عند البطون تضيع الذهون – بقلم : شوقيه عروق منصور

آراء حرة ….
بقلم : شوقية عروق منصور – فلسطين المحتلة …
تزدحم الصور والعبارات في رأسي ، تطل جدتي بغضبها الرقيق العابر ، حين نهرع الى الطبلية في أيام شهر رمضان  ، نحاشر الكبار كي نجد منفذاً للأيادي التي تريد الوصول الى الصحون المصفوفة على سطح الطبلية ، عندها تلوم جدتي الكبار قائلة ” عند البطون تضيع الذهون ” أي بما معنى عقولكم ضاعت عند رؤية الطعام ،  انتبهوا وأشفقوا على الأطفال ..!
هناك من يحاول توسيع الفتحة المجاورة التي شُقت بينه وبين الذي يجلس الى جانبه ، كي تنفذ اليد  وتصل الى الصحون ،  أو يتجاهل ويكمل تناول طعامه ،  وغالباً بعد أن يأكل الكبار ويشبعوا  وينهضوا يهجم الأطفال لأكل البقايا والفتات .
قد تضيع العقول أمام ملء البطون – ليس قاعدة –  لكن صراع البطن والعقل يهدي الانسان حالة من فقدان البوصلة وانتفاخاً يطير به الى أماكن قد تلغي وجوده .
في بيت رئيس الدولة ” روبي ريفلين ” إفطار رمضاني ، كما في كل سنة ، تُمد الموائد وتفرش الصحون وتلمع الوجوه ضاحكة ، مبتسمة ، كقوالب الحلوى الشهية ، لا شيء يقلقها ، لا شيء يعرقل مسيرة اعتزازها بوجودها في بيت رئيس الدولة ، لا شيء يوقف عزف كلماتها ، جميعهم تحولوا الى أنامل حريرية  ، تفتش عن الكلمات في علب البهجة والفرح .
لا شيء يعكر صفو التعايش ، والذي يراهن على تفسخ العلاقات خسر الرهان أمام كلماتهم التي اخترعوها خصيصاً للرئيس الليكودي ” روبي ريفلين ” .
أنظر الى الوجوه التي تقتحم الفضائية التي تنقل الحدث الهام – إفطار رمضاني في بيت رئيس الدولة – والرئيس يرحب ضاحكاً بشوشاً ، فكل شيء يسير حسب المخطط ، توهمت أن يخرج أحدهم معلناً أننا لا نريد التدخل في السياسة ، وأن علينا التفتيش عن طيران فوق الخلافات والاستيطان والأسرى واللاجئين و… الخ .
لكن في ظل العنف المستشري في مجتمعنا حتى أصبح يشكل الخطر على و جودنا ، في ظل قلقلنا الذي نعيشه في كل لحظة ، لأنه يدق على باب كل واحد منا منتظراً الضحية القادمة الأبن الأخ الزوج العم الخال الجار الصديق ، حتى أصبح  الموت بالرصاص قانون المساواة بين الجناة ، حيث يفوز القتيل برصاصة في الرأس أو الصدر ، المهم أن لا يعيش ويكون عنوانه القبر .
في ظل هدم البيوت ومعاناة الخرائط الهيكلية ومصادرة الأراضي وباقي الكمبيالات التي يدفعها المواطن العربي نتيجة وجوده في وطنه ، جميعها ضاعت بين الصحون والضحكات ، حتى رأيت الشاعر يردد ( قد يهون العمر الا ساعة – وقد تهون الأرض الا موضعا )  وهذه الساعة تختصر العمر والأرض .
الإفطار على مائدة الرئيس ” روبي ريفلين ” كان كالفوز بورقة يانصيب للبعض ، هكذا بانت الصورة على الشاشة التي نقلت الحدث .
لكن غرقت في خجل حين تكلم كل واحد من كبسولته الفضائية ، كأنه يعيش في فضاء لوحده ، مادحاً ، شاكراً ، مهللاً ، ومنهم من اعتبروا رفع الآذان في بيت رئيس الدولة انتصاراً ، مع العلم أن الرئيس تعامل معهم – ليلة وتمضي – ويبقى الواقع هو الحقيقة المرة ، الصعبة ، الصادقة التي ترفض التلون .
حتى لم يفطن أحدهم الى ذلك الدكتور الليكودي من جماعة الرئيس ، الذي أصدر كتابه معتبراً العرب طفيليات ويجب أن يعيشوا في غيتاوات أو طردهم .
خجلت حين وجدت همومنا تقف على البوابة الخارجية ، ممنوعة من الدخول ، لأن الفرح يقفز فوق الصحون ، فلا مجال لدمج الطعام مع الحزن .
وددت أن اعانق الهموم وأقول لهم : اذا كانوا هم طبخات في صحون فأنتم الصابون المعطر بالصدق الذي سينظف تلك الصحون .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة