تعقيبا على تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: الوطن العربي من أكثر المناطق تخلفاً في العالم، بقلم : د. علاء الدين الاعرجي

دراسات …
والأشد جهلا ً واستبداداً واستعباداً  للمرأة
بقلم : د . علاء الدين الأعرجي  : مفكر عراقي متخصص في بحث  أزمة  التخلف  الحضاري العربي
{هذا مقال    نُشر   بمناسبة  صدور تقرير الأمم المتحدة لعام  2002، المذكور أدناه ، ننشره  مجدداً  لأهميته  بل خطورته، إذ تفاقمت  الأوضاع   عموماً منذ ذلك الحين، وهذا ما توقعه كاتب  هذه السطور في كتابه  الأهم” أزمة  التطور الحضاري في   الوطن  العربي بين العقل  الفاعل العقل المنفعل” الذي صدر  في عام 2004  في طبعته الأولى}
أثار تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للتنمية الإنسانية العربية، لعام 2002، ضجة إعلامية كبيرة في كثير من أوساط الإعلام العالمية، بما فيها “نيويورك تايمز” و”الإيكونومست”، حيث اتخذه بعضهم ذريعة رخيصة للهجوم على العرب.  كما نـُـشرت مواد تحليلية ونقدية، وأحيانا هجومية واتهامية، كرسها عدد من وسائط الإعلام العربية البارزة، بما فيها محطة “الجزيرة” وصحف مثل “الحياة”و”القدس العربي” و”النهار”، التي خصصت له عددا من المقالات. ومع أن بعض التحليلات والانتقادات، كانت جديرة بالتمعن والاهتمام، غير أن الذي يلفت النظر، أن معظم التعليقات، التي اطلعت عليها، على الأقل، كان موجه لبيان نقاط الضعف في التقرير، بل للهجوم  وتوجيه الاتهام،  أكثر من إبراز، أهمية التقرير من الجوانب التي سنذكرها في عرضنا التالي. وقد يدل ذلك، يبن أمور أخرى، على الموقف الدفاعي المتوتر الذي نتخذه أحيانا، حين تـنكشف لنا نواقصنا  وسيئاتنا. فبدلا من أن نحاول أن نواجهها بنقد موضوعي وعلمي، أو بشجاعة وانفتاح وتحد، وتطلع إلى وضع الحلول لتحقيق مستقبل أفضل؛ نبادر إلى  وضعها على مشجب “الآخر”. أو نشرع بإثارة الشكوك حول نوايا وتوجهات الأشخاص الذين اضطلعوا بإعداد التقرير، أو اتهامهم بالجهل أحيانا. فقد حكم أحد المشتركين في برنامج “الجزيرة”(الاتجاه المعاكس13/8)، على هذا التقرير، بأنه لا يصلح حتى كرسالة تقدم لنيل إجازة الدكتوراه. هذا إذا لم يغمز البعض، باتهام محرريه بالعمالة، خاصة لأنهم عملوا برعاية الأمم المتحدة(صحيفة “النهار”،  “لماذا أهمل التقرير كلفة الصراع مع إسرائيل”بيروت،17/8).  وأرجو أن لا أكون متجنيا إذا اعتبرت أن مثل هذه الاتجاهات، قد تشكل جزءا من مظاهر “التخلف”، المستشري حتى بين بعض المثقفين العرب، التي سنأتي على ذكر بعضها أدناه. وأرى أن حلّ أية إشكالية يبدأ ويعتمد، أولا وقبل كل شيء، على مدى الوعي العميق والناضج بأبعاد تلك المظاهر ومسبباتها وأعراضها. وهذا ما أسعى إلى تعميقه في هذه المحاولة المتواضعة، تيمنا بالقول المأثور:” صديقك من صدَقك لا من صدَّقك”.

1- أرى أن أهم  سمة يتميز بها” تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002″، تنطلق من كونه أول تقرير، تحرره نخبة من المتخصصين والمثقفين العرب، ويكشف، بصراحة وموضوعية وببيانات رقمية، سعة وعمق الفجوة الحضارية القائمة بينا وبين”الآخر”. وتقاس هذه الفجوة، بوجه خاص، بمدى الاختلاف في قوة الاقتصاد وسعة المعرفة، وما يتبعهما من سلطة المال والسلاح والعلم والتكنولوجيا، وما يترتب على  كل ذلك من رفاه اقتصادي واجتماعي، من جهة، ومن تدهور اقتصادي وفقر وجهل وتخلف، من جهة أخرى. ويمكن أن نلاحظ بوضوح أن تلك الفجوة كانت ولا تزال  تحدد نوعية  العلاقة  القائمة بين الأطراف، على الصعيد الدولي بوجه عام، ولاسيما إذا كانت هناك مصالح متزايدة، لا تقوم على أساس متكافئ . ومن المعروف تماما الكم الهائل من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تربط”الآخر”بالوطن العربي. لذلك فإن وجود هذه الفجوة الكبيرة التي وصفها التقرير، هو نعمة عظيمة بالنسبة للغرب وإسرائيل، ونقمة كارثية بالنسبة للعرب( وسنشير إلى مدى دورنا ودور الغرب في تكريس الفجوة في السياق المناسب ). ذلك لأنه كلما زادت تلك الفجوة عمقا وسعة، كلما زاد نفوذ “الآخر” وسيطرته على مقدرات الوطن العربي.  كما يبدو اليوم واضحا في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع البلدان العربية القائمة على “العصا لمن عصى”. فضلا عن أسلوب تصرف إسرائيل القائم، بكل وضوح، على إذلال العرب وتركيعهم، مع أنها ستكون الطرف الرابح في جميع الأحوال، حتى إذا “اضطرت” للموافقة على خطة الأمير عبد الله، التي تبنتها الجامعة العربية. ذلك لأن التطبيع الكامل معناه سيطرة الاقتصاد الإسرائيلي المتفوق، بجميع المقاييس(كما سنوضحه أدناه)، على اقتصادات البلدان العربية المتدهورة،  فضلا  عن نفوذها العلمي والتكنولوجي  والإعلامي والثقافي والسياحي. وكل ذلك سيضيف مئات المليارات إلى الاقتصاد الإسرائيلي، المتـفوق سلفا، لتحقق ما خططت له للوصول، في عام 2020،  إلى عضوية نادي الدول الثماني المصنعة الكبرى(G8). وفي مقابلة مع تلفزيون الجزيرة (في 7/8/2002)، صرح المشرف على إعداد التقرير،الدكتور نادر فرجاني، أن الفجوة بين الأمة العربية وإسرائيل تكاد تقدر بواحد إلى ألف في بعض الجوانب، فلنتأمل !  ولا نحاول أن ندفن رأسنا في الرمال.
هذا التفوق الإسرائيلي الهائل  مقابل هذا التردي الشنيع للأمة العربية،الذي سنفصل بعضه فيما يلي، فضلا عن الموقف الدولي الذي تشكل بعد أحداث سبتمبر/ أيلول المعروفة، والذي يعطي لإسرائيل الضوء الأخضر للقيام بما تشاء في المنطقة، جعل إسرائيل لا تـقـنع بمجرد التطبيع الكامل الذي وافقت عليه الجامعة العربية، بل التركيع  الكامل للعرب، جميع العرب، لتفرض شروطها عليهم وهم صاغرون. أما الأصوات التي ارتفعت عاليا باعتبار وجود إسرائيل يشكل سببا أساسيا لتردي الأوضاع الاقتصادية في المنطقة، كما ورد في بعض الاعتراضات على التقرير، فإننا نرى أن هذا السبب بالذات، هو نتيجة لتخلف العرب بوجه عام، كما يكرر المفكر قسطنطين زريق، وليس العكس. بل كان من المتوقع، استنادا إلى نظرية” آرنولد توينبي” في ” التحدي والاستجابة”، أن يشكل هذا التحدي  المباشر،  منذ إعلان وعد بلفور، أو بالأحرى منذ المؤتمر الصهيوني الأول(باسل 1897)، يشكل استجابة مضادة، تدفع العرب إلى التصدي لهذا الخطر الداهم، بالتسلح  بالعلم والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة، وبالتالي الاكتفاء الذاتي من إنتاج السلاح للدفاع عن أراضيهم ومقدساتهم.
2- اعتبر التقرير الوطن العربي، من المناطق الأكثر تخلفا في العالم، من حيث نمو الدخل الفردي. فلم يتعد معدل نمو الدخل القومي للفرد الواحد عن نصف في المائة، سنويا، خلال العشرين عاما السابقة. وهذا هو المعدل الأدنى في العالم، باستثناء أفريقيا جنوب الصحراء، التي تكاد تعيش في مجاعة دائمة. أي أن المواطن العربي العادي سيستغرق 140 عاما، لمضاعفة دخله. بينما تحتاج البلدان النامية الأخرى إلى عشر سنوات فقط، كما يقول التقرير. ونضيف إلى ذلك بعض المقارنات مع إسرائيل، لنكشف للقارئ سعة الفجوة الاقتصادية المتزايدة. فقد ارتفع الدخل القومي للفرد فيها، خلال الفترة 1985-1994، بنسبة 3 ,54 في المائة. كما تضاعف ذلك الدخل 5 ,26 مرة، خلال الفترة 1948-1997. ويمثل هذا الرقم، ارتفاعا هائلا، إذا أخذنا بعين الاعتبار تضاعف سكانها قرابة ثماني مرات، خلال تلك الفترة(يوسف الصايغ: “الإمكانات الاقتصادية الإسرائيلية”، في كتاب “العرب ومواجهة إسرائيل”،بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،المجلد الأول، ص384). وقد يقول البعض أن سبب ذلك هو المعونات الخارجية، وهذا صحيح إلى حد ما. ولكن دعونا نقارن بين ما وصلهم وما وصلنا من أموال، ونتأمل! فقد بلغت المعونات التي قدمت إلى إسرائيل، بما فيها المساعدات الأمريكية والتعويضات من الحكومة الألمانية، 134مليارا، من وقت إنشائها إلى عام 1997(ص383 المرجع السابق). بينما ” أخفقت البلدان العربية في الاستفادة من تكوين رأس المال الثابت F.C.F.G ، الذي يقدر بأكثر من ألفين وخمسمائة مليار دولار ، خلال العقدين السابقين”، كما يقول الخبير أنطوان زحلان(ص468،المرجع نفسه) . أي أنها فشلت في الاستفادة من تلك المبالغ الهائلة، التي حققتها من بيوع النفط، في إنشاء البنية التحتية للعلوم والتكنولوجية، وبالتالي للصناعات الثقيلة والخفيفة، بغية الانطلاق في عملية التنمية الاقتصادية. وهكذا أصبح  الناتج القومي للفرد الإسرائيلي متفوقا على مثيله العربي بسبعة أضعاف، في عام 1995(نادر فرجاني: “الإمكانات البشرية والتقانية العربية”، المرجع نفسه،ص719). ويمثل إخفاق الأنظمة العربية، وخاصة الخليجية، في استثمار عوائد النفط في بناء الهياكل التحتية لقاعدة التنمية الصناعية، مظهرا واضحا من مظاهر “التخلف الحضاري”،الذي سنبحث آثاره في الفقرة التالية، والذي يتضمن، بين أمور أخرى، الحكم الطالح، وسوء التخطيط والإدارة، وعدم إدراك أهمية العلم والتكنولوجيا في رقي الأمم، بالإضافة إلى الفساد المستشري على جميع الأصعدة، لاسيما وأن بعض دول الخليج النفطية  تعتبر المال العام ، هو مال الأسرة الحاكمة، بدليل أن بعض الأسر الحاكمة قامت بسحب بعض أموالها المودعة في المصارف الأمريكية، التي تقدر بـ 600مليار دولار، خشية تجميدها، هذا بالإضافة إلى الأموال المستثمرة في المصارف الأوربية التي تقدر بـ400 مليار دولار على الأقل( النشرة الاقتصادية، تلفزيون الجزيرة،21/8، وصحيفة القدس العربي،19/8 ص 1) . فلنتصور مدى ما يمكن أن تنتجه هذه الأموال الهائلة من نتائج مثمرة لو استثمرت في مشاريع منتجة في البلدان العربية.
3- لو بحثنا بعمق موضوعي وتأن فكري، في الأسباب الجذرية لجميع الهزائم والكوارث التي حلت بنا، كعرب و/ أو كمسلمين، منذ مواجهتنا مع الحضارة الغربية، خاصة منذ مطلع القرن العشرين، لوجدناها تتركز، كما نرى، على الأرجح، في سبب أساسي واحد، هو” التخلف الحضاري”، كتعبير بديل عن الفجوة الحضارية. ويمكن تفصيل هذا التخلف وتصنيفه في أقسام وفروع أو أشكال، من أبرزها: التخلف الفكري، وخاصة العلمي أو المعرفي والفلسفي؛ والعملي، ولاسيما التكنولوجي والإداري؛ والاقتصادي، والأهم من كل ذلك تخلف الوعي الحضاري أو الحس الحضاري . وتترابط هذه المجموعة من أشكال التخلف وتتداخل وتتوالد وتتفرع، فتشكل شبكة هائلة وقاتلة،  تغطي كيان المجتمع العربي بأسره، ابتداء من رجل الشارع البسيط اليائس  والمستسلم للمكتوب، وانتهاء برجل النظام الذي نال مركزه بالقوة أو بالوراثة، والذي يعتبر السلطة”غنيمة”ربحها هو أو أبوه، بجدع أنوف الرعية والمعارضة. وتقوم هذه”الشبكة” بعزل الفرد العربي العادي، وحتى المتعلم، عن العالم المتقدم، لا عزلا ماديا أو إعلاميا، أو استهلاكيا، بل عزلا فكريا وحسيا، يبعده عن الرؤية العقلانية الواعية والعميقة، عما يدور حوله من انفجار معرفي، وتقدم علمي وتكنولوجي، وتحرر فكري وفلسفي، وصراع إيديولوجي وإبستمولوجي. ويؤدي كل ذلك، بالتالي، إلى ضعف وعيه بآثار هذه التطورات الهائلة، على وطنه وحياته العامة والخاصة، وعلى مستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده، بل مصيره ومصير مجتمعه ومعتقده وثقافته وهويته. والوجه الآخر والأبشع للتخلف الحضاري، هو”الضعف”، على جميع المستويات، وخاصة التعليمي والسياسي والتفاوضي، والعسكري،أو الردعي، والتكتيكي والاستراتيجي،والتنظيمي. وكل هذه المستويات تترابط مع أشكال التخلف السابقة، أو مع تفرعاتها، وتتشابك وتتفاعل معها، لتزيد من تفاقم الوضع، وندخل في حلقة كارثية مغلقة، يؤثر فيها كل عامل سلبي على العوامل الأخرى، فيزيدها سوءا، وهكذا. . . إلى أن أصبح أبناءنا فريسة للقتل الجماعي يوميا في فلسطين والعراق، الذي يتعرض إلى أشنع مذبحة في تاريخ البشرية، قتل خلالها ما يزيد على مليون ونصف إنسان، بسبب الحصار.
4- فنكبة فلسطين وفشل العرب الذريع في الدفاع عن أراضيهم ومقدساتهم؛ وسيطرة الغرب على مقدرات الأمة؛ وإخفاق جميع الانتفاضات والثورات التي حدثت للتخلص من النفوذ الأجنبي، الذي خرج من الباب ليتسلل بيسر من جميع الفجوات التي تنتشر في هذا السياج العربي المتهاوي؛ فضلا عن نكبات الشعوب العربية الأخرى في العراق  والسودان والجزائر ولبنان، والحصارات المفروضة على الأمة؛ وفشل مشروع النهضة وجميع الحلول والحركات والمذاهب والمبادئ الفكرية والسياسية، بما فيها الاشتراكية والقومية والليبرالية؛ أقول جميع هذه الإخفاقات والنكبات، وغيرها، كان سببها الأساسي كما نرى، “التخلف الحضاري” بجميع أشكاله ومظاهره السابق ذكرها، والتي كشف  التقرير عن بعضها . هذه النقطة الأساسية لم نلاحظها في الردود والتعليقات، التي اطلعنا عليها، والتي وردت على تقرير الأمم المتحدة الأخير، مع أننا نعتقد أنها نقطة حاسمة في تفهم الأزمة الخانقة التي يتعرض لها العرب والمسلمون اليوم، تمهيدا لمعالجتها.
5- ويأتي تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية في الوطن العربي، الذي عكفتت على إعداده تلك النخبة المتميزة من المعنيين العرب، لأول مرة في تاريخ المنظمة، شاهدا ومؤكدا لهذه الحقيقة الصارخة، في هذا الوقت الخطير بالذات، حين تعصف بالعالم أحداث جسام، و تتعرض الأمة العربية والإسلامية  إلى تحديات و كوارث جديدة، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، فضلا عن النكبة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني المكافح، تحت سمع العالم وبصره، وفي الوقت الذي تظل فيه الأنظمة العربية تستجدي السلام بل التطبيع الكامل وحتى الاستسلام، وفي حين تظل الشعوب العربية والإسلامية الأخرى صامتة، لا بسبب القمع الذي تتعرض له فحسب، بل بسبب “تخلفها الحضاري” بالذات، الذي ينعكس في قبولها بالأمر الواقع، مهما كان قاسيا، وإيمانها بالقضاء والقدر، ويأسها من  تحسين أوضاعها المتردية.
نقول في هذا الوضع المأزوم أو المتوتر،بالذات، يصدر هذا التقرير الخطير الذي ينبهنا بصراحة قد تكون قاسية، من جهة، ولكنها قد تكون حافزا على تكريس الجهود، وتحطيم القيود، لإنقاذ هذه الأمة من هذه الغمة. والحقائق التي يذكرها التقرير، ويسندها بالإحصاءات المعتمدة، كثيرة ومذهلة، نذكر بعضها، على سبيل المثال، بالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه:
6- إن متوسط إنتاجية الفرد العربي الواحد قد انخفض بمعدل سنوي مقداره 2 ,0 في المائة، خلال الفترة 1960-1990، بينما ارتفع ذلك المعدل ارتفاعا سريعا في بقية أرجاء العالم. وفي 1960، كانت الإنتاجية الصناعية في الوطن العربي تساوي 32 في المائة من مثيلتها في  أمريكا الشمالية، فانخفضت اليوم إلى19 في المائة. ويؤكد التقرير أن البلدان العربية اقل البلدان تطورا على الصعيدين الكمي والنوعي. لذلك فإن انخفاض الإنتاجية يعني أننا نسير إلى الوراء، خلافا لجميع أمم الأرض، بما فيها البلدان النامية الأخرى،ناهيك عن البلدان المتقدمة، التي ترتفع فيها إنتاجية الفرد، وبالتالي إنتاجية المؤسسة فالأمة، بوتائر جد عالية. وكدليل على ذلك، نشير إلى إحدى شركات الأدوية، التي قامت بمضاعفة إنتاجيتها باستخدام التكنولوجيا الحديثة بطرق علمية  وإبداعية جديدة، فقامت باختزال حاصل جهد 20 –30 باحثا، على مدى عامين أو ثلاثة، ليصبح مجرد جهد باحث واحد أو اثنين لفترة عدة أيام فقط(محمد حامد: إدارة المعرفة،ص59)   .
7- ويشير التقرير  إلى أن الدخل الفردي  في الوطن العربي كان أعلى من بلدان النمور الآسيوية في عام 1960، بينما أصبح الدخل الفردي لكوريا يساوي ضعف الدخل العربي. فقد بلغ معدل النمو السنوي الفردي في تلك البلدان قرابة سبعة في المائة، بالمقارنة مع الوطن العربي الذي يبلغ نصف في المائة فقط، كما أسلفنا.
وهذه مفارقة عجيبة أخرى تدل على مدى الخلل الخطير في سلوكيات الحكومات وإدارتها الفاشلة في التصرف بثرواتها. ذلك لأن كوريا مثلا، كانت قد استفادت كثيرا من إنجاز بعض المشاريع في بلدان الخليج، حيث ربحت منها على قرابة 30مليار دولار، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وأضافت هذا المبلغ إلى تكوين رأس مالها الثابت لبناء قاعدتها العلمية والتقانية والصناعية. في حين ظلت البلدان العربية تراوح مكانها بل تتراجع بانتظام، لا بالنسبة للبلدان المتقدمة، بل بالنسبة لبلدان آسيوية أخرى كانت أكثر منها تخلفا، قبل أربعة قرون فقط، مثل ماليزيا،وهي بلد إسلامي، وتايلند، وسنغافورة، والصين، بالإضافة إلى كوريا الجنوبية( انظر:محمود عبد الفضيل،” العرب والتجربة الآسيوية”). علما أن هذه البلدان قد اعتمدت على كفاءاتها الذاتية، في المقام الأول. نعم، ساعدت أمريكا كوريا الجنوبية وتايوان، مثلا، ولكن يظل السؤال مطروحا بالنسبة لبلدان النمور الآسيوية الأخرى. وفي هذا السياق، نتساءل لماذا نهضت بلدان كانت خاضعة للاستعمار والاستغلال، كما كنا واكثر، مثل الهند، التي أصبحت تصدر الرقائق الإلكترونية والبرامجيات إلى البلدان المتقدمة بعشرات المليارات من الدولارات. بينما أكد التقرير ،موضوع البحث، أن المنطقة العربية، ليست فقط بعيدة كل البعد عن الإنتاج الإلكتروني العالمي، بل إنها أقل البلدان استخداما لتـقـنيات المعلومات عن طريق استعمال الحواسيب(الإنترنيت). فقد بلغت نسبة الأفراد الذين يستخدمون هذه التقنيات فيها قرابة النصف في المائة فقط، وهي أقل نسبة في العالم.
8- وأشار ذلك التقرير، إلى أن الأمية قد انخفضت من 60 إلى 43 في المائة ، منذ عام 1980.أي أن عدد الأميين لا يزال  65 مليون، منهم قرابة 70 في المائة من الإناث. ومع أن التحاق الأطفال بالمدارس قد ارتفع، إلا أنه لا يزال متدنيا عن باقي البلدان النامية. علما أن كوبا قد قضت على الأمية مؤخرا، أما اليابان فقد استأصلت هذه الآفة منذ نهاية القرن التاسع عشر. بينما تستقبل الأمة العربية القرن الحادي والعشرين وقرابة نصف السكان من الأميين والفقراء، الذين  يقل  دخلهم عن الدولارين يوميا، على الرغم من آلاف المليارات التي دخلتنا من جراء بيوع النفط الذي يشكل 90 في المائة من صادرات البلدان العربية النفطية. ومع كل ذلك فإن الحكومة السعودية مدينة بمبلغ 200مليار دولار( صحيفة النهار16/8، قضايا 1) كما أن دولة نفطية غنية وصغيرة مثل قطر مدينة بمبلغ 22مليارا( محطة الجزيرة، النشرة الاقتصادية16/8). ناهيك عن الدول غير النفطية الغارقة حتى رأسها، بالديون، التي تتزايد بنسبة 20 في المائة سنويا، حتى أن الناتج المحلي الإجمالي لبعض البلدان أصبح لا يكفي لسداد خدمة الديون فقط ، أي الفوائد الربوية المضافة إلى أصل الدين .
9- وبالإضافة إلى هذه النسبة الهائلة من حجم الأمية، والنقص الكبير في النظام التعليمي، فإن نسبة إنفاق الأمة العربية على البحث والتطوير هي أقل من نصف في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع كوبا التي تخصص نسبة  26 ,1 في المائة، واليابان 9 ,2 ، في عام 1995. وبغية إيضاح المقارنة والتفاوت، بيننا وبين البلدان المتقدمة نذكر أن ، 300 من شركات تقانة المعلومات  في العالم أنفقت  216 مليار دولار على البحث والتطوير في عام1997. وهذا المبلغ يزيد 300مرة على ما تنفقه جميع البلدان العربية على كافة أنشطة البحث والتطوير( أنظر أنطوان زحلان، مجلة “المستقبل العربي”،  عدد248، 10/1999، ص18). وتنفق إسرائيل أكثر من عشرة أمثال ما تـنفقه جميع البلدان العربية مجتمعة، على البحث والتطوير. فقد أنفقت إسرائيل على البحث والتطوير، في المجال المدني المعلن فقط، في عام 1994، 7 , 1 مليار دولار. أما في الميدان العسكري، غير المعلن، فإن هذا المبلغ يتضاعف عدة مرات، بدليل أن إسرائيل أخذت تصدر الأسلحة الحديثة والرقائق الألكترونية،  إلى عدد متزايد من البلدان الآسيوية والأفريقية. هذا مع العلم أن لدى إسرائيل ست جامعات، مقابل قرابة 200جامعة في البلدان العربية، خرجت ما يربو على 12مليون خريج، أي أكثر من ضعف سكان إسرائيل،  منهم أكثر من مليون من الاختصاصين وحملة إجازة الدكتوراه، ومع ذلك لم تتجاوز نسبة  تسجيل هذه الملايين الغفيرة من براءات الاختراع سوى عشر علامات لكل مليون نسمة في عام1997 . بينما سجلت إسرائيل بجامعاتها الست، نسبة 102 براءة اختراع لكل مليون نسمة في نفس العام. وفي هذا الميدان، لم تتفوق على إسرائيل، في نفس العام، إلا خمس بلدان هي، حسب الترتيب: الولايات المتحدة، اليابان، سويسرا، تايوان، السويد. بينما تفوقت كثيرا على كل من المملكة المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية، وعلى ألمانيا بفارق قليل( فرجاني، المرجع السابق، ص728). وفي حين اشترت مصر مؤخرا قمرا صناعيا للبث التلفزيوني، شرعت إسرائيل تطلق أقمارا من صنعها، ومنذ عام 1988، حين أصبحت، العضو الثامن في نادي الفضاء، إلى جانب الدول الكبرى. ولم يسبقها من الدول النامية إلا الصين (1977) والهند (1987). ويستعرض الدكتور نادر فرجاني تفوق إسرائيل على الوطن العربي،مع مراعاة نسبة الفرق في عدد السكان فيقول إن إسرائيل تتفوق بنسبة” عشر مرات في الأفراد العلميين،واكثر من ثلاثين مرة في الإنفاق على البحث والتطوير، واكثر من خمسين مرة في وصلات الإنترنيت ، وأكثر من سبعين مرة في النشر العلمي، وقرابة ألف مرة في براءات الاختراع” ويضيف أن هذه بعض الفروق التي يمكن حسابها كميا، أما” الفارق النوعي في الناتج التكنولوجي بين العرب وإسرائيل فهو أكبر بكثير من أعلى الفوارق التي توصلنا إليها كميا”، ويؤكد أن الفارق النوعي يصل إلى أرقام فلكية( المرجع نفسه ص736).
10- والمفارقة الكبرى أيضا، أن إجمالي  الناتج المحلي الإجمالي، لجميع البلدان العربية(22بلدا) لا يتجاوز 531 مليار دولار،أي أقل من مثيله في أسبانيا، حيث يبلغ 595 مليارا. هذا على الرغم من أن تسعين في المائة من عوائد البلدان العربية تأتي، كما أسلفنا، من النفط ، وهو سلعة ناضبة.  فضلا عن أن أسبانيا تعتبر من أقل بلدان الاتحاد الأوربي تقدما. وعلى الصعيد الثقافي فإن أسبانيا تترجم سنويا من الكتب الأجنبية إلى اللغة الأسبانية، ما يعادل جميع الكتب التي ترجمت إلى العربية من عصر المأمون  إلى اليوم، كما يقول التقرير.
11- ويمضي التقرير في استعراض مظاهر التخلف في البلدان العربية، وعلى مختلف الأصعدة، ثم يشخص أسباب هذا التخلف فيعيده إلى ثلاثة عوامل  أساسية، هي  فقدان الحرية، وعدم تمكين المرأة، ونقص المعارف. ويضيف أن النمو وحده سوف لا يسد هذه الثغرات، كما أنه لن يساعد بمفرده على فتح الطريق أمام الأمة للوصول إلى التنمية المستدامة. أي أن على العرب معالجة جذور المشكلة التي تتجلى في العوامل التي ذكرها أعلاه، وهذه العناصر الخطيرة الثلاثة، بحاجة إلى بحث خاص آخر.
12- وأخيرا أقترح أن تتبنى الجامعة العربية هذا التقرير الخطير وتعمل على: أ) إنشاء هيئة خاصة يشترك فيها بعض أعضاء فريق صياغة التقرير، وممثلون متخصصون عن جميع الدول العربية بالإضافة إلى صندوق الإنماء العربي  ،  ب) عقد مؤتمر لوزراء التخطيط والصناعة والاقتصاد والتعليم العرب لدراسة المقترحات التي وضعتها الهيئة، خاصة، في سبيل محو الأمية، وتحسين مستوى التعليم، وبناء البنية التحتية للعلوم والمعارف ، ومعالجة أسباب التخلف التي حددها التقرير، وهي إطلاق الحريات الأساسية، وتمكين المرأة، وبناء البنية التحتية لاكتساب المعارف والعلوم والتقنيات.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة