المثقف العربي الملتزم بقضايا أمّته يكتب لعصره وليس لعصور أسلافه – بقلم : د.كاظم ناصر

فن وثقافة …
بقلم : د.كاظم ناصر – كاتب فلسطيني …
يقوم المثقّفون بدور أساسي في تطوير الحياة الإنسانيّة من خلال بحثهم الدائم عن الحقيقة والنطق بها وتعميمها، ومحاربتهم للجهل والإستبداد والظلم، ودفاعهم عن ما يكتشفونه من حقائق علميّة، وما يقدّمونه لمجتمعاتهم من أفكار إنسانيّة خلاّقة تتلائم مع متطلّبات عصرهم، وتساهم في حل مشاكل مجتمعاتهم التقليديّة والمستحدثة. إنهم يكتبون ويخترعون لعصرهم، ويرفضون الإنغلاق والقوقعة، ويؤمنون بأن التطوير والتغيير المعرفي قدر إنساني سرمدي لا يتوقّف أبدا.
تراثنا الفكري الماضوي كان غنيّا جدا بعلومه ومعارفه في العصرالأموي وجزء من العصر العبّاسي، وساهم في تطوير الحضارة الإنسانيّة في زمنه، لكنّه تحنّط  وإستمرّ في التراجع، وأصبح  فقيرا جدا في العلوم التطبيقيىة الحديثة والفلسفة والآداب والفنون، فتجاوزه الزمن، وأنهى تأثيره وأهميّته التقدم المعرفي الشامل الذي حقّقه العالم المعاصر، فكانت النتيجة أنّنا تخلّفنا ونعني من الجهل والإستبداد السياسي والجمود المعرفي لأن ثقافتنا العربية ما زالت ماضويّة قاثمة على النقل وإلغاء العقل، وشرح الشرح، وتفسير التفسير، وقال وقيل ويقال .إنها غنيّة جدا في الكم وفقيرة جدا في النوع، وان مكتباتنا زاخرة بكتب التراث التي بقيت كما هي منذ أيام الرواد الأوائل !
تراثنا الفكري لم يراجع وبقي محنّطا منذ أكثر من ألف عام، وإن معظم مثقفينا يعيشون على أطلال ما كتبه أسلافهم، ومنشغلون في إجترار التاريخ، والكتابه له ولقضايا مجتمعاته الماضوية . لقد انفصل معظمهم عن هذا العصر، وتقوقعوا، وانسحبوا من شرف الصدام مع الطبقة الساسية المستبدة والهيئات الدينية الإقصائية التي ترفض التغيير، وتعمل جاهدة على إحباط محاولات الإصلاح السياسي، وتجديد ما يجب تجديده من مقوّمات فكرنا وتراثنا حفاظا على إمتيازاتها ونفوذها.
العالم الحديث حقّق قفزات هائلة في تطوير نظم شعوبه السياسيّة والمعرفيّة وأنماط تفكيرهم  وعيشهم، وأفرز تطوّره المستمر هذا حقائق علميّة ومشاكل اجتماعيّة جديدة . إن مجمعاتنا العربية المعاصرة تختلف تماما بمكوّناتها ومشاكلها واحتياجاتها عن مجتمعاتنا التي كانت قائمة في عصور  رواد الفكر العربي والإسلامي العظماء الذين كتبوا لعصورهم  وزمانهم، وتتطلّب حلولا مختلفة عن تلك التي إقترحوها وعملوا بها آنذاك . ولهذا فإن الإعتماد على فكرنا التراثي، ورفض إعادة تفسيره وتطويره لا يخدم الإنسان العربي المعاصر ولا يقدّم حلولا لمعظم مشاكله.
إن كل دولة من دول العالم  تعتزّ بتاريخها كما نعتزّ نحن العرب بتاريخنا. لكن الفرق بيننا وبين تلك الدول هو أنها تتعلّم من تاريخها، ولا تسكن فيه كما نسكن نحن في تاريخنا، وتثني عليه وتنتقده بحرّية، بينما نحن نقدّسه، ونرفض نقده والتحقّق من منطقيّة ومصداقيّة أحداثه !
المثقف العربي الذي يرفض أن يبيع نفسه للسلطان، ويتمرّد على ثقافة الجهل والتضليل والطغيان، ويلتزم بالدفاع عن الحقيقة وعن قضايا أمته محارب من السلطات السياسيّة المستبدّة ومن الطبقة الدينيّة المتحالفة معها. إنه يخوض معركته وحيدا، ويعتقل ويسجن ويعذّب ويهمّش وفقا لإرادة وأهواء الحاكم  ولا يتلقّى الدعم المطلوب من المواطنين الذين  يدافع عن حقوقهم وقضاياهم ! ورغم كل ذلك، فإن من واجبه أن يؤمن بحتمية انتصار أمته، ويستمر في محاربة الإستبداد والظلم، ولا يتوقف عن الدعوة للتغيير السياسي والمعرفي، ويثق بأن جهوده لا بدّ وأن تؤتي أكلها وتوقظ الإنسان العربي من سباته !
الحركات الجماهيرية والثورات التي غيّرت مجرى التاريخ الإنساني قامت على أفكار وقيم إنسانيّة ساهم في تطويرها وصقلها ونشرها بين الناس مثقفون ضحّوا من أجل شعوبهم، وبعضهم قدّموا أرواحهم قرابين لنصرة أوطانهم فأكرمتهم وخلّدتهم في تاريخها. إن العالم العربي بملايينه الأربع مائة لا يمكن أن يظل مهزوما إلى الأبد، وستشرق الشمس حتما عندما ينتفض العملاق العربي ويتخلّص من مستبديه !

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة