قراءة في البنية الدلالية والتشاكل والتقاين في قصيدة (هذا الذي يذكرنا بك) بقلم : باسل الطائي وسفانة الصافي

اصدارات ونقد ….
د . باسل مولود الطائي  و  د . سفانة شعبان الصافي
النص :
هذا الذي يذكرنا بك ..
خارج  من دم الهجرة
نحو سواد المدينة
كان الطريق يتراصف كفراشات محتلمة
فوق صدور المنافي
وجباه شموع أوصدت مجدها واستساغت للظلام
أتذكر ..
حين قايضت حزن عصافيرك باحتراق الغصون ؟
أتذكر ..
حين أرخّت صمت مجاذيفك ، بمزامير الكلام ؟
أتذكر ..
حين نطقت بالشهادة
وحوصرت بالأمنيات
وسابقت وهم قرابين
داهمتنا بالأفول .
– لا لم أذكر ..
ولكنني افترشت السرخس العذب
وغافلتكم
لأدخل في لولب النوم
وآكل في حلمنا المشتهى
ههمهمات
أوصدت جمر شرايينكم
لتفقس
عند أسوار مدينتنا ..
أغنية ..
للرحيل !
إن ربط مفهوم البنية بالدلالية, تم من خلاله الكشف عن جملة الدلالات السياسية والتاريخية والثقافية والدينية التي عملت عملها في النص, على شكل بنى تتداخل بعضها ببعض وتنتظم ثنائية في قصيدة  الشاعر التي يظهر ها  من خلال الالفاظ والعلامات في هذهِ القصيدة النثرية للشاعر مهند يحيى في قصيدة (هذا الذي يذكرنا بك) نجد أن عقيدته ؛ هي أحادية الايمان فهو  يؤمن بالله ويشير من خلال النص إلى عظمته وقدرته ونفوذ أمره.
وسوف تتم مناقشة القصيدة كما يلي:
البنية الانفعالية
تحدث الشاعر في هذه القصيدة عن دزنه العميق و الظروف الصعبة والسيئة التي مر بها هو وأبناء جلدته وهي ظروف النزوح القسري وما رافقها من تعب وارهاق ومشقة وموت وجوع ومرض للعراقيين في المناطق الساحنة حيث تقتل الناس وتعذب وتهجر بدون سبب.
خارج من دم الهجرة
نحو سواد المدينة
كان الطريق يتراصف كفراشات محتملة
فوق صدور المنافي
وجباه شموع أوصدت مجدها واستساغت الظلام
أتذكر..
حين قايضت حزن عصافيرك باحتراق الغصون؟
أتذكر..
وهم يتركون بيوتهم واموالهم وتاريخ حياتهم ليرحلوا عنها ويطأطؤون رؤوسهم للقدر, ويصمتون من شدة الالم, هذهِ المناظر مثل (سواد المدينة) وهذا الطريق المتراصف كالفراشات يحكي لهم عن قصة اسمها مصير العدم, ويثير في نفوسهم الحزن, وفي عيونهم الجفاء بسبب شعورهم أنهم لا يساوون شيء وحياتهم آلت إلى العدم, لا قيمة لها تذكر.
حين نطقت بالشهادة
وحوصرت بالأمنيات
وسابقت وهم قرابين
داهمتنا بالأفول
لا لم أذكر..
في هذا المقطع الشعري, مهند محزون شديداً بحيث ييأس من الحياة ويعدها دون قيمة (فيها الموت, وفقدان الأمنيات وأصبحت الناس كالقرابين تذبح هنا وهناك بلا مصوغ- لا صوت يسمع سوى صوت الموت, والكبت, والحرمان, ويتذمر من هذهِ العبثية المقيتة التي تثير في الارض الهلاك والدمار والوئد- كعاصفة دمرت كل ما فوقها وتحتها وحولها, وتركت الأرض بعدها كالصعيد والجبال كالعهن المنفوش.
البنية السياسية
هذهِ البنية تجعلنا نتجاوز من المعنى القريب والمألوف للحزن إلى الحزن العميق, وحزن الشاعر في هذهِ القصيدة ليس حزناً فردياً وشخصياً بل يبدل إلى حزن اجتماعي وسياسي.
مهند يقلق لمصير أهل جلدته في مجتمع (مدينة تكريت) التي يسكن فيها الحزن والألم وإزهاق الأرواح, والسرقة, وحرق البيوت, وانتشار المرض والجوع (أوصدت جمر شرايينكم.. التفقس.. عند أسوار مدينتنا أغنية الرحيل).
البنية الكدحية
هذهِ البنية تدرس العلامات التي لها مفهوم العمل والسعي ولكن هنا في هذهِ القصيدة أعطى الشاعر مفهوم آخر للعمل هو الاعداد والتهيء والرحيل إلى المجهول والظروف الصعبة والسيئة لأهل المدينة أدى إلى إن يرى الشاعر الطبقة الفقيرة من الناس الذين ينالون من العذاب والشقاء والاذية مالم يستطيع الانسان تحمله, وما اعترضهم من ماسي خارج حدود المدينة من قبل صوت وهو (حرس حدود وجهات أخرى) على طريق هجرتهم وهم ينعتونهم بأفضع الألقاب  .
ويعود الشاعر ليقدم لنا صورة لحال الناس في تلك الظروف ويشبهها بالطير, غناؤهم عبارة عن اصوات ترتعش وترتشف كاهتزاز أوراق الشجر عندما تهب الريح في شتاء عاصف وهذا يدل على ضعفهم, وحتى ضحكاتهم فمعجونة بشدة الألم والعذاب وهو كصوت الحطب في النار المشتعلة وكان خطاهم تريد أن تغوص في التراب وذلك من شدة التعب والألم والضعف.
إن الكشف عن قوانين انتظام البنى الدلالية في النص هو الكشف عن العلائق التي تتحكم في هذهِ البنى وتربط بعضها ببعض أي بنسبة دلالية سواء أكانت انفعالية أم سياسية أم كدحية أم دينية, لها علاقة مع سائر البنى الدلالية.
لاحظنا أن هناك صراع بين البنى الدلالية, في هذهِ القصيدة صراع بين البنية الانفعالية والبنية السياسية, الظروف السياسية السيئة والحرمان الاجتماعي والتهجير القسري وفقدان الأمن وانفلات الاوضاع تسبب حزناً ويأساً شديداً من جانب الشاعر بحيث لا يجد للحياة غاية ولا أمل ولا مستقبل وجعله يتساءل ما غاية الانسان في هذهِ الحياة؟ وما هي المصائر أو ما ستؤول إليه الأمور؟
إن النقطة الثانية التي نجدها في النص والتي تربط البنى الدلالية بعضها بالبعض الآخر فهي قانون التأثير أو التأثر وقانون العلة والمعلول أن البنية السياسية علة والبنية الدينية معلولها القهر السياسي ينفصل عن الإيمان, فالفقراء والمساكين والمظلومين يرتكبون الاثم والخطايا ويضعف لديهم الوازع الديني كي ينجون انفسهم من هذهِ الظروف السيئة, قد يضطرون إلى السرقة لإطعام اطفالهم, يضطرون للجزع والهلع وقلة الصبر وغيرها من الامور التي تضعف بصيرتهم ودينهم وتقواهم.
يطلق النقاد والادباء على البنية الجمالية في تحليل النص الأدبي المحايد, وإذا أردنا البحث عن نظام العلاقات في النص, فسنجد بعض المفاهيم أو المصطلحات السيمائية تحقق لنا ذلك النظام أو ذلك القانون, الذي يحكم علاقة العلامات بعضها ببعض ولعل من المصطلحات المجسدة لذلك نجد مصطلح (التشاكل) ومصطلح (التقاين) وأخيراً مصطلح (التناص).
وقد يحقق لنا مصطلح التشاكل مبدأ العلاقة أو مبدا التركيب الذي اعتمده (بيرس) أو الحقه بوصف المنطق هنا يحيلنا إلى شيء من التعاليق أو الربط الدلالي بين العلامات كمنطق المشابهة أو التجانس الذي نجدهما في المشاكلة من حيث الاساليب والتعابير (الشكل) أو من حيث المعنى أو الدلالة  (المضمون) فيصبح التجانس في حد ذاته قانون أو نظاما للعلاقات سواء كان سلبياً أو دلالياً في قصيدة (هذا الذي يذكرنا بك) يستفيد الشاعر من التجانس والتشاكل في الكلمات والتركيب, لعرض الافكار والاحاسيس المتشابهة كالحزن واليأس لكنه يستفيد من التشاكل بأشكال مختلفة, التشاكل النحوي, حيث تجد تشاكلاً تاماً فهنا نرى أن مهند حينما يريد أن يظهر غاية حزنه ويأسه يقول:
وجباه شموع أوصدت مجدها واستساغت الظلام
أتذكر..
حين قايضت حزن عصافيرك باحتراق الغصون؟
أتذكر..
حين أرخّت صوت مجاذيفك, بمزامير الكلام؟
أتذكر..
مهند عندما يريد أن يصف حالة النزوح وما رافقها من مشقة, يقول: (يتراصف, أوصدت, قايضت, أرخّت, نطقت) ومسابقته في هذهِ الافعال ترتيب الاصوات والحركات والسكون متشابهة وتشكل تشاكلاً صرفياً, أمّا التشاكل الصوتي, الايقاعي من التشاكل الصرفي للكلمات والتراكيب ينتج التشاكل الايقاعي.
التشاكل الدلالي
أية كلمة لها معنى أصلي ودلالات فرعية بعض الأحيان يغلب المعنى الفرعي على المعنى الاصلي وتبدل الكلمة بأخرى ويطغي الفرعي على الأصلي.
حين نطقت بالشهادة
وحوصرت بالأمنيات
وسابقت وهم قرابين
داهمتنا بالأفول
لا لم أذكر..
الشهيد في شعر مهند يمثل شخصاً ملائكياً, وتؤول روحه إلى الآخرة وتعيش حياة الملائكة. واستناداً إلى عقيدتهِ الراسخة فإن الشهيد حياً يرزق عند ربه.
ولكنني افترشت السرخس العذب
هي الجملة التي تخرج عن المعنى الاصلي وتستفيد بمعنى ايجابي ولا يمكن الولوج في تفاصيل أخرى وذلك لمحدودية المقالة.
التشاكل المركب
يتم بتجانس الوحدات عمودياً وأفقياً في الوقت نفسه وفي النظرة الأولى ليس بينهما مشابهة لكن الدراسة المتأنية والتحليل العميق, يظهر الخيط الرفيع الذي يجمعها مهند ويخرج لنا بتجانس دقيق عمودياً وأفقياً وهذهِ ملحوظة تسجل لصالح الشاعر.
لأدخل في لولب النوم
وآكل في حلمنا المشتهى
همهمات
أوصدت جمر شرايينكم
لتفقس
عند أسوار مدينتنا..
أغنية..
للرحيل!
التحليل السيمائي لقصيدة (هذا الذي يذكرنا بك)
بين هذهِ السطور تشاكل كل مركب لأن ألفاظ (أوصدت مجدها… قايضت حزن… أرّخت صمت… نطقت بالشهادة… وحوصرت بالأمنيات) كلها تدل على الحزن الشديد والضعف التقاين في هذهِ القصيدة.
أولاً-   الأيقونة البصرية, الوصف نوعان وصف الشيء أو بعض ما جرى حايداً وبشكل خيري أو تقريري, والوصف الذي يتصرف الشاعر فيه عن طريق احساسه ونظرياته, الايقونة البصرية تتعلق أو تدل على صيغة اخبارية كتوصيف الشاعر لنزوح الناس وترك المدينة ومعاناتهم.
خارج من دم الهجرة
نحو سواد المدينة
كان الطريق يتراصف كفراشات محتملة
الشاعر يستمد من الأيقونات البصرية مثل: (استساغت… قايضت… أرّخت… نطقت… حوصرت…) لتوصيف الظروف الصعبة في مدينة الشاعر وحزن الناس, وشتات أفكارهم, كي يجسد الصورة البديعة في أذهان المتلقي.
الايقونة السمعية
الصوت مملوء من الاحاسيس المبهمة والعميقة, اللفظ هو الصوت أو رموز للصوت الذي يكتب, إن يستفيد الشاعر من الصوت في وصفه, يصور تصويراً ذا أبعاد مختلفة الاصوات التي يسمعها مهند كلها أصوات غير مطلوبة وتصك الاذان (صوت اختراق الفصول…. مزامير الكلام).
الايقونة الذوقية
الناس في مجتمع العراق يعيشون في فقر وحاجة وعوز ونقص في مجالات الحياة المختلفة وغيرها من الامور كجرائم القتل والسرقة والتهجير لذلك يعملون اي عمل شريف مهما كان نوعه كي ينجوا بأنفسهم  من تلك الظروف الصعبة هكذا كل شيء قد خلا من كل ذوق عنهم (خارج من دم الهجرة… نحو سواد المدينة… كان الطريق يتراصف كفراشات محتملة).
يجسم مهند لنا هذهِ الصورة في ذهن المتلقي بلفظ (دم الهجرة) الايقونة الذوقية هذهِ الايقونة تتعلق بالألوان. بمعنى أن الشاعر يستمد من الألوان المختلفة كي يعطي الصورة عمقاً وبعداً . الشاعر هنا يستفاد من الضوء الاصفر والاحمر المنبعث من ضوء الشموع والالفاظ الاخرى الدالة على النور ويستفاد من اللون الاسود بكل مدلولاته الحزينة.
الدلالة على الظلام والليل
وفي ختام هذهِ القراءة التي قدمناها تبين لنا السيمولوجيا هو علم العلامات والاشارات, والسيمائية أداة لإثراء القراء لأنها اعطت ادوات خصبة وغنية للقراءة تمكن الشاعر من التوغل في النسيج الداخلي أو في البنية الدلالية للنص التحليل السيمائي لقصيدة ورموزها أكثر وأكثر, بمعالجة هذهِ القصيدة في البنى الدلالية المختلفة علمنا أن الشاعر يعاني من الظروف الصعبة لمجتمع محافظة صلاح الدين بصورة خاصة والعراق بصورة عامة وهو محزون جداً إذ يعد الحياة عبثاً ويشكو إلى الله تعالى صعوبتها وتعقيدها حيث ننظر إلى القصيدة من وجهة نظر جمالية نجد فيها تشاكلاً بين علاماتها النحوية والصرفية والايقاعية والدلالية التي تعطي لها جمالاً طيباً.
علاوة على ذلك الايقونة البصرية والسمعية والذوقية واللونية التي استخدمها الشاعر, تعطي قصيدته عمقاً وتمنح الصورة بعداً, ولم نناقش التناص في هذهِ القصيدة وذلك لمحدودية عملنا فيها وامكانية نشرها بهذا الحجم. وبهذا انتهينا من هذهِ القراءة المفيدة ونترك المجال لغيرنا للتوسع في دراستها

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة