الافعى والبخيــــل : قصة : وليد ربـــــاح

القصـــــة ….
بقلم : وليد رباح  – نيوجرسي …
قصة حدثنيها كهل من ليبيا قبل اعوام طويلة.. لكني لم اصدقها حتى اليوم :

فرح نعيم الجربان ( وهذا هو اسمه) عند موت ابيه : ها هم المعزون يهيلون على والده التراب .. وكان الاخير الذي رأى وجه والده .. ترحم عليه امام الناس حتى لا يساء فهمه نتيجة ابتساماته التي لم يستطع كبحها .. كان عقله يسبح في خضم البيارات والاراضي الشاسعة والدور والعقارات التي خلفها الوالد .. والتي قدرت يوم كان للقرش قيمة بالملايين .. اما وظيفة المختار او العمدة التي تنتظر الجربان فقد كان فرحه فيها حدث ولا حرج .. اذ كان الناس يرثون وظائف آبائهم حتى وان كانت مختارا او حراثا او راعيا او غيرذلك .. وها هو (الجربان) اخيرا سوف ( يتمختر) على الناس فيغدو نافذ الكلمة بعد ان كان ابوه قد سماه (البخيل) لانه كان يشير الى قطعة الجبن في الصباح وتضرس عليها اسنانه رغيفا بكاملة دون ان يمسها او حتى يجرحها .

كان (للجربان) أخت واحدة .. تزوجت قبله لانها تكبره سنا .. وعند موت ابيها كان لها من الاطفال خمسة وكان اسمها خديجة .. وبعد شهرين من وفاة ابيها اصبحت ارملة .. اذ توفى الله زوجها وهي في ريعان الشباب .. كانت في الخامسة والثلاثين من العمر .

حلمت خديجة ان تأخذ شيئا من املاك ابيها لكي تربي اليتامى وتطعمهم .. ولكن اخاها الجربان ابى ذلك .. ورفض ان يعطيها مليما واحدا من ثروة والده .. فوسطت له اهل القرية .. صدهم الجربان ولم يعط لاخته شيئا .. وكان يقول دائما .. ان المختار يرث المال والمخترة .. وعليها ان تدبر امورها بنفسها .

طفلها الاكبر كان في الحادية عشرة .. اما هي فقد كانت تركض خلف ابقار القرية لكي تجمع روث الابقار تبيع بعضه بمليمات وتختزن البعض الاخر لايام الشتاء الباردة .. وكان الجربان يراها في بعض الاحيان وهي تجمع الروث من خلف الابقار فلا يهز ضميره تعاسة تلك البائسة .. كان يغض الطرف عنها وهي تلاحقه بالدعاء عليه بان يمحقه الله وييسر له اولاد الحرام الذين يأكلون ماله .. ولم يأبه لها يوما..

وبالرغم من اهل القرية قد ذهبوا جميعا اليه وفي مناسبات شتى بان يشفق على اولئك اليتامى وهو خالهم فيعطيهم مما اعطاه الله .. ولكنه كان يقول دائما ان اولادها يحملون اسم رجل آخر ليس من عشيرته .. وانما اذا اعطاها فانما يعطي اولادها الذين لا يمتون لعشيرته بصلة .. وهم غرباء عنه .. وعليها ان تدبر امورها بنفسها ..

وكم امضت تلك البائسة من ايام تجلس الى دفء نار الروث في البيت لكي تخرج في برد الشتاء ناظرة الى السماء كاشفة عن صدرها تدعو على اخيها بالويل والثبور وعظائم الامور .. وكم من ليلة باتت على الطوى مع اطفالها دون ان تجد في البيت ما يسد رمقها وعيالها مع ان ( الجربان) يرتع في النعيم حتى قمة رأسه .

ولكن يبدو ان الله سبحانه كان يؤخر العقاب ولا ينساه ابدا .. فقد توسعت تجارة ( الجربان) من ماشية واراض وافتتح دكانا في القرية ياتيه الناس حتى من القرى المجاورة .. وغدا يضع الدرهم فوق الدينار فيعلو كالجبال ولكنه لم يفكر يوما واحدا ان يعطي اخته بعضا من فتات لكي تعيش واولادها .

تزوج الجربان بعد موت ابيه وخلف اولادا اربعة.. اكبرهم كان عامر .. كان يجمعهم في كل مساء لكي يتحدث لهم عن الاموال المكدسة التي تحويها خزائنه.. وكأنه قارون زمانه .. وكان يوصيهم وصية وحيدة بان لا يعطوا عمتهم من ماله شيئا حتى وان مات .. فاولادها ليسوا من طينتهم.
وفي مرة تجرأ الكبير على ان يقول له : يا ابي .. لقد اعطاك الله مالا كثيرا .. وعمتي بحاجة الى رغيف خبز لكي تعيش .. فهلا اقتطعت من خبزنا بضعة ارغفة في كل آن لكي ترسلها اليها ..
ازبد الجربان وارغى وحلف اغلظ الايمان ان اعاد ابنه الكلام ثانية ان يذهب الى المدينة فيكتب صكا بحرمانه من الميراث عند وفاته .. وهكذا لم يعد ابنه لمثلها .. اذ كان يرى عمته تجري خلف قطعان الابقار العائدة من المرعى وهي تجمع ( الجلة) فيتمزق قلبه .. ولكنه لم يجرؤ يوما على ان يعطيها شيئا من مال ابيه .. فهو نفسه لم يكن قد اقتطع لنفسه شيئا من المال .. اذ كان الاب يعطيهم قدر ما يستحقون حسب رأيه .. وفي احسن الاحوال كانت بضع مليمات في كل اسبوع للطوارى .. وللذهاب الى مدرسة القرية الاخرى التي تبعد عن قريتهم اكثر من خمس كيلومترات .. اذ كانت المدارس تبدأ في الصباح وتنتهي عند المساء .. وفي كل يوم كان الجربان يتفقد المليمات في جيوب ابنائه .. فان عثر عليها نام مطمئنا ونام ولده تلك الليلة آمنا مطمئنا .. وان لم يعثر عليه فهذا يعني ان الطفل قد اشترى به بعضا مما تشتهيه نفسه .. ويجبره الجربان على ان يظل جالسا طيلة الليل دون نوم .. حتى يخر من التعب ويمنع احدا من ان يغطيه في ايام الشتاء الباردة .. كل ذلك لكي ( يربيه) كما كان يدعي ..
لكن عامرا كبر .. واخذ يفكر في الامر كثيرا .. واخذ والده يأمنه على ان يقف في الدكان وحيدا .. فكان عامر يختلس الدقائق بعد انتهاء عمله في الدكان ليهرع الى بيت عمته فيفرغ جيوبه من بعض الاشياء التي يمكن ان تفيدها .. كأن يأخذ من الدكان حفنات من الارز والسكر وبعض الاشياء  لكي يفرح بها اطفال عمته .. ثم يستحلفها بان لا تخبر احدا كي لا يعلم الاب ما يصنع .. وكان يقول لها دائما : يا عمتي .. لو علم ابي فانه سوف يقطعني اربا .. فلا تقولي لاحد انني احضر لك بعض ما تتبلغين به انت والاولاد .. ولكن ضمير عامر لم يطاوعه على متابعة ( السرقة) من دكان ابيه .. وزاد على ذلك انه لا يجرؤ على ان يبقي شيئا منه في جيوبه الواسعة حتى لا يفطن والده لهذا الامر .. وفي يوم قرر عامر ان يزور شيخ المسجد عندما ينتهي من الصلاة فاخبره بالامر لعلمه ان الشيخ لا يذيع سره .. فقال له الشيخ .. ان أخذ ما يتبلغ به الاطفال لا يعتبر سرقة .. ولكن احرص على ان لا تبقي آثارا لما ترسله اليها في جيوبك خطأ .. فحلف له عامر انه يفعل ذلك خيفة من ابيه .. وهكذا اصبحت السرقة في نظر عامر مشروعة ..

ولكن الامر لم يسر على هذا النحو .. اذ اكتشف الجربان ان بضع حبيبات من الارز في جيوب ابنه بالصدفة .. اذ لبس دشداشة ابنه في يوم جمعة عندما كانت دشداشته منشورة على حبل غسيل حيث لا يمتلك غيرها .. واثناء تفقد جيوب عامر وجد فيها بضع حبات من الارز فطار عقله .. وصمم على الانتقام من ولده .. ولكن الله يمهل ولا يهمل ..

كان قد مضى عشرون عاما على بؤس الارملة وكبر ابناؤها .. وكبر ابناء الجربان .. لكنها ظلت على حالها من السوء حيث لا ارض لها ولا لاولادها لكي يزرعوها.. ومعلوم ان من لا يمتلك الارض في ذلك الزمان لا يفلح ولا يزرع .. وجل ما يفعله ان يعمل اجيرا عند اصحاب الاراضي لكي ينفحوه قروشا قليلة لا يمكن ان تقيم اوده .. وكثيرا ما كانوا لا يجدون تلك القروش القليلة فيعملون طيلة النهار بحزمة قليلة من سنابل القمح او اكواز الذرة ..
اما الجربان .. فكان ابناؤه يجدون اللقمة .. ومع كل ذلك .. فقد منع اولاده من الاختلاط باولاد اخته .. لانهم حسب رأيه غرباء .. وكان فصل الخطاب في اكتشاف بضع حبيبات من الارز في جيب ولده .. وهكذا عاجلته السكتة .. فمات ليلا ..

في صباح اليوم التالي .. صاح البشير قرب بيت خديجه بان الجربان قد مات .. فخرجت الى الشوارع تزغرد وتضرب الدف وترقص كأنما قد اصابها الجنون .. وتبعها اولادها يرجونها ان تعود الى البيت فلا تفضحهم حسب زعمهم .. لكنها استمرأت ذلك وازداد فرحها .. حتى ان الجنازة كانت قد خرجت من بيت اخيها والنساء يعولن .. اما خديجة فكانت تضرب الدف وترقص امام الجنازة وكأنها في فرح وسرور . وهكذا ظلت ترافق الجنازة حتى وصلت الى المقبره .. وعند وصولها اخذت تبكي وتوح بصوت عال تنعي اخاها الذي توفي .. والناس ينظرون اليها ويظنون ان عقلها قد اصابه الخلل .. فهي تفرح حينا وتضحك .. ثم تبكي وتعبس وتنوح .

وظلت على ذاك الحال ساعة او دون ذلك .. وقام بعض الرجال بتهدئتها والتحدث اليها لكي تذهب بعيدا عن المقبرة .. لكنها لم تكن تستجيب لاحد .. وكانت الكلمات تنطق من فمها داعية عليه بان يشويه الله بناره .. ثم تعود لتبكي وتستمطر الرحمات على روحه ..
ولكن الذي حدث في ذلك اليوم كان مشهودا..
جاءوا بالجربان في ساعة الدفن واخذوا يسهلون رمال القبر بالمجاريف .. وكان في داخل القبر رجل مما يقال له رجل ( المختار ) وخادمه .. وفجأة دوت صرخة من ذلك الرجل وهرع بعيدا عن القبر يركض والناس تصرخ به ان يعود .. ولما عاد قال لهم ان في القبر ثعبانا ثخينا ارقط اللون فاغرا فاه كأنما هو بانتظار الفريسة .
نظر الناس عن بعد .. كان الثعبان مثل كعكة صخمة يلوح برأسه يمينا وشمالا وتنفث شعبته الفحيح وهو ينظر الى الجمع على حواف القبر واحدا اثر الاخر .. وهرع الناس لك يتركوا جثة الجربان .. الا ان الشيخ عاد الى القبر وصاح بهم يان يحملوا الجثة ويحفروا قبرا جديد للجربان لكي يبتعدوا عن ذلك الثعبان البشع ..

بدأت المعاول تحفر قبرا آخر بعيدا عن القبر الاول .. تصبب الناس عرقا واخذوا يساعدون بعضهم البعض للتخلص من الجثة .. وكان الشيخ يحدوهم للعمل المتواصل لكي تنتهي تسوية القبر قبل حلول الظلام .. ولكن مع كثرة الذين كانوا يساعدون في حفر القبر كأنهم كانوا يحفرون في صخر صلد .. ورغم ان التربة حمراء رخية يدخل فيها الفأس بليونة دون عسر .. فان نتاج الحفر كان قليلا ..
بعد لأي بدأت سمات القبر تتضح .. وتتعمق قليلا قليلا .. ثم نادت صيحات عن بعد .. الله اكبر .. فازداد الحفر وارتفعت الهمة .. وفي غضون ساعة او دون ذلك كان القبر جاهزا لاستقبال جثة الجربان .

نظر الناس في القبر فلم يعثروا على شىء مريب .. وخرج من كانوا يحفرون خارجه لالتقاط جثة الجربان بين تهليل الناس وتكبيرهم .. غير انهم ما ان حملوا الجثة واتجهوا نحو القبر حتى صاح من في المقدمة وترك الجثة وفر هاربا .. فوقعت الجثة على حواف القبر .. ونظر الشيخ ومن معه .. كان الثعبان الذي وجد في القبر الاول يتخذ موضعه وقد جحظت عيناه ثانية ينظر اليهم واحدا اثر الاخر .. وارتعدت فرائص الشيخ غير انه حافظ على هدوئه بشىء من الصعوبة محوقلا ومستنجدا بالله من هذا الشر العظيم .. وحاول احدهم ان يتجه الى حافة القبر لكي يرمي حجرا صغيرا على الثعبان .. فاحمرت عينا الثعبان مثل الجمر كأنما استنكر ذلك .. فهرب الرجل من المقبرة الى غير رجعه ..

بعد ان تماسك الرجال .. اتجهت انظارهم الى الشيخ الذي جلس غير بعيد عن القبر وكأنما عقد اجتماعا للرجال الذين ثبتت قلوبهم دون خوف ليرى الناس رأيهم في الجثة .. قال احدهم .. فلنعيده الى داره .. ومن ثم نأتي في الصباح لدفنه فلربما غادر الثعبان .. وقال ثان .. هذا لا يجوز .. فلنحفر قبرا ثالثا للجربان .. وصاح ثالث لا نريد ان ننشر ما حدث اليوم في القرى المجاوره .. والا اخترع الناس الحكايات والاوهام .. اما الرابع فقال انها معجزه.. دعونا ندفنه مع الثعبان ..

استمع الشيخ الى الاراء جميعا .. ثم نظر اليه الجمع بانتظار كلمته الاخيره .. قال الشيخ بعد هدوء : يا جماعه .. هذا دليل شر مستطير .. فكلنا يعلم ما كان عليه الرحل من بخل ومن شح ومن حرمان شقيقته من الميراث وتعذيبها في حياتها طيلة هذه المدة مع ان من الواجب عليه ان يطعمها واولادها حتى لو لم يكن وارثا .. انه انتقام من الله .. فدعونا نحاول مرة اخرى لحفر قبر آخر .. فان وجدنا الثعبان سوف ندفنه معه .. وان لم نجد دفناه وعدنا الى بيوتنا .. ولكننا يجب ان نتنبه الى اننا سنحاول مستقبلا ان نرد المظالم الى اهلها اذا ما وفقنا الله بالعودة الى بيوتنا سالمين .. يجب ان نفتش عن المظلومين ونحاول ان نرد لهم حقوقهم فلا نظلم من الناس احدا .. وابعدوا هذا الامر عن الحكومة .. فدعونا كأهالي ننظم حياتنا على هذا النحو .. صاح الجميع بالموافقة .
بدأت المعاول في حفر قبر جديد للمرة الثالثة .. كان الناس في هذه المرة يعملون دون همة ونشاط .. وكان اكثرهم يتحدث بصوت خافت الى زميله الذي يليه ليقول له .. احذر .. فربما خرج الينا الثعبان من احد الشقوق في زوايا القبر .. ومع هذا فقد تواصل العمل .

حل الظلام .. واخذت الشمس تغيب رويدا رويدا عن القرية الوادعة .. ولم يسمع من بعيد سوى صرخات النساء في هداة الليل .. واللواتي تسرب اليهن الخبر عن المعجزة التي تحدث في المقبره .

ونترك من في المقبرة يعملون لنذهب الى بيت المسكينة التي امضت اكثر من نصف حياتها بين الشظف والحرمان ..
لقد اتاها اولادها واسترضوها وذهبوا بها الى المنزل في حالة هياج وصراخ وعويل .. وبح صوتها فلم تستطيع ان تتحدث بشىء .. وجاءت اليها امرأة لتقول لها ان من واجبها حتى وان كان الجربان عدوا لها ان تذهب الى بيته لمواساة اولاده وامرأته .. غير انها رفضت باباء ورفضت ان تترحم على روحه .. وقالت بصوت كالفحيح .. ان ما يجري له جزاء وفاقا على حرماني طيلة هذه السنين من أن آخذ حقي .. وانني لن اسامحه ابدا .
حاولت بعض النسوة ان تثنيها عن عزمها وان تسامحه لكنها اصرت .. واخيرا تركنها سابحة في حزنها ورحلن عنها ..

عندما ارسل القمر نوره وبدا شعاعه يخترق ظلمة ازقة القرية .. كانت هي تقف في اعلى سطح بيتها الطيني تنظر الى المقبرة المشرفة .. فترى القناديل تذهب وتجىء في المقبرة استعدادا لدفن اخيها .. ثم شقت ثوبها عن صدرها وارتفعت بنظرها الى السماء داعية عليه بالثبور وعظائم الامور .. وتذكرت كل ايامها الماضية .. وكل عذاباتها .. كان اولادها ينظرون اليها بشىء من الشفقة والرثاء معا .. وحاول بعضهم ان يدخلها البيت .. فقد بدأت رطوبة الجو تتسرب الى جسدها المتعب بعد بلوغها الخمسين او تزيد .. ولكنها اصرت ان تظل في مكانها حتى ترى القناديل قد انسحبت من القبرة .. ثم وفجأة اخذت تبكي بحرقة .. وتقول بما يشبه الفحيح .. لماذا كنت معي هكذا .. انا شقيقتك ورفيقة بطن امي معك .. لماذا جعلتني اقاسي كل هذه السنوات من العذاب وانت ترفل بالخير العميم .. لماذا يا ابن ابي وامي .. لماذا توصلني الى مرحلة لا اترحم فيها على روحك .. وبكى اولادها .. وبكت هي .. وظل الليل يرسل آهاته وذكرياته حتى غفت بعض اعين اولادها ثم اخذوها من يدها وانسحبوا الى داخل البيت ..

في المقبرة صرخ الناس .. ونظروا الى القبر على ضوء القناديل فوجدوا الثعبان في القبر الثالث .. أخذا موضعه كما كان في القبرين الاولين .. وفي هذه المرة .. تخلى بعض الناس عن الجنازة عائدين الى بيوتهم ولغطهم يملآ الشارع .. ولم تثنهم عن عزمهم في المغادرة كلمات الشيخ الذي كان يحثهم على العوده ..

قال الشيخ لمن تبقى منهم .. لا حول ولا قوة الا بالله .. سوف ندفنه مع الثعبان .. صدقوني لو اننا حفرنا عشرين قبرا فاننا سوف نجده هناك بانتظاره .. انه قدره .. وانه عبرة لمن يعتبر .. قال احدهم .. ولكن يا سيدي من يجرؤ على ان ينزل الى القبر لتوسيده الثرى .. والثعبان في مكانه .. قال الشيخ .. سأقرأ بعض سور القرآن الكريم .. انا واثق ان الثعبان سوف يمضي في طريقه فنوسد الجثة الثرى .. ورغم قناعتي بان الثعبان سوف يعود اليه .. الا اننا لا نملك الا هذه الوسيلة .. قال آخر .. لنفترض ان الثعبان لم يغادر .. قال الشيخ . اذن فلنلق الجثة من عل الى القبر .. ثم نعجل بالمفارش والمعاول لالقاء التراب عليه ..

قرأ الشيخ بعض سور القرآن .. ولكن الثعبان لم يتحرك من مكانه .. قال احدهم .. سيدي الشيخ .. لا تتعب نفسك .. انه مأمور ولن يغادر .. قال آخر : اذن فلنلق الجثة فوق الثعبان .. واتفق الجميع على القاء الجثة دون ان يضعوا تحت رأسه وسادة حجرية كما هي العادة ..

حملوا الجثة والقوها كأنما يلقون فريسة للثعبان .. وعندما حاولوا ذلك انزوى الثعبان جانبا .. وما ان استقرت الجثة في قاع القبر حتى تحرك رأس الثعبان كأنما كان بانتظارذلك الرجل منذ الاف السنين .. وبدا رأس الثعبان يتجه نحو الجثة ووسد طوله عليها ثم التف حولها كأنما السوار ..

صاح الرجال .. الله اكبر .. الله اكبر .. وصاح الشيخ .. عجلوا باهالة التراب الى القبر .. وهكذا تداولت المعاول بالقاء التراب في داخل القبر .. وبعد مرور دقائق .. كانت الارض تسوى وتسقى ببعض الماء كما هي العادة .. وجلس الشيخ يلقن الميت بعض الكلمات .. اما الجمع فكانوا على عجلة من امرهم .. ونظر الشيخ حوله فلم يكن هنالك الا بعضا من اولاد الميت .. اما الاخرون فكانوا قد غادروا المقبرة ..

قيل بعد ذلك ان الابن الاكبر للجربان .. قد سمع صرخات مكتومة تصدر من المقبرة في تلك الليلة عندما غادرها .. وقيل ايضا ان الناس قد انقطعوا عن زيارة المقبرة لامد طويل .. حتى تناسي الناس ما حدث .. اما المفاجأت التي حدثت .. فبعد انقضاء اسبوع من موت الرجل .. جاءت اخته البائسة الى القبر لتصرخ باعلى صوتها وعلى مسمع من الناس : يا اخي يا حبيبي .. سامحك الله .. انا لا اريد من هذه الدنيا شيئا .. فقط اريد رحمة الله ان تنزل على روحك .. لقد كنت مخطئة عندما لم اترحم عليك .. يا رب .. يا سامع الدعاء ، ان كان عذابه فيما اقدم عليه من اكل حقي فاني اتنازل عن ذلك الحق .. ولا اريد شيئا من هذه الدنيا غير ان يرتاح اخي في قبره ..

جاء ابنه الاكبر عامر الى القبر واخذها من يدها .. وفي بيت الجربان حيث اجتمع الشيخ ورجال القرية في ذلك اليوم قال عامر .. اشهدوا علي جميعا.. ان عمتي منذ الغد سوف تنال كل حقوقها التي هدرها والدي ولسوف تبقى هي المتصرفة الوحيدة بالثروة بكاملها .. اما البائسة فلم تزد على ان قالت : انا لا اريد من هذه الدنيا شيئا .. اريد فقط ان يستجيب الله لدعائي وان يرحمه ويحسن اليه ويتجاوز عن كل اخطائه .. ( تمت )

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة