لماذا تريد معظم الدول العربيّة إغلاق قناة الجزيرة ؟ بقلم د. كاظم ناصر

آراء حرة …
بقلم : د . كاظم ناصر – كاتب فلسطيني …
الإعلام الرسمي العربي المقروء والمرئي والمسموع ليس إعلاما هدفة إطلاع المواطن على مايجري في وطنه وفي العالم من أحداث سياسيّة واقتصاديّة وعلميّة وثقافيّة، بل إنه مكّون من شركات (إعلان) يملكها ويموّلها حكام عرب جنّدوا لها طواقم من الكتّاب والصحفيّين الذين يجيدون الكذب والنفاق ليدافعوا عن جرائمهم ضد شعوبهم، وعن فساد واستبداد دولهم .
وسائل إعلامنا الرسميّة، وبعض وسائل الإعلام الخاصّة الربحيّة نجحت في تضليل الشعوب العربية وخداعها وأغراقها في الفكر التجهيلي، وزوّرت مفهوم الديموقراطية والعدالة وحقوق المواطنين، ودعمت الإستبداد السياسي، وحاربت التغيير والإنفتاح على العالم، وساهمت في تمزيق الوطن العربي .
تعرّضت قناة الجزيرة منذ انطلاقها لكثير من الإتّهامات منها إنها تروّج الشائعات والأكاذيب وتختلق وقائع لا وجود لها، وتستهدف الأمن والإستقرار في دول عربية، وتدعو للعنف والتطرّف، وتغيّر الحقائق خدمة لسياسات دولة قطر، وتثير التفرقة والكراهية بين الدول والشعوب العربية، وتدعم الحركات والأحزاب الدينية وخاصة حزب الإخوان المسلمين، وتسلّط الضوء على القضايا السلبيّة في دول معيّنة بينما تتجاهل نفس السلبيات في دول أخرى، وأدّى بثها إلى نشوب أزمات بين قطر وعدد من الدول العربية .
قناة الجزيرة مرتبطة بدولة قطر، وتدافع عنها وعن مصالحها، وتدعم مواقف وسياسات حكّامها على الصعيدين العربي والدولي، لكنها كانت وما زالت لاعبا أساسيّا في نقل ألأخبار والتطوّرات السياسيّة العربيّة والدوليّة على مدار الساعة، وأول محطّة عربيّة عملت على توسيع مساحة الحرية في التعامل مع الأحداث التي تجري في المنطقة بتقدّيمها برامج حوارية ناجحة تورد الرأي والرأي الآخر، وتنتقد الأوضاع في معظم الدول العربية، ويشاهدها عشرات الملايين من العرب .
لقد إختلفت آراء الناس فيها، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنها لعبت دورا محوريا في تغيير المشهد الإعلامي العربي، وأطلقت القناة الإنجليزية وأوجدت لها دورا في المشهد الإعلامي العالمي، وإنها الأكثر مشاهدة بين مئات القنوات التي تبث بالعربية ومن ضمنها تلك التي كان الهدف من تأسيسها منافستها وإضعاف دورها الإعلامي في الوطن العربي.
موقف بعض الدول العربية وخاصة الدول الخليجيّة المعادي لقناة الجزيرة لم يتوقف منذ تأسيسها لأنها تختلف في طروحاتها وتغطيتها عن القنوات الرسمية العربية . لقد خلقت فضاء إخباريا وثقافيا جريئا مختلفا ومثيرأ لغضب حكام بعض الدول العربية الذين لا يؤمنون بحرية الرأي، ويخافون من الإنفتاح الفكري، ويعتبرون ما تبثه تحريضيا، ومثيرا للجدل ولقضايا سياسية يحرص الحكّام على عدم إثارتها في دولهم .
بعض الحكام العرب يدّعون بأنهم يطالبون بإغلاق الجزيرة لأنها فرّقت بين دولهم وأثارت الفتن بين شعوبهم . إن ” شرّ البليّة ما يضحك .” السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو متى كان العرب موحّدون وفرّقتهم قناة الجزيرة ؟ ومن الذي يثير الفتن بين العرب قناة الجزيرة أم الحكام العرب ؟ إن أعداء حرية الصحافة الذين يطالبون بإغلاقها يدركون أن الكلمة الحرة أقوى من الرصاص في محاربة الجهل والظلم والإستبداد السياسي والفكري الذي يبذلون جهدهم لإستمراره .
الوطن العربي يعاني من التعتيم الإعلامي وليس من مصلحته إغلاق الجزيرة التي قد لا نتّفق معها في كل ما تقدّمه. إن وطننا بحاجة ماسة ليس إلى الجزيرة فقط ، بل إلى عشرات القنوات التي تكشف ما يجري فيه من فساد سياسي وظلم للشعوب، وتعمل بلا ككل لترسيخ مفهوم الحرية والديموقراطية، وتكون أكثر جرأة واستقلالية وتصديا للتضليل الإعلامي الرسمي العربي من قناة الجزيرة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة