قرية الشجرة المهجرة – بقلم : فؤاد عبد النور

فلسطيــــــن ….
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا ….
يهمني أن أشير هنا أن هذه المسودة 3  لكتاب ” الجليل .. الأرض والإنسان ” تحتوي على 265 بلدة، قرية، أو تجمع سكاني في الجليل، من حيفا للحدود اللبنانية – السورية. حاولت أن يكون كل موضعٍ مختلفا، تقية للملل، وإثارة للتشويق.)
من لم يسمع هذه الأبيات لعبد الرحيم محمود, شاعر الثورة الفلسطينية, الذي باستشهاده في معركة الشجرة, خلّد الشجرة , أكثر مما خلّد نفسه:
سأحمل روحي على راحتي          وأُلقي بها في مهاوي الردى
فإما  حياة ً  تُسر  الصديق          وإما مماتاً  يُغيظ  العدى
ونفس  الشريف  لها غايتان          ورود  المنايا  ونيل المُنى
وأحمي حِياضي  بحد السيف        فيعلم قومي  بأني  الفتى
وزاد الشجرة  شهرةً على  شهرةٍ,  استشهاد ناجي العلي, ورسوماته, وشعاره ” حنظلة ”  الذي لا زال يطرّز الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية.
وُلد ناجي العلي في الشجرة في السنة 1937, واغتيل في لندن في السنة 1987. اكتشفه غسان كنفاني, ونشر له أُولى لوحاته. في السنة 1963 سافر إلى الكويت, وعمل محرراً ورسامًا ومخرجاً وصحفياً.
وُلد حنظلة في السنة 1967, وأصبح ”  الإيقونة ”  التي تمثل الانهزام والضعف في الأنظمة العربية.
لا يزال اغتياله سراً غير محلولٍ, وللآن يثير الكثير من الجدل بين المؤرخين العرب والصحفيين. آخر ما حصل سجالٌ حادٌ بين صقر أبو فخر وعبد القادر ياسين. ورد  في حديث عبد القادر عن ناجي العلي  الكثير من الاتهامات, موجهاً أغلبها بشكل يقيني إلى عرفات, بينما يعتمد صقر أبو فخر على قرار المحكمة البريطانية التي لم تمسّ مكتب المنظمة, أو تتهم المنظمة, وإن كانت قد أدانت عميلاً مزدوجا للمنظمة والاستخبارات الإسرائيلية.
يميل الكثيرون إلى اتهام إسرائيل بعملية الاغتيال, وذلك لانتماء ناجي العلي إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, فرغبوا في زرع الشقاق بين فصائل المنظمة, مستغلين هجوم ناجي العلي المستمر على المنظمة, وعرفات, واتجاه التنازل الذي أخذ يتضح بقوة في تلك الأثناء, ومستندين إلى مقالٍ في صحيفة ” يحيدوت أحرونوت ” حيث عدّد المقال عمليات الاغتيال الناجحة التي ارتكبها الموساد الإسرائيلي, وذُكر اسم ناجي العلي من ضمن القائمة !
رفض الموساد نقل المعلومات التي بحوزته, والمتعلقة بالاغتيال إلى دوائر التحقيقات البريطانية, مما أثار حفيظتها, فقامت ” مارغريت  ثاتشر ” رئيسة الوزراء آنذاك, بإغلاق مكتب الموساد في لندن.
———-
خصص الباحث ” محمود كلّم ” كتابا لكلمات ناجي العلي, والعديد من رسوماته. أقتطف منه بعض الفقرات, التي تدل أن ناجي  كان يشعر بأنه قد أصبح مستهدفاً. لا  أستطيع الجزم بالأمر, ولم يستطع غيري. أظن الأمر سيبقى غامضاً, مثل الكثير من الجرائم الكبرى غير المحلولة في عالمنا الشرير هذا. القارئ يستطيع استخلاص ما قد يميل إلى الاقتناع  به ! كتب ناجي العلي:
” هل تعرفون رشيدة مهران ؟  لا تظنوا أنها إحدى الفدائيات. رشيدة مهران سيدة ٌمهمةٌ, رشيدة مهران تركب الطائرة المخصصة لرئيس منظمة التحرير, وتسكن قصراً في تونس, وتُقرب وتُبعد في المنظمة  وهيئاتها, وهكذا فهي مهمّةٌ  للغاية. ألفت كتاباً عن الزعيم الفلسطيني, وقالت فيه أنه إلهها, وطُبع بطبعات فاخرة,  وأرادوا أن يترجموه إلى اللغات الحيّة , ويوزعوه على مكاتب المنظمة في  أنحاء العالم, فاحتار المترجمون  كيف يترجمون كلمات ” نبيّي وإلهي ” المهداة للزعيم ؟!
” رسمتُ عن رشيدة مهران هذه, علماً أنه لا اعتراض لي على العلاقات الشخصية, ولكن حين تمس قضية شعبي,  سأرسم. بعدها انهالت تهديدات وتهاني وتعاطف أيضاً. تصوروا أن واحداً من طرف أبو إياد أبلغني سروره من الرسم,  وقال إنّي فعلت الشيء الذي عجز الكبار في المنظمة عن فعله, ولكنه قال أني  قد تجاوزت الخطوط الحُمر في نظر البعض, حين رسمت رشيدة مهران,  وأنه خائفٌ علي, وأنه يجب أن أنتبه لنفسي. قلت له يا أخي لو انتبهت لحالي لما بقي لدي وقتٌ أنتبه فيه إليكم, وإلى ما تقولون ! ”
ناجي العلي لم يكن رساماً  وفير الإنتاج للكاريكاتير فقط, ولكنه كان واعيا سياسيا لآخر درجة,  ملِمٌّ بالعلل, ويضع أصبعه على الجرح. تتلمذ على يدي أبو ماهر اليماني, وتعلّم منه أن يرفع علم فلسطين, ويحيــّــيه, ويعرف أصدقاءنا وأعداءنا. وعندما لاحظ شغفه بالرسم أوصاه: أرسم.. ولكن دائماً عن فلسطين! ونفذ هذه الوصية بإخلاص. وكتب:
” كنت أعمل في الكويت حين صدرت جريدة السفير في بيروت. ولقد اتصل بي طلال سلمان, وطلب مني أن أعود إلى لبنان لكي أعمل فيها. وشعرت أن في الأمر خلاصاً, فعدت, ولكني تألمت وتوجعت نفسي مما رأيت. فقد شعرت أن مخيم عين الحلوة كان أكثر ثورية قبل الثورة. كانت تتوفّر للمخيم  رؤيةٌ  أوضح سياسيا,  يعرف بالتحديد من هو عدوه  ومن هو وصديقه. كان هدفه محدداً فلسطين, كامل التراب الفلسطيني.
” لما عدت, كان المخيم غابة سلاح,ٍ  ولكنه يفتقد للوضوح السياسي. وجدته أصبح قبائل, وجدت الأنظمة قد غزته, والعرب غزوه,  ودولارات النفط لوثت بعض شبابه. كان هذا المخيم رحماً يتشكل داخله مناضلون حقيقيون, ولكن كانت المحاولات لوقف هذه العملية. وأنا أُشير بأصبع الاتهام لأكثر من طرف. صحيح هناك فرق بين الخيانة والتقصير, ولكني لا أُعفي أحداً من المسؤولية. الأنظمة العربية جنت علينا. وكذلك الثورة الفلسطينية نفسها ”
واقتطف فقرةً أخرى من أقوال ناجي العلي, ولكنها مأخوذة من مصدرٍ آخر:
” كانت هناك أشياء كثيرة تدعو لليأس.  في تلك اللحظة كان هناك لونٌ رمادي يحيط بالأفق, لكني شعرت بتحفزٍ داخلي غريب.. إن حواسي تصبح أكثر وضوحاً عندما أُشير إلى نافذةٍ مفتوحةٍ في الأفق, يبدو منها خيطٌ من النور, وأن أُعرّي أولئك الذين لا يكفون عن الضجيج بأن الظلمة تشمل كل شيءٍ, وأن التسوّل هو لغة استرجاع الحق؛ كل هذا أقل ما أستطيع أن أفعل دفاعاً عن كرامة الذين ضحوا في لبنان, وفي فلسطين, دفاعاً عن الحق الحلال في الحلم بالمستقبل “.
وكتب خالد الفقيه كتابا عن ناجي العلي: ” حركة الوعي في كاريكاتير ناجي العلي “, وعلق عليه توفيق عابد, وذكر عنه  أحدى ” نهفاته “:
” عرفات: لماذا تهين شعبك بالرسومات يا ناجي العلي ؟
فرد ناجي:
– أنت تهين شعبك حين تتكلم اللهجة المصرية وأنت قائدٌ  فلسطيني! ”
وشكا ناجي أن عرفات أثناء خروجه قرصه  قرصةً في خاصرته أوجعته, وقال عنها, شعرت  أنها قرصة الموت ! ”
——–
من الشخصيات الأخرى المولودة في الشجرة,  شاعر ومنشد الثورة الفلسطينية , إبراهيم محمد صالح, المعروف ” بأبي عرب “. قتل والده على يد الصهاينة في عام 1948, وقتل ابنه على يد الصهاينة كذلك خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982, على إثر قيامه بعمليةٍ فدائيةٍ  خلف خطوط العدو.
أسّس أبو عرب فرقته الأولى في الأردن سنة 1982,  فرقة “فلسطين للتراث الشعبي ” وبعد مصرع ناجي العلي, غيّر اسم الفرقة إلى ” فرقة ناجي العلي”.
زار أبو عرب قرية الشجرة, مع عدد من مهجّري القرية في مساء 16 \ 4 \ 2013, وأحيوا هناك ذكرى تهجيرهم ونكبة شعبهم, وقضوا عدة ساعات بين أنقاضها.
وتحدث الأستاذ سعيد بكارنة, الذي لجأ والداه إلى الناصرة, تحدث إلى موقع ” المرج ” في 17 | 4 | 2013 عن عين الماء, وعن المسجد, وعن الكنيسة, وعن أبنائها بشكل خاص, فنانيْ  الشعب الفلسطيني, ناجي العلي, وأبو عرب.
الفقرة عن أبو عرب مناسبة لذكر أبيات له  من  هذه القصيدة:

توتة الدار صبرِك على الزمان        إن جار. لا بد نْعود مهما طال المشوار
فتحنا لك برغم الغربة  نادي           وعشبك   من  دموع  الغربة  نادِ
كأنها  تومي علي  تْنادي             ليش  طوّلتوا  الغياب ؟

يقول الشاعر عن نفسه: أنا شاعر المخيمات الفلسطينية ومطربها, وهذا ليس غريبا لمن أنشد:

كل القصة وما فيها
بدي عَ  بلادي أرجع
دولة حرة ما فيها
حاجي بكفي قيل وقال
بدي أعرف وين حدودي
مهما تغروني بالمال
مش راح أرمي البارودي
تَ حرّر أرضي وجبال
وأرجع عَ أرض جدودي
دمي لبلادي شلال
فدا تربة فلسطين
طير الرايح عَ جنين
بوس الأرض و حييها
عن عيونك يا فلسطين
روحي ودمي  بفديها.

حزنت  مع آلاف الفلسطينيين المغرمين بأناشيد هذا الشعر المبدع عندما ورد نبأ وفاته. الذي يعزينا ويعزي أهله, أنه رغم موته في الغربة, فإن أشعاره تلهب جماهير الداخل والخارج من فلسطين !
——————————–
تقع قرية الشجرة على تلٍّ  متوسط الارتفاع, إلى الجنوب الغربي لطبريا, على ارتفاع يصل إلى 275 مترٍ,  وتحيط بأراضيها أراضي  لوبية  وطرعان.
خبر جديد قرأته عن الشجرة  في أحد المواقع أن الشجرة تقول أن المسيح قد تفيّــأ تحت إحدى أشجارها.

استشهد على أرضها الشاعر عبد الرحيم محمود, من قرية عنبتا, قضاء نابلس, في 14 \5 \ 1948.
كان عدد أهاليها عند النكبة 893, شُرّدوا جميعا.
أنشئت مستعمرة السجرة على أراضيها,إلى شمال القرية في 1 \ 5 \ 49, ثم أُعيدت تسميتها بإيلانة. وقد استُوطنت قبل نهاية القرن التاسع عشر من قبل اليهود, الذين أصلحوا خان القرية, إلى شمالها, وهدمت الأعمدة والتصليحات على يد بعض الشباب العربي المتحمس, فألزمتهم السلطات العثمانية بتصليح ما هدموه. ورصف كذلك المستوطنون الطريق من الشجرة إلى الطريق السلطاني ( طريق الملك ) من الناصرة إلى طبرية. وأتموا تصليح الطابق الثاني للخان, وحفروا بئراً لتجميع مياه المطر.
كان الخان يستقبل البريد من يافا إلى الناصرة والشمال, لا تزال آثاره باقيةً  لليوم.
احتلتها القوات الصهيونية, ولكن جيش الإنقاذ استطاع تحريرها بمساعدة ” الفزيع ” من القرى المجاورة, ولكنها عادت وسقطت بعد خمسة أيام.
—————-
كُتب الكثير عن معركة جيش الإنقاذ في معركة ” مشمار هاعيمق ” والشجرة. لا أريد أن أكرر هنا ما كتب, وأغلبه مجّد دور جيش الإنقاذ, وأظهره بطريقة إيجابية, خاصةً ما ورد في الموسوعة الفلسطينية, نقلاً عن مذكرات فوزي القاوقجي, وتحرير “خيرية قاسمية”  لها. ولكني في بحثي الميداني الواقعي لم أجد عند من كانوا واعين لدور جيش الإنقاذ في الجليل, أو في المثلث, دعماً لذلك التقريظ, وكان ما وجدته يدعم الانطباع الذي تولّد عندي بأن فوزي القاوقجي كان مدمن خمرٍ   أكثر من قائدٍ  لجيش تحريرٍ, ادعى أن حرب عصاباته سيكون “الصحن اليومي في فلسطين “, وثبت أنه لم يكن كفءً لمعركة شاملة مثل معركة فلسطين.
يعزز قولي هذا ما أنشده الشاعر الشعبي أبو السعيد الحطيني,  وسكان مكة أدرى بشعابها :
هدول سبع ملوك
شتتهم ابن شرتوك
فوزي القاوقجي يا مهتوك
جنودك عتّــالة بالسوق
————
نشرت جامعة بيرزيت عن مركز دراسة وتوثيق المجتمع الفلسطيني كتاب ” قرية لوبيا ” للدكتور إبراهيم يحي الشهابي, ابن القرية المشرد. في الصفحة 50 يسرد عدة ملاحظات شخصية عن جيش الإنقاذ:
”  1- اشترك أهالي لوبيا مع جيش الإنقاذ في الهجوم على مستوطنة ” الشجرة”, وقبل غروب الشمس احتلوها, ثم أمر جيش الإنقاذ بالانسحاب منها, بحجة أن هدنةً ثانيةً أعلنت. قتل اليهود أثناء الانسحاب عدداً أكبر من المجاهدين مما سقط أثناء الهجوم نفسه !
2 – منعت القيادة العليا للجيش التموين عنه, فتعهد أهالي القرية بإطعامه.
3 – تمركزت دبابةٌ لجيش الإنقاذ, وأخذت تطلق قذائفها على بيت مهجور في المستعمرة. وعندما تصل مصفحةٌ يهوديةٌ تحمل المؤن للمحاصرين تتوقف, ثم تعود لإطلاق قذائفها عند رجوع المصفحة.
4 – سمع الكاتب بنفسه  “مدلول بك “, الحاكم العسكري للإنقاذ على منطقة الناصرة, سمعه وهو يتحدث باللاسلكي باللغة العبرية, فلم يصدقه المناضلون عندما أخبرهم بذلك.
5 – عامر بك, ضابطٌ عراقيٌّ متطوع,  نصح أب الكاتب أن يتدبر سكان القرية أنفسهم, ورفض الإفصاح أكثر من ذلك.
6 – ضابطٌ من جيش الإنقاذ حاول إرسال قوةٍ من المتطوعين إلى كمينٍ صهيوني لقتلهم.
7 – أمر مدلول بك بنزع الألغام من الطريق المؤدية لصفورية, فاحتلت, وساعدت على سقوط الناصرة السريع.
وملاحظة أخيرة من كتاب د. شهابي:
” توجهت وفودٌ عديدةٌ من فلسطين لتهنئة الملك ( عبد الله ) بالتاج,  ولاستطلاع رأيه في مستقبل فلسطين. ومن جملة الوفود كان وفد لواء الجليل الذي ضم في عضويته كلا من صدقي الطبري ( أحد وجهاء طبريا ) وعبده العائدي ( أحد وجهاء المغار ), ويحيى سعيد الشهابي ( أحد وجهاء لوبيا ). قال لهم الملك أثناء لقاءهم به: ” أرى أن يقبل الفلسطينيون التقسيم, ولنحتفظ بالقسم العربي. إننا الآن لا نقدر على مقاومة إرادة الإنكليز والأمريكان, والروس, والعالم كله الذي يريد أن يعطي قسماً من فلسطين لليهود. فأنا ملك, وراتبي من الإنكليز, وجيشي قائده  إنكليزي هو ” غلوب ” وتعرفونه. ولكن إذا ما عرفنا  كيف نتصرف في المستقبل فإننا سوف نستعيد كل شيء. وإن أسأنا التصرف ربما نخسر كل شيء, وليس فلسطين وحدها. بقبول التقسيم في هذه المرحلة نحافظ على بقاء الفلسطينيين في وطنهم, وذلك أقل ما يمكن تحقيقه الآن, أن نُحبط مخطط اليهود في إفراغ  فلسطين. ”
—————

فارس غلوب

بمناسبة ذكر غلوب ( أعلاه ), رأيت أن الكثيرين لا يعرفون شيئاً عن ابنه فارس.  أظن  أن مواقفه المعارضة للصهيونية ساهمت في عدم شهرته  في العالم, خاصةً بعد أن نشر كتابه المميّز ” نجمة داوود والصليب المعكوف “.
أبّنت صحيفة الدستور الأردنية  فارس بتاريخ 5 \ 4 \ 2004. وذكرت أنه قد ولد
في السنة 1939, وأنه قد أوصى أن يدفن في القدس, مدينة مولده, ولكن إسرائيل رفضت قبول الجثمان ! فدفن في عمان.
أشهر إسلامه في سن الثامنة عشر, وغادر الأردن مع والده للدراسة في جامعة لندن, والموضوع الذي اختاره كان التاريخ الإسلامي.
عمل في الإذاعة الأردنية في بداية نشأتها, ثم مراسلا ً صحفيا في لبنان, ثم انتقل للمعيشة في قبرص, حيث تفرع لكتابة كتابه  المشهور.
وكتب عنه حسن البطل في  ” صحيفة الأيام ” الفلسطينية أن والده سُئل ذات يومٍ عن ابنه, فأجاب:  ” على علمي أنه خرج من بيروت مع الفدائيين الفلسطينيين. بعدها لا أعرف شيئاً عنه.”
كان شخصيةً متواضعة, جندياً نفراً في صفوف الثورة. لا يتنقّــل إلا بدراجةٍ عادية. والدراجة كانت السبب في قتله, حين ضربته سيارة مسرعة في الكويت. وأنهى حسن البطل مقالته بالقول:
كان فلسطينياً. بالولاء والانتماء.
———
أجرى الناشط اليهودي د. أوري ديفيس أبحاثاً لأكثر من عشرين سنةٍ لنشاطات الصندوق القومي اليهودي, الذي تخصص في تشجير أراضي البلاد. وأدرك أن مهمة هذا الصندوق ليست ” تخضير الطبيعة وتعميرها” , ولكن مهمته العمل على إخفاء الإجرام الصهيوني بتدمير القرى العربية, وتهجير سكانها.
فبالنسبة للشجرة,  قام بزيارةٍ  لها مع أحد سكانها السابقين, اللاجئ في قرية طرعان القريبة, ووجد لوحةً كبيرةً حجريةً منصوبةً فوق نبع الماء الذي كانت تشرب منه القرية العربية, ومن سبقها في الماضي.  الماء لم يعد يجري في النبع لقيام سلطة المياه, ميكوروت, بسحب الماء من الحوض المائي, لأعماقٍ  أكثر, فنضب النبع.
اللوحة هذه مكتوبٌ عليها تاريخٌ  موجزٌ للحضارات المتعاقبة التي مرت على المكان, من الفترة البيزنطية إلى الوقت الحالي.
خدم النبع كل من عاش إلى قربه, ومنها المستوطنات اليهودية في عهد الاستيطان اليهودي لبلاد كنعان.
شربت منه القرية العربية الشجرة, وشربت منه المستوطنة الصهيونية  السجرة, والتي سميت فيما بعد  “إيلانة “. كان السكان ينشلون الماء من النبع,  لاستخدامهم الخاص, ويصبون الفائض في حوض ٍ لسقي الحيوانات.
السكان العرب الفلسطينيين الذين حافظوا على هذا النبع,  وأقاموا  آلية النشل منه, وركّبوا الحوض لسقي حيواناتهم, غير مذكورين في اللوحة الإرشادية للمكان بالمرة, وكأنهم لم يوجدوا !
بقايا  مقابر الفلسطينيين, المقابر المقدسة عند كل البشر, لم يُسمح  بتسييجها, أو التنظيف حولها, أو ترميمها.
ظن المخططون في الدولة, وفي الصندوق القومي أن سكان الشجرة سينسون قريتهم مع الزمن. ولكن صمود الفلسطينيين في رفضهم النسيان, وإصرارهم على زيارة الشجرة وغيرها, وتخليدها في المواقع الكثيرة على الشبكة, مثل موقع ” فلسطين في الذاكرة “, و ” النكبة بالعبرية ” و ودراسات مثل ” هذا ما تبقى ”  للدكتور الخالدي ,  و ” الدكتور شكري عراف “, كلها تشير إلى ذاكرةٍ  قويةٍ عصيةٍ على النسيان عند الفلسطيني, محفورةٍ  في خلايا حيةٍ  تعيش في أجسام ودماء وعقول من هُجّر منها. يقول د.  ديفيس:
” حين أتأمل في المعطيات التي ذُكرت أعلاه,  وتخيلت نفسي أو أبنائي أو أحفادي, نسير في أحذية ” الحاضر – غائب ”   من الشجرة أو غيرها, وأمرُّ إلى جانب قريتي, وأرى قبور آبائي وأجدادي مُهدمةً, لا يُسمح لي بتعميرها أو المحافظة عليها, وأرى مستوطنةً أخرى مقامةً على أرضي, يسكن أهلها في فيلات فارهةٍ من صفقات بيع أراضٍ ليست لهم في الأصل, ويأكلون من ثمار أشجارٍ لم يزرعوها, وأقرأ لافتات نُصبت لأناسٍ ” صالحين من الأمم “, أنقذوا اليهود من براثن النازية, مثل ” ويلي براندت , الرئيس الألماني, أو محاربي الحرية في المقاومة الدنمركية للاحتلال النازي, أو أقرأ اسم الملكة بياتريس, ملكة هولندا, عندما أشاهد وأقرأ هذه اللافتات إلى من تظنون أني سأُوجه غضبي؟ أليس لنفاق الصندوق القومي اليهودي, أو لمن سمح لاسمه أن يكون مُخفياً لجرائم ارتكبها من أُنقذ من براثن النازية,  ليرتكب مثل تلك الجرائم في فلسطين!!
” أليس من الملائم جداً, أنه مثل ما عُوّض اليهود من قبل الشعب الألماني في اتفاقية بروكسل 1952, كبادرة طلب غفرانٍ,  يجب أن يعترف  الصهيونيون بما ارتُــكب في حق الفلسطينيين, ويحاولوا  تعويضهم بشكلٍ من الأشكال؟
” أليس هذا شرط ٌ ضروريٌ لأية تسويةٍ في النزاع الفلسطيني والصهيونية؟ ”
( نقل بتصرف من موقع أوري ديفيز, المنشور في حزيران 2004. )
————
وجدت هذه الأبيات لشاعر من الشجرة,   اشتهر قبل النكبة في المنطقة, وشكا همه لله بعدها:
إيه ملوك العرب
الشيخ علي الأحمد
يأوي لناصرة الجليل مشرداً       يبكي الجماد لحاله أشجانا
لله عــان حالـــــف الأحزانــــــــــــا       قد فارق الأولاد والخلانا
لا مال ينفق والبنون تشردوا      أضحى فقيراً بائساً غرثانا
مع ألف ألفٍ في البلاد تشتتوا لم يملكوا تحت السماء مكانا
نُسفت منازلهم, أُبيد رجالهم      أموالهم نُهبت,  لقوا الحرمانا
يا راكب ” الفورد” السريع بسيره أسرع فديتك واقصد عمّانا
قل للمليك ابن الحسين معاتباً أو لم تخف من أنزل القرآنا
لا تكن للإنكليز مناصراً      ما تختشي أن تُغضب الرحمانا
أتبيع مليون النفوس ببلدةٍ      لتكون فيها حاكماً سلطانا
لا فُزت, لا هنئت بالعرش الذي من أجله حالفت من عادانا
أسفي على سبط الرسول وآله    جحد الإله, وحالف الشيطانا
فلنــــــــرفعنّ إلى الإله قضيـــةــً        ضد الذين تخضّبـــــوا بدمــــــــانا
مصر ونجد والعراق وجُلّــــق       وابن الحسين , ومن رعوا لبنانا
رباه غرّونا  وقالوا: حاربـــوا        إن لم نناصـــركم نكـــن عميـــــــــــانا
ساقوا الجيوش لأرضنا وتراجعوا       وبديل نصرتهم رموا خذلانا
——————————————-

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة