الأديب يوسف ناصر بين سؤال وجواب … مقابلة أجراها : الشاعر حاتم جوعيه

فن وثقافة …
أجرى اللقاء : حاتم جوعيه – فلسطين المحتلة …
قبل أن ندخل في تفاصيل المقابلة التي أجريناها مع الصّديق الأستاذ والأديب يوسف ناصر في منزله في كفرسميع ، لا بدّ أوّلاً  أن نشير وبحقّ إلى أنّ العرب المسيحيّين أدّوا دورًا كبيرًا عبر تاريخ العرب القديم والحديث في خدمة الأدب واللغة وغيرها من المجالات ، بدءًا من العصر الجاهليّ الذي عرف شعراء وخطباء مسيحيّين كثيرين مثل امرئ القيس وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم التغلبيّ وغيرهم، مرورًا بالعصر الأمويّ والعباسيّ، وانتهاء بالعصر الحديث الذي عرف كبار علماء اللغة العربيّة كالشيخ ناصيف اليازجي، ونجله الشيخ ابراهيم اليازجي وفارس الشدياق وبطرس البستاني وأنستاس الكرملي وغيرهم كثيرون ممّن أكثروا من التأليف والتصنيف في شتّى مجالات اللغة العربيّة ، وممّن كان لهم الفضل الكبير في بعث اللغة العربيّة، ونهضة القوميّة العربيّة في بلاد الشام خاصّة. أمّا في بلادنا فقد عرفت اللغة العربيّة منذ العهد البريطانيّ عددًا من أعلام اللغة المسيحيّين وأساتذتها أمثال نخله زريق، وخليل بيدس، وخليل السكاكيني، وحبيب الخوري وغيرهم ممّن تركوا آثارًا باقية لدى طلابهم. هذا، ولم يقتصر دور العرب المسيحيّين في هذا المجال على بلد دون آخر، بل شمل أكثر البلدان العربيّة دون استثناء.
والأستاذ أبو غِياث يوسف نعمان ناصر واحد بين ألمع مدرّسي اللغة العربيّة في الجليل خاصّة، والبلاد عامة من أبناء ذلك الرعيل الذين خدموا اللغة العربيّة في مدارسنا الثانويّة أجلّ خدمة، إبّان نشوء هذه المدارس في القرن الماضي، وحين لم يكن غير هؤلاء من المدرّسين يحمل لواء اللغة، وبعث الوعي الوطني، والقومي، والثقافي من خلالها بين الطّلاب العرب بمختلف انتماءاتهم وطوائفهم، وفي أقسى الأحوال والظروف من عقود القرن الماضي، ، وحين كانت المدارس الثانويّة في الجليل خاصة، تقتصر على عدد قليل من المدارس التي يؤمّها الطلاب من أبناء شعبنا من مختلف قراه، ومناطقه من جنوب النقب والمثلث إلى شمال الجليل، كالمدرسة الثانويّة البلديّة في الناصرة، والكليّة العربيّة الأرثوذكسيّة في حيفا، ومدرسة الرّامة الثانويّة، ومدرسة ينّي الثانويّة في كفرياسيف، ومدرسة ترشيحا الثانويّة وغيرها من  المدارس الأهلية العريقة التي احتضنت كبار أساتذة اللغة العربيّة، منهم من رحلوا، ومنهم ما يزالون يخدمونها حتىّ الآن، والذين تربّى على أيديهم أكثر الشعراء والأدباء والكتّاب من أبناء شعبنا، في أصعب مرحلة من تاريخه وتاريخ مدارسنا. وإذ نخصّ بالذكر هنا أساتذة اللغة العربية في المدرس الثانويّة دون غيرهم من أساتذتها في المدارس الابتدائيّة، والجامعات، فقد كان بين أولئك المدرسين أستاذنا وشاعرنا الأديب يوسف ناصر الذي درّس العربيّة أربعة عقود في مدرسة ترشيحا الثانويّة، وطيّب الذكر الأستاذ الشاعر ابن قرية المغار شكيب جهشان الذي درّسها في مدرسة الرامة الثانوية، وطيّب الذكر الأستاذ مطانس مطانس ابن قرية أبو سنان الذي درّسها في مدرسة يني الثانويّة في كفرياسيف ، وطيب الذكر الأستاذ حبيب حزان ابن الناصرة الذي درّسها مع المرحوم حنا ابراهيم ابن قرية الرينه في المدرسة الثانويّة البلديّة في الناصرة، والأستاذ الشاعر حنّا أبو حنّا الذي درّسها في الكليّة الأرثوذكسيّة في حيفا، وإلياس الحزوري الذي درّسها في ثانويّة الرامة، وكثيرون غيرهم ممّن حملوا لواءها في مدارسنا الثانويّة كالدكتور الشاعر جمال قعوار، وطيب الذكر الشاعر فوزي عبدالله، وطيّب الذكر الأستاذ نمر رواشده، وطيّب الذكر الشاعر حبيب شويري وطيّب الذكر حبيب بولس الذي وافاه أجله قبل فترة وجيزة.
والأستاذ يوسف ناصر إضافة إلى ما ذكرت، محاضر في جامعة القدس والمراكز التربويّة في القدس والجليل في دورات استكمال معلمي اللغة العربيّة في المدارس الإعداديّة والثانويّة، يحمل شهادة الماجستير في اللغة العربيّة والأدب المقارن، شاعر وأديب، له أعمال أدبيّة عدّة، منها ديوان “ومضات وأعاصير”، ورواية “ضريح الحسناء”، و”المعلّم” في الإعراب، و”ورق ورحيق”، و”قلائد العقيق”، و”لعاب الأفاعي” و”صوت صارخ في البريّة” وغير ذلك من أعمال أدبيّة كثيرة تنتظر الطبع. ومن المعروف أنّه يحظى بتقدير منقطع النظير لدى كلّ من درس على يديه، واحترام لدى أبناء مجتمعنا وشعبنا.
وفي لقائنا مع الأستاذ يوسف ناصر في منزله، وجهنا له الأسئلة التالية:
ـ من اللافت أنك سمّيت أبناءك من الأسماء ما ليس لأسرة عربيّة في البلاد؟
هذا وجه من وجوه انتمائي للغتي، فغِياث نسبة إلى الأخطل التغلبيّ الشاعر المعروف، سيّد قبيلته، والذي يمثّل في سيرته وسيرة قبيلته تغلب مشاعر العزّة والإباء. وجرير، نسبة إلى الشاعر المشهور جرير بن عبد المسيح خال طرفة بن العبد. وعروة، نسبة إلى عروة بن الورد الشاعر الذي يمثّل السخاء والعطاء، والذي جعله عبد الملك بن مروان في مرتبة فوق حاتم الطائي. وقيس ، نسبة إلى قيس بن مسعود الشيبانيّ البكريّ الملقب “بذي الجدّين” لنبل محتده. وإياس نسبة إلى إياس بن قبيصة الطائيّ، أحد ملوك الحيرة وفرسانهم المعدودين . حفظهم الله برعايته ووفقهم مع  أبناء الناس جميعًا.

ـ ماذا يمكن للقارئ أن يعرف عن مكوّناتك الأدبيّة والشخصيّة !
أبي وأمّي رحمهما الله كانا ينبوعي الأوّل الذي ما زال يروّي عروقي ولا ينضب رغم ذهابهما منذ أعوام بعيدة من هذا العالم. ذلك الجيل البريء من آبائنا الذي كان يربّي على القيم السامية، ربياني على محبّة الناس دون حدود، والإخلاص والتضحية في سبيلهم، إلى جانب العزّة والأنفة، وهذا فضل نوّهت به في مقالتي “هنا قتلني أبي” من كتابي الأخير ” قلائد العقيق”، ويبقى الكمال لله وحده، والعياذ به دائمًا. يضاف إلى ذلك تلك الظروف القاسية التي غشيَتْنا ولم يكن في قلبها أيّ رحمة، فقد نشأتُ في أسرة استفاقت طفولة أبنائها على أب يكابد مرضًا ما برحه سنوات طويلة، يقضيها بين المشافي في الناصرة وحيفا، وأنا وأخوتي وأخواتي كنّا مرحلتئذ “زغب الحواصل” في أسرة تعاني الفقر والحرمان كسائر أبناء القرى في سنوات الخمسين، أوَليست أيّام كهذه تمرّ بك وتلقي في بئر نفسك ما تلقيه من الأحزان والآلام والذكريات ثم تذهب!!  وليت ذلك توقّف عند ذلك، بل تعداه إلى أنّنا أسرة رماها الدهر بغير ما تستحق من عواديه وموجعاته، فقد فقدتْ أختين صبيّتين كالأملود الغضّ أيّام الربيع، وأخًا في ريّق الشباب، ممّا فتح جرحًا داميًا لا يلتئم في نفسي ونفوس أبناء الأسرة كافّة. هذا إضافة إلى أن قدري مشكورًا، قد أنعم عليّ، وشرّفني، بل مجّدي وأسدى إليّ فضلاً عظيمًا إذ خصّني وألقى عليّ من التجارب صخورًا ثقيلة تكاد تنوء بها الجبال الراسيات، ما زلت بفعلها عبر عقدين قابضًا على الجمر، وأترك ذكر تفاصيلها إلى مناسبة أخرى. أوَليست  الأخلاق العظيمة من إقدام وتضحية تكلّف أصحابها ثمنًا باهظًا؟ تلك التجارب، في نظري، ولا أغالي، كانت أعظم كتاب ألقته الحياة بين يديّ وقرأته، ولا أظنّ كتابًا أبلغ منه يقع بين يديّ بعد، إذ كان له فضل عظيم في شحذ مداركي، وصقل عواطفي، وكشف الستار أمام عينيّ عن مناطق واسعة، ومسافات شاسعة في المجتمع كنت أجهلها، مثلما أمدّتني بما لم أكن أعرفه من قبل من طبائع الناس وأنواعهم. ولا أنسى مصدرًا مهمًّا من مصادر تكويني وثقافتي، ذلك ما قرأته من عيون الأدب العربيّ والعالميّ ونفائسه . وقبل ذلك كلّه، تبقى عندي سيرة السيّد المسيح وتعاليمه، أعظم المصادر التي أستلهم منها مبادئي في المحبة والسلام ومناهضة العنصرية وغيرها من الأمراض الخبيثة في هذا العالم. وفيما يتعلّق بتكويني اللغويّ والأدبيّ، فقد بدأتُ أستاذًا لنفسي وما زلت كذلك في كثرة مطالعتي وقراءاتي. أنا لا أكفّ عن القراءة، تجوع نفسي مثل جسدي، والفرق أنّني بفعلها أكول نهم كلّ الوقت على موائد كتبي، وكما ترى تبقى الكتب هكذا مبعثرة في أماكن عدّة من منزلي، فالمكتبة التي تراها ليست تحفة للزينة، وإن كانت تصلح لذلك، لكنّها تبقى صيدليّتي كلّما توجّعت روحي تناولتُ منها جرعة شافية ممّا قاله العظام فتستكين.
ـ ما الذي قرأته مثلاً ؟
لا تعجب أنّ جشعي في القراءة، قد حملني على قراءة موسوعات أدبيّة بكاملها، كمعجم الأدباء، والأغاني، ونفح الطيب، وصبح الأعشى، والعقد الفريد، وغيرها كثير من الأدب العربيّ. إضافة إلى الأعمال الأدبيّة الخالدة في الأدب العالمي. أعود إلى سؤالك، أمّا نهجي في اللّغة خاصّة ، فراجع إلى أنّني كنت اتخذت منذ الصغر الشيخ ناصيف اليازجي وغيره من أساطين اللغة العربيّة أساتذتي، خاصّة ما قرأته لهم من كتب فريدة في اللغة، كالمناظرة اللغويّة بين نجله الشيخ ابراهيم اليازجي وبين الشدياق، وهذا الأمر، جعلني أنحو في اللغة نحوًا خاصًّا فيما أكتب يتمثّل في الحرص على دقة اللّغة ورصانتها، وتخيّر ألفاظها، وضبط استعمالها على نهج ما استعملته العرب مع تجنّب الغريب والحوشيّ من الألفاظ.

ـ وماذا عن انتمائك السياسيّ وموقفك من ذلك؟
أومن بحقّ كل الشعوب في تقرير مصايرها بنفسها، وأومن بالسلام العادل والدائم الذي يقوم على قيام دولتين مستقلّتين لشعبين يعيشان بأمن وطمأنينة. أومن بحوار العقول لا بحوار البنادق، وأمقت الظلم على أنواعه ضدّ أيّ إنسان. أعظم الانتماءات عندي انتمائي إلى الإنسانية جمعاء والأسرة البشريّة عامّة. لم أنتمِ إلى أيّة حركة، ولم أحمل بطاقة أيّ حزب سياسيّ طوال حياتي،  إذ وددت أن أكون حرّا في فكري لا تابعًا لأحد، لا أرى بعين غيري ولا أسمع بأذنه، أو أن يكون هناك من يجرّ عقلي أمامي، فأكون مجرورًا وراءه، في نظري إنّ أيّ إناء مهما اتّسع لا يمكن أن يتّسع دائمًا للعقل البشريّ النامي والثائر، خاصّة أنّه ما من شيء ثابت في هذا العالم  إلاّ المتغيّر، أما ترى أنّ أعظم الأحزاب والنظريات التي بالغ الناس في تأييدها مرّة عبر التاريخ القديم والحديث، قد بادت وتبدّلت! لذلك اخترت لنفسي أن أكون أنا وحدي حزبًا لنفسي بفكري وإيماني.

ـ لكنّ العمل السياسيّ ضرورة في عصرنا أليس كذلك؟
لا شكّ في أنّ الحياة السياسيّة تقتضي إقامة أحزاب تتنفّس من خلالها الجماهير، وتعبّر عن آرائها، وتتخطّى حكم العقل الواحد، وتساهم في الإبداع الفكري وصولاً إلى الصواب، لكنْ لا أدري، يناقض طبعي أن أكون قطعة صغيرة بين آلاف القطع في مركبة تجري بي أينما تشاء، وإن كان كلّ واحد منّا معشر البشر قطعة صغيرة في سفينة هذا العالم، ومن حيث لا نعلم يجري بنا الربّان حيث يشاء في لجّة الزمن السحيق. مع ذلك إنّ أخلاق السياسة تتناقض كثيرًا هي وأخلاقي، وكم يؤلمني أن ترى الرجل أمس في مكان واليوم في مكان آخر حين لم ينل مبتغاه. مع هذا، يبقى لكل واحد شأنه في هذه الدنيا بل أحترم كلّ من لا يرى رأيي  ولا يوافقني!
ـ كيف ترى واقع اللّغة العربية في البلاد؟
اللغة العربيّة في عصرنا واقعة في محنة عصيبة ذات أضرار جسيمة، لا بدّ أن ترتدّ على مستقبلها. بل إنّ هنالك من المؤسّسات التي بالغت في تقدير هذه الأضرار، ونعت لنا انقراضها في المستقبل! واقعها في بلادنا كواقعها الرديء في البلاد العربية، ولهذا الواقع أسبابه الكثيرة، أهمّها أن ثقافة الإنسان العربيّ عامّة ثقافة هزيلة ضحلة في مختلف المجالات بينها اللّغة العربيّة. وهذا الأمر يعود إلى جفوة قديمة وفُرقة مستمرّة بين العربيّ وبين الكتاب، ونتيجة لذلك، لا بدّ أن  تتأذّى لغته مثلما يتأذّى وعيه وحاضره ومستقبله. يضاف إلى هذه الأسباب، أن الأمّة العربيّة في أكثرها تعبر اليوم مرحلة غياب الانتماء القوميّ، وعلى نحو فظيع تهجر ارتباطها بعروبتها، مع استبدال الحسّ القومي، وبتوجيه من الغرب، بانتماءات كثيرة أبرزها الأصولية الدينية والمذهبيّة والطائفيّة والإقليميّة، وما اللغة إلا تعبير دائم عن الانتماء القوميّ، والجامعة بين أعراق وأصول شتّى في الأمّة الواحدة، وبقدر ما يضعف هذا الانتماء القومي في النفوس تضعف اللغة في الألسنة. إنّ اللغة أوّل حصون الدفاع وأهم القلاع للذود عن الأمّة، هي خزانة الأمّة وحضارتها دائمًا، وما سقطت أمّة من الأمم يومًا، إلاّ بعد أن سقطت لغتها من ألسنتها. يضاف إلى ذلك، أننا نشهد مرحلة غزو اللغات الأخرى لألسنة أبنائها العرب كالعبرية والإنجليزيّة والفرنسيّة بحكم أن هذه اللغات هي لغات الشّعوب الغالبة أو المحتلّة، ومثلما تتعرّض الأوطان عادة إلى احتلالات بالعساكر والجيوش، هكذا تتعرض الثقافات واللغات أيضًا. وفي نظري، احتلال من هذا القبيل هو الأخطر والأكثر تدميرًا! والعربيّ الذي يحكمه شعور الإنسان المغلوب والمقموع في عصرنا، يعاني أزمة الشعور بالإحباط، وفقدان الثقة بنفسه، وبلغته، خاصّة في غياب الانتماء الواحد، وضياعه في انتماءات متعددة ومتضاربة. ماذا تقول في جيل يهزأ من لغته، وأنها في نظر الكثيرين لغة متّهمة بعسر قواعدها، وأنّها لغة الأعراب، والبادية وأنها لا تنهض بالحضارة الجديدة! وهذا في نظري تجنٍ على لغتنا من أولئك الذين يتّهمونها ويجهلونها.
ـ فماذا تنصح لإصلاح واقعها؟
في نظري، إنّ لمعلم اللغة العربيّة أعظم دور في خلاصها ممّا هي فيه، وما كنت أتوقّع يومًا أن أجد أكثر معلمي اللغة العربيّة في مدارسنا الابتدائيّة والثانويّة لا يجيدونها ولا يتضلّعون منها، مع احترامي لعدد قليل منهم. نحن في عصر شهادات لا عصر كفاءات، وما أدراك كيف تُنال أكثر الشّهادات والألقاب! وأستثني كلّ من حازها باستحقاق وجدارة. ولهذا كلّه نتائج سيّئة نشهدها لدى طلابنا، وأنت توافقني في أنّ الطالب الضعيف من المعلّم الضعيف! إنّ جهل المعلّم للغة العربيّة يحجب عن الطالب أنفس الكنوز، ويحرمه أعذب الشراب. إنّه لا يستطيع اكتشاف المواهب ورعايتها لدى طلاّبه. لا يُحسن معلّم العربيّة تدريسها لطلابه إذا لم يكن لديه انتماء أصيل لها، وإذا لم يكن متيّمًا بها يذوقها ويتنشّقها، وإذا لم يتبحر بنفسه في أسرارها، مع الرجوع إلى أمّهات مصادرها، والوقوع على نفائسها، وفرائدها. إنّ معلمي العربيّة في زمن مضى كانوا أشدّ وفاءً لها وأكثر إلمامًا، وأفضل اهتمامًا، فالأستاذ المرحوم حبيب حزان مثلاً مدرس العربيّة في الثانويّة البلديّة في سنوات الخمسين، ألّف كتابًا ضخمًا بعنوان “الأدب الأندلسيّ من الاحتلال إلى الارتحال” ولا شكّ في أنّ هذا الكتاب تحقق بعد التنقيب والدرس المتواصل، هكذا على المعلم أن يكون فلاّحًا يحيا دائمًا بين السنابل .
ـ ما دمت ترى هذه الآراء، فلماذا إذن لم يشارك يوسف ناصر في  المجامع اللغوية في البلاد؟
أرجو إعفائي من هذا السؤال.
قرّاؤك الكثيرون في البلاد يستمتعون بجمال معانيك ولغتك ويعتبرونها فريدة، ما نهجك في الكتابة ؟
أرفض كلّ تقليد وكلّ قول مبتذل في الأدب. وفي نظري على الأديب أن يصنع من لغته لغة جديدة في أفكارها وأساليبها على نحو تستفزّ مشاعر القارئ وتبعث نشوته. الأديب في نظري هو من يضرب القارئ على قلبه فيصرخ فرحًا من فرط نشوته! كلّ كلام لا يكون كذلك هو كالمسخ الذي يخرج من الرحم ميتًا ولا يرى الحياة. عندي أنّ الأدب الحقيقي كلام خارق، لا كلام عاديّ يكون في متناول كل قلم، ولو أنّه كذلك لما كان هوميروس ودانتي وشكسبير وامرؤ القيس والمتنبي وغيرهم من العظام، يحيون في قلوبنا دون غيرهم. والعمل الأدبيّ إضافة إلى ذلك، يتطلّب جهدًا وعناء في الابتكار، وهندسة معماريّة للشكل والمضمون لحظة مخاض الأفكار والمشاعر،  إنّ النحلة يا أخي تغيب أيّامًا وهي تقطع مسافات طويلة بين الجبال والأودية ، لتعود بقطرة شهد واحدة، هكذا على خيال الأديب أن يرحل بعيدًا في غيبة طويلة يخرج فيها من وكره، ويجنّح بعيدًا في أودية النفس وجبالها وصحاريها، ويرمي بنفسه عميقًا في لجّة الوجود، ليعود بالمعنى الفريد، والأفكار النادرة والعجيبة. مع ذلك، لا أنكر أنّ الأساليب، وهي مطايا القلم، تكاد تكون في أكثرها مألوفة لدى الأدباء منذ نشأة الأدب، وهي بمنزلة الأدوات في أيدي الصانع، تتبدّل وتتجدّد بيديه وفق المصنوع ووفق مهارته. وهذا الأمر لا يمنع أن يترسّم أديب أو شاعر خطا من سبقه في أسلوب من الأساليب، شرط أن يحافظ على دم يجري منه في كلماته، ونبض له في تعابيره، فلا يغرق ويختفي في القاع من لغة غيره وأفكاره. ولا أرى في ذلك عيبًا أو منقصة، على غرار ما فعل ملتون مثلاً في ملحمته “الفردوس المفقود” من تقليد أسلوب “النفي المزدوج” الذي شاع في الملاحم القديمة لهوميروس وفرجيل، أو ما فعله تشوسر، وشكسبير نفسه في انتهاج أسلوب بوكاسى في قصصه، أوَ ليس في شعر المتنبي من طريقة أبي تمام ومن قبله من روح عنترة العبسيّ! ألم ينتهج جبران خليل جبران في أسلوبه خاصّة في استعاراته نهج فرنسيس مرّاش، ووليم بليك ووردزوورث! هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أعتقد أنّ جمال الأدب لا يتوقف على جمال المضمون وحده، بل يتجاوزه إلى جمال اللغة والأسلوب والطريقة، وقد ذكروا إنّ المعاني أرواح والألفاظ أجسادها، وفي نظري لا يكتمل العمل الأدبي إلاّ في اجتماع الأمرين معًا، إنّ للغة العربيّة كنوزًا، وذخائر دفينة كثيرة على الأديب أن يكتشفها، وأكثر كتّاب العربيّة في عصرنا غابت عنهم هذه الحقيقة، بل قل معي إنهم يجهلونها، أو لا يرون لها أيّة قيمة، أو لأنهم كسلى لا يجشّمون أنفسهم جهد الذهاب إليها لتحصيلها في خزائنها. لا تستغرب أنّ أعظم أدباء العالم من أمثال بترارك ودانتي وشكسبير وغيرهم كانوا يعنون باللغة عنايتهم بالأفكار، ولنا في الأدب العربيّ غير واحد من الشعراء الذين كانوا يعنون بتخيّر الكلمات وانتقاء التعابير بعد أن ظفروا بالمعنى وتحقّق لهم اصطياد الفكرة. تلك أهمّ ملامح طريقتي في الكتابة.
تجمع في كتاباتك  بين الشعر والنثر ؟
لكل من الشعر والنثر موضوعاته أو حالاته وقضاياه، وما يصلح للتعبير عنه في الشعر من الوسائط، لا يصلح في النثر أحيانًا كثيرة، روح الأديب واحدة، وإن تنوّعت سيولها، وتقلّبت بها فصولها من صيف وشتاء.
ـ ما رأيك في أدبنا المحليّ؟
في أدبنا المحلّي غير واحد من الشعراء والكتاب والشاعرات والكاتبات، ممّن أحترمهم، بل تربطني بهم علاقة حميمة، ولكل واحد تحيّتي وتقديري لما قدّمه للناس من حشاشة قلمه فيما كتب، غير أنّ أولئك الأحبّاء ـ وحاشا أن أنتقص  قدرهم ـ لا أحسبهم سوى شعراء وكتّاب مرحلة عابرة تمرّ لتحلّ محلّها مرحلة أخرى. من جهة أخرى، ألا ترى أنّنا نشهد هبّة بل هجمة لأولئك الذين يتّخذون من الأدب غايةً، مع افتقارهم إلى المواهب وغياب الأصالة لديهم؟ ألا ترى أنّنا في عصر غياب الأصالة لدى أكثر الفنون من أدب وموسيقا وغناء؟ إنّني أشجّع، بل أفرح وأتهلل لكلّ من يُقبل إلى حلبة الأدب، ويبوح بما يعتلج في خاطره، ومن أولئك من وضعوا الكثير من النصوص بين يديّ كي أقول رأيي فيها، انظر حولك، فلا ترى إلاّ من يريد أن يكون بالقوّة شاعرًا ، وبكثرة النشر ناقدًا، وبطول الثرثرة كاتبًا، وسعيًا للكسب مؤرّخًا. ليس في نظري شيء فضّاح لصاحبه كالكلمة، فمن النّاس من لا يرحمون أنفسهم، بل يجلبون المهانة لأنفسهم من حيث لا يدرون، منهم بدل أن يسكت ويعرف قدره، يدَعُ قلمه يدلّ على فقر ثقافته ، وسذاجة معرفته، ويكشف عن غثاثة قريحته. هذه ظاهرة منتشرة في بلادنا بين مختلف الظواهر الأخرى التي لا تجد تعليلاً لها إلاّ في علم النفس. يا أخي لا تكفي الموهبة وحدها إن توفّرت، إنّ مع الموهبة أمورًا كثيرة أهمّها الاطّلاع الواسع لا المعرفة المحدودة، والتجربة الحيّة لا تقمّص التجربة وادّعاؤها، والإلهام لا الاستلهام، لذا أقول اقرأْ اقرأْ اقرأْ ثلاث مرّات، وأقول اكتبْ مرّة واحدة. استقرئ خبر أكثر الأدباء الكبار في الأدب الغربي، فلا تجدنّ واحدًا منهم قبل أن يكتب، إلاّ قد بلغ أعظم قدر من التجربة، بعد المعرفة الذاتية والأكاديميّة في أرقى جامعات العالم كأكسفورد وكامبردج وهارفارد، مثل ملتون، ودرايدن ووردزورث، وشلي أكبر شاعر إنشادي في الأدب الإنجليزي، وإليوت الذي تلقّى تعليمه في جامعة هارفارد وباريس وأكسفورد معًا. إنّ الساقية لا يمكنها أن تروي السهول العطشى كالنهر المتدفّق، والعندليب لا يمكنه أن يغرّد فوق الغصون ويهيج تباريح القلب، إن لم يكن ما يبعث شدوه وغناءه بين الأطيار.
ـ وماذا مع النقد المحلّي؟
النقد أو ما يسمونه نقدًا في أدبنا المحلّي جُلّه نقد  انطباعيّ، يعمد إلى المحاباة والإطراء في أكثره. أقول في أكثره حتى لا يشمل قولي كلّ من كتبوا في هذا المجال. إنّ هذا النوع من النقد ـ إن صحّ أن نسميه نقدًا ـ قد أدّى إلى أضرار جسيمة في مستوى الأدب المحلّي، إذ جعل الأبواب مفتوحة على مصاريعها أمام كلّ الراغبين في دخولها. إنّ كتابة النقد في نظري لا تقلّ خطرًا عن كتابة الشعر والنثر، وتستوجب اطّلاعًا واسعًا في تاريخ الآداب وأجناسها، إضافة إلى معرفة شاملة في نظريات النقد على المستوى العلميّ، والأكّاديميّ. وفوق ذلك، توفّر الحسّ والذوق والقدرة على تنشّق الكلمات وتشممّ التعابير، إضافة إلى الموضوعيّة والنزاهة والخلوّ من كلّ غرض. إن من يتعاطى النقد، وليس له شيء ممّا ذكرت يتطاول على عمل لم يخُلق له، كمن يداوي الناس ولا يعلم علم الطبّ. من يجهل الناقد الكبير ماثيو أرنولد الذي كان يقسو بنقده إلى أقصى الحدود وفق معايير فنّية شاملة، حين كان يتّخذ له نموذجًا واحدًا من نماذج الأدب الراقي لشاعر من الشعراء الكبار، ويجعله معيارًا للأدب الجيّد، وعليه يقيس، فينفي بموجبه أو يقبل من هو أديب أو شاعر حقًّا. إنّ أولئك الذين يكتبون هذا النوع من النقد في بلادنا، يشاركون الصّحف الكثيرة في البلاد بما ترتكبه من أضرار جسيمة بحقّ الأدب، تتمثّل فيما تقدّمه هذه الصحف من نصوص ذات مستوًى وطيء، حين تجيز لكل من يشاء من الناس الصعود إلى منابرها، وما يعنيها أنها في ذلك تحتقر القارئ فيما تقدمه له على موائدها، كما تفسد أذواق الناس، وتثبّت نهجًا سقيمًا في الكتابة يغدو بعد حين نمطًا مقبولاً يصعب إزالته. وهذا في نظري شكل من أشكال النقد المحلّي ووجه من وجوهه. إن الصّحف الراقية في الغرب كانت تأبى أن تنشر لعمالقة الأدب، وهم في طور النشوء، حين كان يُلقى بين أيديها ما لا يستوفي مقوّمات النشر، ويا طالما أعادت لهم قصائدهم لمراجعتها، حتى نمت مواهبهم، ونضجت قرائحهم بالدربة والمران، كما وقع لشاعر أمريكا الكبير روبرت فروست في مرحلة نشأته إلى أن بلغ أوج عظمته الشعريّة، فاختاره الرئيس الأمريكي جون كندي عام 1961 دون غيره من شعراء أمريكا لينشد قصيدته المشهورة “الهبة بالكامل ” في الاحتفال الرئاسيّ الرسميّ، وكان يومئذ قد بلغ من العمر خمسة وثمانين عامًا، فتأمّل!
ـ لكنّا لا نستطيع أن ننكر أنّ للإعلام في وقتنا دوره في تسويق مثل أولئك، ويرفع من ذكر هذا وذاك، أليس كذلك؟
الإعلام يمكنه أن يصل بأسماء الشعراء والكتّاب إلى أسماع الناس في أقاصي الأرض، ولكنه لا يمكنه أن يصل بهم إلى قلوبهم. لن يشفع للكاتب سوى قلمه، ولن يغني عنه شيء كوسائل الإعلام، وما يسبغ عليه الإعلام من ألقاب “ولو رام أسباب السماء بسلّم”؛ يبقى الزمن المجرّد من كلّ غاية وغرض والمنزّه عن العواطف والمؤثّرات والعلاقات، هو الناقد الأكبر الذي لا يحتفظ بذاكرته إلا بكل ما هو سليل القلم الخالد، وكل ما له مقومات البقاء من الكلام الحيّ الذي لا يموت، مثلما يعيد إلى حجمه الطبيعيّ كلَّ من نفخه الإعلام يومًا .
ـ أين ترى موقع أدبنا العربيّ من الآداب الأخرى؟
هذا سؤال يحتاج إلى محاضرة طويلة حتّى أفيه حقّه. أرى أنّ انحدار الأدب من انحدار الأمّة، وارتقاءه من ارتقائها. إنّ عشق  أدبنا العربيّ كما تعلم يدبّ في عظامي، ويجري في عروقي منذ الصغر، وكم اتهمني بعضهم بالانحياز إليه، لكنّه على رقيّه ومواطن جماله ـ وهذه وجهة نظري ـ لا يرقى إلى مستوى الأدب العالمي قديمًا وحديثًا، وذلك لأسباب كثيرة يطول شرحها وشواهدها في هذا الموضع. أدبنا العربي بدأ قمّة في العصر الجاهلي، وأخذ من هناك ينحدر حتّى بلغ غاية الانحدار فيما نسمّيه عصر الانحطاط، وإن لم يعدم الأدب العربي في هذه الحقبة قلّة من الشعراء الكبار كأبي تمام  وابن الروميّ وأبو فراس والمتنبيّ والمعرّي. وذلك ناتج في نظري، بفعل غلبة الصّناعة على الأدب شعرًا ونثرًا لعوامل يطول ذكرها. ولا أنكر شعراء وكتابًا كبارًا  في العصر الحاضر قد نهضوا بالأدب وبلغوا الذروة في الإبداع، لكنني أعتقد أنّه على قدر الفرق الشاسع بيننا وبين الشعوب الغربيّة من الناحية العلميّة، والثقافيّة والحضاريّة، وعلى قدر تخلّفنا عنهم في ميادين شتّى، هكذا نحن بالنسبة لهم من الناحية الأدبيّة أيضًا، وأرجو ألا أكون مغاليًا فيما أقول.
ـ أإلى هذا الحدّ؟!
إنّ أدبنا العربيّ في أكثره عاش بعد العصر الجاهليّ إلى يومنا هذا أدبًا بلاطيًا، وفيه الكثير من النحاس الرخيص لا الذهب الخالص، مما لا يرقى إلى مرتبة الأدب، وقد سبقَنا غيرُنا قبل آلاف السنين إلى أنواع أدبيّة لم يعرفها أدبنا إلا في العصر الحديث. هذا، والكاتب العربيّ ما خلا القليل النادر في العصر الحديث، بقي في أدبه ابن بيئته وأسير ثقافته الموروثة، بل إنّ هزائم الإنسان العربي المنكوب في العصر الحاضر، وبفعل بقاء النوع، جعلته أكثر ارتدادًا إلى هذه الثقافة وتمسّكًا بها، يسلّم بها، ويتولّى دائمًا الثقافة الدفاعية الخالصة عن المخلفات الفكريّة، والعقائد الراسخة. إنّ أمّة لا تردّها نكباتها وجروحها إلى البحث عن علّة هذه النكبات سبيلها أن تبقى في الأخدود المظلم. في نظري، إنّ أكثر ملايين هذه الأمّة تحيا بأجساد القرن الواحد والعشرين، أمّا العقول التي في رؤوسها فتعود إلى أكثر من ألف عام إلى الوراء. ولأسباب عدّة نجد أكثر الأقلام يُشهرها أصحابها في وجه ما هو جديد أو يخالف الموروث، وقلّما وجدنا قلمًا يجرؤ أن يكون جرّاحًا للموروث المتراكم من الأفكار والعادات السقيمة في شتّى المجالات، وإن حصل لنا ذلك فلا يكون إلاّ داخل الإطار نفسه من هذا الموروث، لا يبعد الكاتب منه “لكالطِوَل الملقى وثنياه في اليد”، مع كثير من المحاباة؛  أليس انهيار الأمّة العربيّة على هذا النحو الفظيع في عصرنا، هو دليل انهيار لفكرها، وسقوط لثقافتها وهزيمة لوعيها، وعجز لأقلامها؟ إنّ مناعة أيّة أمّة تكمن في ثقافتها التي توحّدها، وتنهض بها، نحن أمّة نجتاز مرحلة فقدنا فيها مناعتنا، قل لي أين مناعتنا أمام ما يحدث في العالم العربي، وماذا تمخّض الفكر والأدب العربي هنا وهناك وولد غير السلفيّة والرجعيّة والأصوليّة وحركات التكفير ونفي الآخر وإقصائه، حتّى لم يبق فيها موضع للأقليّات العرقيّة والطوائف الدينيّة التي ساهمت في حضارة هذه الأمّة، أوليس هنالك من ينادي اليوم بالخلافة لنعود إلى عهود أهل الذمّة، أهذا هو الإسلام السمح الذي أعرفه حقًّا! أليس في ذلك شكل من أشكال الترحيل والإجلاء؟ أعلم أنّ لهذا الواقع أسبابًا وعوامل كثيرة داخليّة وخارجيّة، لكنّ هذه الأسباب، تؤكّد قاعدة التاريخ الثابتة أنّ الأمّة التي ينحل لديها الرابط القومي يومًا، مصيرها الضياع والتمزّق لا محالة. إنّ غاية الديانات والمذاهب على تنوّعها في الأمّة الواحدة أن تمدّ هذا الرباط بالقوّة، وتزيده منعة، ولا تفرّق. ألا ترى الأمّة العربيّة غارقة في طوفان من التنظيمات والحركات والدعوات والتيارات المتناقضة، ولا يدري الناس أيّها الصحيح! لا أنسى هنا، ومن قبيل العدل والإنصاف، وفي غمرة هذا الواقع المرير، أن ُأكبر أعظم الإكبار أولئك الأخوة الذين يقفون في الصفّ الآخر ويحملون الفكر الحضاري الراقي والثقافة الواعية الرشيدة. هذا الضياع في التيه، أليس شهادة على هزال الفكر والثقافة؟ نحن أمام أمم لا نقدّر التناسل الفكري والتجدّد العلمي والثقافي السريع كلّ يوم لديها، ورغم ذلك نتغنّى بما نحن عليه، وندافع عنه! إنّ غلبة الشعوب تتحقق أوّلاً بجيوش فكرها لا بجيوش عساكرها، وما نحن عليه، راجع في نظري إلى بنية المجتمع العربي المتجمّدة، والتي لم تتغيّر منذ زمن بعيد، إنّ لهذه البنية جناية كبيرة منذ القدم على أدبنا، وعلى كلّ ما يتّصل بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ولا يمكن في نظري أن يأتي الخلاص لهذه الأمّة، إلاّ بهزّة ثقافية عنيفة، وزلزال فكري مروّع يقطّع أوصال هذه البنية. أرى أن الأمّة التي يكبو بها جوادها، ويتخلّف دائمًا عن غيره من الجياد في سباق الأمم، يجب عليها أن تستبدله، وتمتطي غيره لتصل مع غيرها نهاية الشوط! وهذه قضيّة تحتاج إلى حديث مستفيض ليس مكانه في هذا الموضع.
ـ تعتمد في نثرك، لغة يميزها جمالها وعمق أفكارها هل تستحدث في طريقتك جنسًا أدبيّا جديدًا في فن المقالة الحديثة؟
لا يسمّى الأدب أدبًا إلاّ حين يتوفّر على الإبداع، والجديد من المعاني والأفكار والأساليب، وغير ذلك يكون كلامًا مصنوعًا لا مطبوعًا، وليس له أيّ أثر في نفوس القرّاء، وهذا سبب من أسباب تميّز نصّي في نثري، مع رغبتي في استعمال الكلمة استعمالاً جديدًا غير مبتذل في علاقتها بالمعنى، وموقعها في الجملة، مع ضخها بالمشاعر والإحساسات غير المألوفة، وجلب المعاني الجديدة لها من أقصى المسافات البعيدة الضاربة في أغوار النفس من خلال إعمال الفكر والخيال، مزدانةً أثناء ذلك بالمفردات من الكلمات الناضرة. إنّ هذه الطريقة لاقت استحسانًا عظيمًا، لدى قرّائي إلى درجة ـ ولا فخر ـ أنّ منهم من ذكر لي أنّه قد قرأ كتاب “ورق ورحيق” ثلاث مرات متتالية، وفي كل مرّة يستنبط معنى جديدًا، ويستوحي حالة خاصّة. وقد ذكر أحد الكهنة في حيفا أنه يقرأ في الكنيسة من مقالاتي يوم الأحد أثناء موعظته الدينيّة. إضافة إلى رسائل الإعجاب الكثيرة التي تصلني كلّ يوم من الأصدقاء والقرّاء. إنها المقالة الخضراء التي تبقى يانعة الكلمات في كلّ الفصول ولا تذبل.
ـ ما دور الأديب في عصر مثل عصرنا في رأيك؟
إنّ وسائط الإعلام وأدوات الاتّصال بوسائلها المسموعة والمرئية التي لا تحصى، واختلاط الثقافات وتلاقي الحضارات بفعل ذلك، تُلقي على الأديب في هذا العصر تبعات أثقل من أيّ عصر مضى في واجب الدفاع عن القيم الإنسانيّة، والتعرض لقضايا الإنسان وهمومه، وما تكابده البشريّة من حروب ومآسٍ، وأشد ما يكون ذلك في وباء العنصريّة الذي يفشو في أرجاء العالم ، مع مكافحة الاستبداد والظلم بكل أصنافه. مهمّته أن يبشّر بالسلام بين الناس، وقبول الآخر، واحترام حقّه في الحياة. أنظر حولك إلى العالم، فما الذي تراه غير الحرائق والمجاعات والقتل؟ على الأديب أن يحمل قلمه في يده مصباحًا في هذا العالم المظلم، وبالكلمة المضيئة عليه أن يبشّر بالمحبّة والسلام والعدل ونصرة الحقّ والمظلومين بين الناس والشعوب كافّة. إنّ الكلمة العاطرة خير بذرة تلقيها الأقلام في نفوس الناس وعقولهم. ألا تجد أنّ الأمم والشعوب تفنى، والقصور والقلاع تتهدّم، أمّا الكلمة الحيّة فتبقى سيّارة محمولة في عقولهم جيلاً بعد جيل ولا تسقط. وحدها التي يمكنها أن تمدّ يدها وتخرج شعبًا ميّتًا من قبره، إنّ صلاح العالم من صلاح أدبائه ومفكريه، وإنّ ما نشهده اليوم في عالمنا يشهد على عجز أهل القلم في تحقيق عالم يسوده الأمن والسلام، وذلك بفعل غلبة الأقلام السّامة الكثيرة التي تنفث لعاب العنصرية والطائفيّة، وتنصر الظلم وتؤيّد العدوان، ومن هنا أرى شرطًا لا بدّ للأديب أن يستوفيه حتى يتسمّى بأديب، أن يكون إنسانًا أقرب إلى السماء منه إلى الأرض، كما يكون إناؤه طافحًا بالأخلاق والقيم الرفيعة، يمارسها ويطبّقها، وإلاّ فما الذي يمكنه أن يسقي الناس من إناء فارغ، أو إناء مليء بالرّنق والماء الآسن؟ ومثلما  السراج بغير زيت لا يبعث ضوءًا، هكذا الشجرة اليابسة لا يمكنها أن تعطي ثمرًا.
ـ نهنّئك بإياس الذي يسير على نهجك
إياس ولا فخر ابن هذا الشعب الحبيب، وواحد من أبنائه الألبّاء المتفوقين، وعاشق متيّم للّغة العربيّة، يدرس للقب الدكتوراه في اللغة العربيّة ويحاضر في الجامعة، ولا يكفّ عن دراستها، والإلمام بأصولها، والغوص في أعماق لجّتها، لاستخراج دراريّها ولآلئها. اختار أن يحيا بين الكتب، ولا شغل لديه سوى التنقيب عن هذه الكلمة، والفحص عن تلك المسألة، وهذا أمر لا تدري كم يسعدني، وهو مع ذلك صاحب موهبة متوقّدة تنبئ عن مستقبل أدبيّ زاهر ومتألّق. وعن قريب سيطلع علينا بديوانه الأوّل الذي طُبع في لبنان “قمحٌ في كفّ أنثى” باكورة أعماله الأدبيّة. وقد أقام جمعيّة النبراس لخدمة اللغة العربيّة في البلاد وإعلاء شأنها. حقّ لي فيه أن أقول قول أبي نُخيلة الشاعر:
وأحييتَ لي ذكري وما كان خاملاً  ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض
ـ تعرف جماهير شعبنا أن عطاءك لم يتوقف عند قلمك بل تجاوزه إلى أعمال أخرى لصالح مجتمعك؟
إنّ كفرسميع وطني الأصغر، ومن يخدم العضو كمن يخدم الجسم كلّه. وإنّ الانتماء الأصيل للأوطان ومحبّة أبنائها بصدق، لا يكون إلاّ بما نسدي لها من صالح الأعمال وجليل الأفعال. أفخر أنني وبتوكيل من بطريركيّة الروم الأرثوذكس في القدس، وبعون الله وبدعم من أهل البر والشرفاء في البلاد، وبعد عناء وجهاد طويلين لمجد الله وخدمة الإنسان، كنت خدمت قريتي وكنيستي الأرثوذكسيّة في كفرسميع خدمة جليلة، إذ قمت ـ ولا فخر ـ ببناء مركز ثقافيّ ليقوم في المستقبل القريب بعونه تعالى في خدمة العلم والمعرفة بين سائر أبناء قرية كفرسميع من مسيحيين ودروز ومسلمين. إضافة إلى أنّني قمت في الوقت نفسه ببناء كنيسة فخمة فوق المركز المذكور، كما أفلحت في حينه بعد عناء طويل بتحرير أرض الكنيسة الأرثوذكسيّة في موقع من مواقعها من مصادرة المجلس الإقليمي لها، وإقامة ضاحيّة جديدة للأزواج الشابّة فوقها. لا أغالي إن قلت لك، ولا منّة على أحد، إنّني وضعت في هذه الانجازات من خبز أطفالي وحليبهم، وقد قطعت طريق آلام طويلة، وقصّة عذاب نادرة، عشت سنواتي فيها قابضًا على الجمر، وسجين  همومها حتّى تحقّقت. إنّ الإنجازات المذكورة في نظري ونظر الكثيرين عملّ وطنيّ من الدرجة الأولى لم يتحقّق لطائفة من الطوائف في البلاد كافّة، غايتها الحفاظ على الأرض والإنسان، وتعميق جذور أبنائنا وأحفادنا في وطننا. لا تعجب، يبقى عندي مبنى الكنيسة الجديدة، والمركز الثقافي، ومنازل الضاحية المذكورة أبلغ كتاب كتبت كلماته في حياتي ولكن هذه المرّة بالحجارة وحبّات الرمل وعلى أسطر تراب الآباء والأجداد! تنقضي الأعوام ويموت الناس جميعهم جيلا بعد جيل، وتبقى شاهدًا على من حقّقها، ويظلّ تاريخها مقرونًا باسم من أقامها، أليس في ذلك كل العزاء على ما عانيت وعانت معي أسرتي الحبيبة؟ أضرع إلى العليّ أن يجزيني ويجزي كلّ الذين شاركوا فيها خيرًا.
*********************
( أجرى اللقاء : حاتم جوعيه  – المغار – الجليل )

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة