تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة …
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك
البحث عن الجديد ، هل هو الموضة ، أم الجنون ، أم فيروس أصاب البشر . قد أكون من هؤلاء الذين  يخربش فكرهم أي شيء يرون فيه الغرابة فينقله إلى قلمه . كنت في مصر عندما اشتقت إلى الحلويات الشرقية حيث الكثير من المحلات التي تشتهر بها ، وفي أكثرهم شهرة طلبت كيلو كنافة بالمكسرات ، اهتزت رأس البائع ولم أعرف إن كانت اهتزازة دهشة أم فخر وأجاب بابتسامة لزجة ، كأنها تتأسف عن تخلفي ، بأنه لا توجد كنافة بالمكسرات لأن المحل الآن يقدم كنافة بالمانجو، وعندما سألته عن حلويات أخرى غيرها ، أشار بفخر أكبر نحو الفترينات الممتلئة بأنواع من المسميات ، كل الكنافات الغريبة موجودة عدا الكنافة العادية بالمكسرات التي نعرفها ويبدو أنها أصبحت موضة قديمة ، الكنافة بالمانجو وغيرها اخترعها أحد المحلات المشهورة ، ولكي تتحول كل محلات الحلويات إلى الشهرة  قلدوها . خرجت من المحل دون ان اشتري ،  والبائع يودعني بنظرات وكأنني من أهل الكهف . جديد آخر في عالم المأكولات أشعر بالأسف لأنه قد يشعركم بالتقزز ، حكى لي أحد الأصدقاء الذين أثق فيهم جداً بأنه عندما أتى إلى أمريكا في زيارة ، كان في ضيافة  أحد الأقرباء وهو طبيب تجميل مشهور ، معظم عملياته يجريها للفنانات والمشاهير وهو مصري منذ الجدود ، أصطحبه هذا الطبيب من باب الكرم الحاتمي إلى أحد المطاعم ولكي يزيد من وقع الإثارة على ضيفه أخبره مسبقاً وهذا من حسن حظه بأنه سيذهب به إلى أشهر محل في ولاية بوسطن يقدم ” أذان ” ودان ” الخنزير المقلية ، أي والله ، توقف الضيف وتشبث بسور الرصيف وكأنه على وشك الإغماء وهو يقسم بأعلى صوته بأنه لن يذهب إلى هذا المطعم ، كابتسامة بائع الكنافة التي ودعني بها ابتسم الطبيب في وجه ضيفه وكأنه يلعنه لأنه جرح أمركته التي اقتناها بكل فخر . الآن تشعر في بشر بلادنا أنهم يقولون دون نطق .. زهقنا ، إيه الجديد عندكوا ؟! ، وبناء عليه قفز العالم الذكي ، يقدم للناس المتعطشة للجديد ، إغراءات جديدة ، لعب ، تليفونات ، عربيات ، ملابس تكشف عما يجب ستره وسراويل ممزقة من الأمام والخلف ، حتى النساء أصبحت جديدة ، وقد امتلأت بالبوتكس والسليكون من الأمام والخلف لتقدم لهواة الكنافة بالمانجو النهود والمؤخرات الرجراجة وشفاه تُقَبلها وكأنك تمضغ قطعة من الجيلي ، وما خفي كان أعظم ، وليشرب الباحث عن الجديد ويغوص في المُصنع . زهقنا وأصبحنا لا يعجبنا العجب ونبحث عن الجديد وحتى إن لم يكن أفضل ، لأننا أصبحنا لا نحمد الله على ما أعطانا من بديع الكون الطبيعي ، الجديد المبتذل دخل حياتنا فأصابنا بأمراض جسدية وفكرية لم نكن نسمع بها من قبل وأصبحنا نستطعم السم تحت إغراءات الشكل واللون . أحيانا أفكر هل بالفعل نهاية العمر مقدرة أم تركها الله لنا فأصبحنا نحن الذين نسعى إليها ونتعجلها . بالتأكيد لا الكنافة بالمانجو هي المقصودة ولا ودان الخنزير المقلية ، فقط كرمز بأن العقل البشري إن تُرِكَ لهواه  يمكن أن يتحول إلى مسخ يحاول أن يخترق الخط الأحمر لمحدوديته التي خُلق بها ، وما بعد الخط الأحمر لن يكون سوى العدم ، كما كان في الطوفان !!!! .
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة