وعنجهيته .
دخل زايد مع الحاكم العسكري الى المقر ، لا يعلم الذين بالطابور ماذا يدور في الداخل ، لكن يعلمون أن الساعات تركض وكأن هناك اتفاقاً سرياً بين الزمن وبين سياسة الحاكم الذي يظن ان الزمن قد يكون مشنقة لكرامة هؤلاء وكبريائهم ، وكلما داس على زمنهم كلما خنعوا وقنعوا وقبلوا ومسحت شخصياتهم وأصاب حناجرهم الصمت ، ولم يفكروا بالاحتجاج أو بالتظاهر أو بالرفض .
العميل زايد يطل من الباب ثم يتراجع الى الوراء ، لعبة يتقنها فقط من يتعامل مع الحاكم العسكري ، نادى عدة أسماء ثم أعلن مرة أخرى أن الحاكم عنده جلسة ضرورية وعلى كل واحد أن يرجع غداً ، هنا حدث هرج ومرج ، بدأ الطابور بالتفكك كل مجموعة تقف وتتكلم بصوت عال ، لقد بدأ الاحتجاج على هذا التصرف يتصاعد والحاكم العسكري ما زال قابعاً في غرفته ، أما العميل زايد فقد سار بين المتجمهرين وأخذ يضرب كل واحد بعصاه ، لقد رأيت أحد الشيوخ يقع على الأرض ويبدأ بالبكاء ، المنظر ما زال عالقاً في ذاكرتي كذلك منظر أبي الذي بدأ الألم يغزو خاصرته .
خرج الحاكم العسكري والعميل زايد يمشي وراءه .. سمعت الرجال يقولون له : يا خواجه .. يا خواجه .. والحاكم يسير مخترقاً الرجال ولا يرد عليهم .!!
السنوات تمر لكن الحكم العسكري ما زال ينخر في عظام الجماهير العربية  ثم سمعت ان العميل زايد قد عين شرطياً في احدى القرى المتواجدة على الحدود ، وأنه كان يطارد المتسللين ، يقبع منتظراً في الحقول المتاخمة للحدود حتى يعتقل من يتسلل .
في أحد الأيام وجدته أمامي ، بوجهه العابس وملامحه التي تدل على اللؤم والحقد  لم أتكلم معه ، لكن نظر الي وسألني أنت أبن مين .. ؟ أجبته وكنت وقتها في الصف السابع .. عرفت بعدها أنه قد عين في بلدتنا مع مجموعة من رجال الشرطة .
في أحد الأيام تسلل الى البلدة بضع رجال قدموا من الضفة الغربية ، كانوا يحملون على أكتافهم أقمشة للبيع ودخان عربي مفروم وورق للف الدخان وغيرها من البضائع التي كانت تقريباً مفقودة .
وفجأة أنقض رجال الشرطة عليهم وأخذوا يطاردونهم في السهول ، وكان العميل زايد معهم يطارد الرجال حتى وقع أحدهم  بين يديه .
سأله عن أسمه  فقال له المتسلل عن اسمه وأكد المتسلل للعميل زايد أنه فلان ابن فلان وأنه من هذه البلدة ، لكن ممنوع من الإقامة فيها ، فعندما سقطت البلدة كان هو  خارجها ، وأنه جاء ليلاً  لكي يزور زوجته وأولاده حاملاً معه بعض الحاجيات ، فهذه الوسيلة الوحيد لرؤيتهم .
وقد أكد الذين كانوا معه أن  توسل الرجل لم يشف غليل العميل زايد ، بل أصر أن يضربه بعصاه ثم أطلق عليه الرصاص وقتله .
انتهى حكم العسكري وأصبح تنقل الناس حراً ، وبقي وجه العميل زايد الذي أصابه الخوف من أبناء الرجل الذي قتله غدراً قصة يحكيها الناس ، وأصبحت حياته مهددة بالخطر وكان يحتمي بالشرطة ، وابتعد عنه الجميع حتى أصبح كالبعير المصاب بالجرب في بلده .
تعينت معلماً في قريته ، ولم يكن أحد يأتي بسيرته حتى يبصق ، في أحد الأيام رأيت جنازة يسير فيها بضع رجال لا يتعدون العشرة ، سألت قالوا جنازة ” الشيخ زايد ” قلت لهم قصدكم ” العميل زايد ” أجابوا … نعم .. وعرفت أنه مات بعد معاناة مع مرض الزهايمر ،  عاش خائفاً .. من شدة الخوف كان يختبىء خلف السرير والخزانة ، يعيش في أجواء الرعب  والعتمة وقد كان الأبناء والأحفاد في حيرة من تصرفه وسلوكه الغريب ، حتى أنه كان يصرخ ليل نهار طالباً من الذين حوله أن يبعدوا الاشباح عنه ، ثم يردد اسم الرجل قتله ويطالب بإبعاد شبحه ، لقد قتله في نهاية حياته شبح الخوف .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة