الملوك والممالك في القرآن الكريم : الموروث البشري في التدين – مقاربة نقدية ( الجزء العاشر ) بقلم : د . سمير محمد ايوب

فن وثقافة …
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
وقد رأيتُ من بعض التعقيبات ، على بعضِ ما وردَ في هذه السلسلة من مقارباتٍ ، فَهْماً خاطئاً لبعض آيات القرآن الكريم ، ومنها الآية : ( إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، وكذلك يفعلون ) . إلا أن أحَدَ المُتَحَذْلِقينَ المُدافعين عن المَلِك معاوية بن ابي سفيان الذي هدم الخلافة الراشدة وأقام ملكه على أطلالها ، تعمد أن يدس مع فهمه الخاطئ للآية المذكورة ، كثيرا من سوء النية . أرسله لي على الخاص ، منذ أيام مُتَرَبِّصاً مُتَحَدِّياً ،أن أطَبِّقَ هذا النص ، عَلَناًعلى المَلَكِيَّةِ في بلدي الأردن . ظَناً مِنه خابَ فألُه ، أنه بهذا التربص الساذج ، قد وضعني بين شَرَّينِ أحلاهُما مُرٌّ ، إما خَوفٌ وجُبنٌ مُعيبٌ عن الرد ، أو إستياءٌ وغضبٌ من أصحابِ الشأن ، مما قد يذهبُ اليهِ قولي عن هذا النص .
قد أَعذُرَ هذا المُتَحَذْلِقَ ولا ألومه كثيرا. فهو إلى جانب عدم فهمه لنص الآية الكريمة ، عامِلٌ في بلاد الحجاز المَلَكِيَّةِ هي الأخرى . وللجغرافيا السياسية كما تعلمون ، شؤونٌ وشُجونٌ موجِعَةٌ . بعض الأفراد ، لا يحتملون تَبِعاتها على لقمة عيشهم . هذا شأنهم بالطبع .
ألأمر الذي أود تأكيده في البداية هو :
اولا – ان النص هذا حول الملوك ، هو نص قرآني قطعي الثبوت . ولكنه ظني الدلالة . وهو كلام الله سبحانه ، على لسان ملكة سبا .
ثانيا : التبصر بموضوعية عادلة ، يؤكد على ان كل ما جاء في هذه الآية الكريمة من قول ، ما هو إلا هو جزء من خطبة بلقيس في اكابر قومها ، حين ورد اليها كتاب نبي الله سليمان . وهو يمثل وجهة نظرها ، وليس حكما لله سبحانه .
فمنهج الأِخبار في القرآن ، هو نقل الأقوال كما هي بالضبط ، وإن كانت شنيعة قادحةً في القرآن نفسه ، بل وإن كانت مُتطاوِلةً على ذاتِ الألهِ تَقدَّسَ في عُلاه . بمقتضى هذا النهج الأِخباري ، تُقرَأ الآية . وتُفهَم على أنها إخبارٌ بما قالته بلقيس لقومها .
ثالثا : ومن مناهج القرآن الكريم ، إيرادُ العامِّ ،  المقصودُ به الخاص . فبموجب هذا المنهج اللغوي الأصولي في فهم القرآن الكريم ، ينبغي تفهم الآية أيضا . فالمقصود هنا بعض الملوك . والمُرَجِّحْ لهذا التفسير المُعزَّزِ بآياتٍ عدةٍ في القرآن نفسه ، كثيرٌ من البراهينِ العقليةِ والتاريخية ، منها :
أ‌) ذكر القرآنُ والواقع التاريخي ، بأن هناك ملوكاً صالحين ، في أكثر من موقع . ومنهم أنبياءٌ كداوود ، وسليمان ، وذو القرنين ، وملوك آل ابراهيم ، وملوك بني اسرائيل مثل طالوت . فهل كان هؤلاء الملوك ملوكاً ظالمةً مُفْسِدَةً وِفْقَ ما يقول التفسيرالساذج المُعَمِّمْ ؟!
ب‌) وذكر القرآن والواقع التاريخي والمعاصر ، الكفار من الملوك الفاسدين ، الذين تعددت طرق ظلمهم ، كفرعون ، والنمرود والنعمان بن المنذر .
من أجل هذا أميل للقول ، بأن المَلَكِيَّاتِ كأنظمةِ حُكْمٍ ، ليست سواء ، ولا تَأخذُ حُكْماً واحدا . فمنها الصالِحُ ومنها الفاسِدْ .
= عند ذِكْرِالمَلَكِيات الصالحة ، يميلُ ذِهني الى الدانيمارك ، بريطانيا ، هولندا ، اسبانيا والسويد .
= ومنها يقفز ذهني الى المَلَكِيَّاتِ السيِّئَةِ من حيث طبيعتها وأداؤها ، مثل مملكة اليمن أيام إمامِها البدر ( وكان حوثيا دعَّمَهُ حكام السعودية في حينها ، ضد ثورة شعبه ) ، وممالك الخوف والقلق النفطية الحالية كالسعودية مثلا ، ومنها مملكة بروناي وغيرها طبعا .
المعيارُ الأدقُّ والأعدلُ لتقويمِ أنظمةِ الحُكمِ ليسَ هو الأسم ولا الشكل . وإنما المحتوى والمضمون والجوهر والأداء .
ثم إن هناك فرقاً بين المَلَكِيَّاتِ القديمة والمَلَكيات الحديثه . ففي القديم وفي بعض الحديث المُعاصِرِ منها ، يُرَتِّبونَ قوانينَهُم ، وِفْق مصالح المُتَسَلِّطينَ على كراسي الحكم فيها . وبعض المَلَكياتِ الحالية ، تقضي في شعوبها وفق سلطاتٍ ثلاث ، دساتيرها مكتوبةٌ معروفةٌ مِثْلَنا في الأردن . بالطبع ، نقول فيها صبح مساء ، من الهجاء اكثر مما قال مالك في الخمرة . ولكن البعض منا ، يُدَبِّج فيها قصائد المديح والتسبيح .
قُلْ ما تشاء أيها الراضي ، وقل أيها الرافض في الملكية وفي الملوك ما تشاء . ولكن ، دون ان تُحَمِّلَ ما تقول للقرآن الكريم .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة