قراءة تحليلية لقصيدة هواء للشاعر فاروق سلوم بقلم : د . باسل مولود الطائي و د . سفانة شعبان الصافي

اصدارات ونقد …
النص :
هواء
مثل حوت ٍ قديم
يخرج من الأعماق
ليلامس الفضاء
و ينفث من صدره
المياه والبقايا
والخطايا والآثام
كذلك هي
كتابتي
–        يرى العديد من الدارسين استنادا إلى نظرية الاتصال بإن النص يمثل اذن، ضمن عملية الاتصال وحدة لغوية اتصالية تحمل موضوعاً، وأداة لغوية رابطة تصل بين شريكين من الفعل الاتصالي (الإبلاغ)، حيث أن العلاقة بين فعل الاتصال والنص، هي علاقة تكاملية لتلازمهما ، والفعل الاتصالي بدورهُ متضمن في الاتصال اللغوي الذي ينظم بدوره ضمن الاطار العام للتفاعل الاجتماعي، وبناء على ذلك فإن آلية الاتصال لا تعتمد على دور كل من المرسل والمتلقي بوصفهما طرفي الاتصال فحسب، بل يساهم في انجاحها عوامل كثيرة يجب مراعاتها ومن بينها الخصائص الاجتماعية والثقافية والمعرفية والنفسية لكل من المرسل والمتلقي، ومحتوى الرسالة، والهدف منها، وبيئتها الزمانية والمكانية، وقناة البث، والموقف، والعوامل السياقية، والكفاءة الاتصالية، لذلك لم تجد القصيدة التفصيل في الحكي، واعتمدت على المشاهد الدالة وحدها، متنقلة بين الكنايات اللافته، والمجازات المرسلة الكاشفة، مستبدلة بالاستعارات المركبة والاشارات المبينة على ملامح الشخصية الجسدية والثقافية.
– فاروق سلوم في هذه القصيدة قد ضمنها طاقات فنية وقيمة جمالية تفصح عن غايته الفنية ، والاسلوبية ، وعمق المعاني والذي هو اهم انموذج يحفل بعناصر التصوير البياني وكان النص باذخ بالصور الجميلة والدقيقة.
– ومن مجموعة عوامل مهمة اتت اهمية تحليل قصيدة (هواء) للشاعر فاروق سلوم والتي تعد من الخطابات التحرضية على العلم والمعرفة، تحمل مضموناً علمياً اجتماعياً ليس منبثقاً من عدم، بل هو نتاج عدة تفاعلات تاريخية ونفسية واجتماعية وثقافية ولغوية في آن واحد، وموجه من متكلم الى متلق بقصد الاتصال به، والتأثير فيه لا قناعه بمضمون هذهِ الرسالة وحمله على اتخاذ موقف معين وملائم إزاء أمر يتعلق بالكتابة وطلب العلم واهمية تلك الكتابة، وذلك عبر ايقاع سهل غير معقد وتراكيب يسيرة خالية من الرمز والأوصاف المكررة، ولغة مباشرة ومؤثرة ترصد الواقع وتعبر عن احوال النفس وانفعالاتها وتتكئ على الفاظ المعجم اللغوي بحيث يمكن ان يفهمها اي قارئ للغة مهما كان مستواه بسيط، وحتى الافكار التي عبر عنها من تلك التي يمكن ان يتقبلها الكاتب او القارئ البسيط بكل سهولة تبدأ القصيدة بحوار الشاعر مع الروح او مع الذات او النفس
– (هواء…
– مثل صوت قديم…
– يخرج من الأعماق…
– ليلامس الفضاء وينفث من صدره…
– المياه والبقايا…
– والخطايا والآثام…
– كذلك هي كتاباتي)
–        وهو اشبه بما يسمى بالمنلوج الداخلي أو الدراما ولكن الإختلاف هنا هو أنّ الآخر يتكلم ويتحاور وليس صامتاً ومستمعاً فقط كما هو في المنلوج الدرامي، اي انها خلقت من روحها شخصية اخرى تحاورها وكان الحوار قائم بين الجسد والروح، وقد داب فاروق، سلوم على العزف على وتر هذه الثنائية والفصل بينهما باعتبارهم عالمين متناقضين مختلفين

– مثل حوت قديم..
– يخرج من الاعماق..
– ليلامس الفضاء…
– وينفث من صدره
–     ويعد الشاعر فاروق سلوم من الجيل الأول الذي درس العلوم الحديثة ونهل من أصول المعارف الادبية مختلفاً بذلك عن جيله من الرواد وقد انعكست ثقافتهُ الواسعة على شعره واسلوبه الا ان ذلك لم يمنعهُ من مزاولة هذا النوع من الشعر، حيث اعتنت حافظتهُ به عندما كان يتقلد الوظائف والمراكز المهمة اضافة الى اتصاله بالأساتذة والشعراء والكبار ويتصف شعره بالجزالة والبراعة اللغوية ولاحظنا ان هناك تعاطف كبير بين الشاعر وموضوعه قد اخذت منحاها الاشد في هذه القصيدة حيث اصطيغت موضوعها بطابع علمي وعلاقة كتابية وعلمهُ بشخصيته
–       وغدت هذه القصيدة محض تهويمات شخصية، قد لا حظنا هنا اختلاط الواقعي بالمتخيل.
– مثل صوت قديم…
– يخرج من الاعماق…
– ليلامس الفضاء وينفث من صدره
– المياه والبقايا
– والخطايا والآثام..
– كذلك هي… كتابتي
– فأنفعالات الشاعر تصب في هذا الجانب الذي وجده مناسباً للتنفيس عن اختلاجاتهُ، ان اسلوب الجدية واضح على التركيب الندائي لهذه القصيدة، وقد نجد في هذا التركيب الندائي بدلالات تحمل تأنيب النفس وتحقير بعض التصرفات، وهي دلالات تتجه الى المتلقي الخاص للتقليل من شأنه والحط منه وفي الوقت نفسه تحمل مشاعر المتكلم تجاهه، وهي ترجع الى الوظيفة الانفعالية، اذا ان المتكلم له الحضور  الاوسع في الصياغة
– وينبعث من صدرهُ
– المياه والبقايا
– والخطايا والآثام
–       ونقول يبقى الاديب ابن بيئتهُ ومجتمعه على الرغم من كل الظروف المحيطة به والتطورات التي تحاصره، وتريد قطع جذوره الفكرية، خاصة الموروث التاريخي، والاجتماعي، والديني، والأدبي، الذي يمتد لفترة ليست بالقصيرة، ولا يمكن باي حال من الأحوال فصل هذا الموروث الكبير عن الاديب وثقافته.
–       وليس عيباً ان نعود ونستسقي من ينابيع المعرفة القديمة بل العيب – كل العيب – أن نهمل هذا الموروث ولانطوره ؛ لأن العلم الحديث جزء لا يتجزء من العلم القديم نستلهمه بطريقة المحاورة، وهذا عمل النثر لما له من روابط تربطه بالموروث الثقافي وهذا ما وجدناهُ في جميع اعماله بصورة عامة وفي هذه القصيدة بصورة خاصة وبهذا نكون قد انتهينا من قرأتنا لقصيدة (هواء) للشاعر فاروق سلوم.


– قراءة في نص نم قرير العين يا ابراهيم للشاعر عامر الفرحان
– د . باسل مولود الطائي              د . سفانة شعبان الصافي
–          يمثل الخطاب النثري شكلا من أشكال الاتصال بين المتكلم المرسل والمتلقي المستقبل الذي أصبح شريكاً للمنشئ في إنتاج النص وتحقيق كينونته حيث يرى الناقد الألماني فولف جانج إيزر (إن المعنى لاستخراج من النص ولاتشكله المفاتيح النصية بل يتحقق من خلال التفاعل بين القارئ والنص( ))  وإذا كان ثمة أتفاق على أن المادة الداخلية للنص هي الوسيلة والغاية في آن، وأن النص بطبعهُ فاقد المرجعية من جهة أنه لا يحيل على أمور خارجة عنهُ ولإيكاد يعترف بهذا الخارج بل يراه موجوداً في معنى معدوم( ) ، فأن الخطاب مصطلح أكثر أتساعاً من مصطلح النص بمعنى أنهُ يحتضن عملية التوصيل بجهازها الثلاثي (المؤلف، النص، القارئ)( ) حيث يشير مصطلح الخطاب الى الطريقة التي تشكل بها الجمل مكونة نظاماً متتابعاً تسهم به في نسق كلي متغاير ومتحد الخواص، وعلى نحو يمكن معهُ أن تتألف الجمل في خطاب بعينه لتشكيل نصاً مفرداً أو تتألف النصوص نفسها في نظام متتابع لتشكيل خطاب اوسع ينطوي على أكثر من نص مفرد( ) ولعل من أبرز الملامح الغنية التي تلفت النظر في مقطعان عامر الفرحان في هذهِ القصيدة التركيز في بنائها على جانب الشكل وتغليب فاعليته لإحكام عملية الخلق الاصطناعي من خلال العناية البالغة بتراكم الصور وتلاحقها وتنوع أشكالها وبنياتها واتكائها في الغالب على لغة الحواس التي يمكن قياسها داخل حدود، فتصبح الصورة التي تقدمها، القصيدة موازية في جانب منها للصورة التي تقدمها بعض أشكال العمارات في مدينة حوتيه، ومن هنا وفقاً للتأثير المأمول إحداثه لدى المتلقي من إمتاع ودهشة، لم تعد هذهِ الصورة هنا في القالب الشعري القصير تمثل المكان النفسي بعدد ما تمثل المكان المقيس، بحيث أصبحت غاية في حد ذاتها، وقدم لنا الشاعر لوحة تجلي براعة الشاعر في رصد المشابهات والمقارنات الحسية التي تدركها الحواس بيسر، كما تدل في الوقت نفسهُ على تحيزه الى جانب التصنع، على الرغم من حيوية الموضوع الذي تعالجهُ المقطوعة :

–  أعوام ذكرياتنا تبتعد يا أبراهيم
– وأنت تزداد نصوعاً، في ذروه وجدي المزدحم بالآهات
–  تغتال… بقايا صبر متأكل لا يتوانى من الاستغفار
– أراك كل يوم في حزن أسامة
–  ذلك الشبه الكبير .. محنة، طيبة، كرم، شجاعة، أدب.
–  نسختك الثانية تثير عصف غضبي بوادي الذكريات الجميلة
– أبراهيم أيها الجميل، الصاحب في السفر الكؤؤد

– اتخذت البنية السردية نمطاً بنيوياً واحد رأيناه مشتركاً بين أغلب مقاطع القصيدة، وقد نزع الكاتب الى استعمال الصيغ العقلية الماضية في تشكيل بنية هذهِ السلسلة السردية، ونشير إلى عناصر هذا النمط المتسلسل العام موضحين أثر الفعل في تشكيل البنية السردية
– ثم يمضي شاعرنا في دقة  تصويره، وقد  لجأ الشاعر الى ذكر الجزيئات والإكثار من التشبيهات معتمداً على أداة تشبيه واحدة، ولم يبق الآمر على ذلك أو عند هذا الحد وهذهِ أصبحت سمة من سمات الذوق الجمالي الذي عشق الطبيعة، والوفاء، والإخلاص، وعلى أيه حال فأن نماذج الموصوفات في هذهِ القصيدة  قد كشفت عن سمات الذوق الجمالي وقد لاحظنا إن المادة الداخلية للنص هي الوسيلة والغاية في آن واحد، وأن النص بطبعهُ فاقد المرجعية من جهة أنهُ لا يحيل على أمور خارجة عنهُ ولا يكاد يعترف بهذا الخارج بل يراه في معنى معدوم، ولابد من الإشارة إلى أن هذا النص احتضن عملية التوصل بجهازها الثلاثي (المؤلف، النص، القارئ)
–        إرحل ابتعد دعني، ما شئت، نم قرير العين في عليين وطن مستباح كنت تذود عنه… دعني أفتش عنك في عيون الصغار، في عيون المدينة حين يسترخي المساء في حروف الحزن الملون.
–         نلاحظ هذا المقطع قيام الافعال المتوازية على وصف دقيق للحظات الوداع الأخير، ولعل هذا يجسد اقتران الإيقاع بالأفعال الحركية، وما تبرزه من إيقاع دال، وهذا الاقتران بين الحركة والإيقاع بين حرص الشاعر على نقل أحداثهُ نقلاً حسياً مجسداً، ومما يلحظ إن الربط بين الإيقاع والحركة يساعد على أبراز الحدث في إطارهُ الطبيعي كما يعكس المضمون على حقيقتهُ
–          (دعني افتش عنك في عيون الصغار)  وقد قامت بنية كثير من التراكيب المتوازية على صيغة المضارع وما يدل عليه من حال أصبح في عداد الماضي ومن ذلك قولهُ (حين يسترخي المساء) فهو يصف حالتهُ في المضارع الناقل لحال الماضي، فرؤيتهُ التأملية لعودة أبراهيم وهو يفتش عنهُ في عيون الناس وفي الظلال وعند عودة المساء، وتعبيره بهذهِ المشاعر عن عودة مرتقبة في الحاضر، فهو يصور غيابهُ وعودته بأسلوب حاضر، وهكذا جاء في أَغلب مقاطع القصيدة، ويلتقي مع صيغة المضارع للدلالة على الحال (صيغة الآمر) فقد قامت بنية بعض التراكيب المتوازية على هذهِ الصيغة، والملاحظ ان ورود هذهِ الصيغة ضمن السياقات الحوارية، يساعد على إظهار المشهد في بعده الحقيقي وحركتهُ الحقيقية، ومن ذلك ما جاء في قولهُ (أراك كل يوم في حزن أسامة… ذلك الشبه الكبير محنة، طيبة، كرم، شجاعة).
–         أما في استعمال صيغة الآمر (دعني أفتش عنك) بشكل جمل متوازية توحي بالمباشرة والحالية، وتفضي أجابه مباشرة للأمر المطلوب، أي إنهُ يقتضي حركة تؤدي الفعل المطلوب.
–         همس شوق جذوة أزلية، وحروف تخاطب الشمس إذا أدبرت للمغيب ونديم عتاب مع نجمة الصباح بالهزيع الأخير…كثيراً ما حاولت أكتب عنك لكن كلماتي تحجم ويصيبها الهذيان أن لا يسمع الصوت فيها وقت الضجيج أستودعك الله أيها البعيد القريب
–          والمقطع يحتشد بصوره البصرية، وتتابع مشاهده الدالة، والإشادة البصرية الى النجم تومئ الى تفاصيل كثيرة على سبيل الإيحاء، وتفتح أبواب المخيلة الجمعية للاستعادة الموازية ولا ينغلق المقطع إلاّ أن ينتهي وقت الضجيج، وينقطع الاسترسال الذي مهد لنهاية القصيدة، وقد أتى الختام باستعاراته وكنايته بالمحاكمة عن طريق ذكر نتائجها المجازية
–         وحين نتأمل بناء التجربة، سنجد أن عامر الفرحان قد أستعار تقنية سردية حديثة، تقوم على البدء بالحدث الضخم، وهو حدث النهاية ثم يأتي سائر التجربة من خلال تقنية سردية حديثة أخرى، وهي الاستدعاء من الذاكرة
–         وتتوالى أحداث القصيدة من خلالها، حتى تضع المتلقي أمام الحدث المأسوي وهو الرحيل الأخير. والوداع الذي ليس لهُ عودة وهنا ينقلنا الشاعر الى نهاية القصيدة، مستفيداً من تكنيكات رائعة ودقيقة، وأغلب مقاطع القصيدة كان التصوير فيها مجازيا مدهشاً، التي سكنها الحزن، وتغلغل في تفاصيل حياتها وبلغة الانزياح المدهشة، ويجعل ختام قصيدتهُ دعوة الى الصبر الجميل وأن يستودع تلك الروح الطيبة للشهيد أبراهيم في ذمة الله الكريم وبهذا انتهت القرأة التحليلية للقصيدة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة