من حكاوى الرحيل ( الحكاية التاسعة والعشرون ) بقلم : د . سمير ايوب

فلسطيــــن …
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
إتْرُكْها لِلْصُدَفْ
قبل ان ألتقيها ، كنتُ قد سمعتُ عنها الكثير. وقرأتُ لها وعنها الأكثر .عصرَ يومٍ ذهبتُ إلى لقاءها في دارتِها ، المُطِلَّةِ ببذخٍ ، على مشارفِ فلسطينَ المحتلة . كنتً قبل ان أُدْخَلَ إليها ، قد وقَفتً في بهوِ بيتِها ، متأملاً لوحةً زيتيةً ضخمةً لها. تُزيِّنُ صدرَ البهوً . بَهوٌكل ما فيه يَشي بِبَحبوحةٍ ، تليقُ بالكثيرِ مِمَّا كنتُ قد سمِعتْ .
شدَّني في اللوحةِ وجهٌ صبوحُ . تُزَيِّنُه شامةُ أنيقةٌ . تتربعُ على يسارِ الشفةِ العليا ، وغمازةٌ في صحنِ الخدِّ الأيمن . وإنتبهتُ إلى حزنٍ نبيلٍ يشوبه . حُزنٌ تُجيدُهُ العينان ، وكلُّ تضاريسِ الوجه . تتجسدُ أحرفُه على الشفتين وفي سواد العينين . كدتُ أن أمد كَفِّي لإلتقاطِ شئٍ من الحزنِ أمامي لوضوحِهِ ، وخوفي عليهِ من التساقُطِ أرضاً . لولا أن جاء من يطلبُ مني مُرافَقَتَهُ إلى حيثُ تَجْلِسْ .
ما أن دخلت صومعتها ، حتى صدمني جمالها الطاغي. وأنكسر نظري عنها . بإتجاه الفراغ الذي بيننا. سألتني مُستغربةُ لماذا أنظر إلى أسفل ؟ تهربت مُتَأتِأ بما لم أتبين . ثم ، بلسانٍ فصيحٍ إستكملت ما بَسْمَلَتْ به تأتآتي ، قائلا : مع هذا الجمال يا سيدتي ، لا ينفع قول . فهو مما لابد أن تراه ، لتسمع حكاويه .
كانت قويّةَ الشخصيّةِ وطاغيةَ الحضور. غيّرتْ جلْسَتها وإنتَصَبَتْ . وقالت بنبرة مُحَيِّرَةٍ : قالوا أنَّكَ خَطِرٌ ، إلا أنَّك على ما يبدو ، أكثرَ مما قالوا . لذا سأتولى بنفسي مقارَعَتك .
قبل أن أغادِرَ ، مَدّت لي بطاقةً عليها عنوان . وحددت لي ساعة . وعندما وصلت في اليوم التالي ، إلى هناك ، وجدتها في منظرٍ لا يمكن أن أنساه . بهيةً مُترفةً بأُنوثةٍ مُتزنة ، واقفة بِنُبلٍ لا تُخطؤه عين بصير . تنتظرني تحت ظلال أشجارٍ مُتعانِقةٍ ، من السَّرْوٍ، ومن الخروب والبلوط . صَعَدَتْ إلى سيارتي . أدرتُ المحرك . ومع صوتِه تناهى إلينا من المذياع ،صوت الست تكمل ما ابتدأت ، من رائعتها شمس الاصيل . فسألتها مُبتسما : إلى أين تريدينا أن نذهبْ ؟
قالت : أُخْرُج بِنا من المدينة . إذا أردت أن تستمتع فلا تُخطط . إترُكْها لِلصُّدَف .
إستمر التلقي . وتواصَلَتْ جُرُعات الإدمانِ المُتَمَدِّدِ . كنا نخرج معا في سيارتها ، بغرض الفسحة دون ان أسألها الى أين . مُلتَزِماً بِناموسِها : إتركها للصدف . مكثْتُ في أطرها . تعرفْتُ على كل مُقيمٍ فيها وعابر. أصْبَحْنا لِساناً وشَفَتَيْن . دون أن يحصلَ ما لا يليق .
تَتزاحمُ عليّ الذكريات . لم أعُدْ أعرفُ من أين ابدأ ، ولا أين أقف . في الأقصر ، النيل ، الغردقه ،أمْ في وادي شعيب وظلال توتِه ، طلة الفحيص البهية ، أُمْ قيس في عليائِها  أوقرية المخيبة المُرْخِيَةِ شيئا من جدائلها فيما تبقى من مياه نهر الأردن المُتَصَحِّر ؟!  كلها أماكنٌ لها وقعٌ غير عادي . كلما مررتُ بأيٍّ منها ، تأخذني إليها . أقف فيها عِزَّةً وتُقى . لا تُخَيَبُ ظني . ما تزال ترتل الكثير من هواجس لُغتنا .
في عالمٍ يَتغير مع كل دقةِ ساعةٍ ، تتزاحمُ الذكريات ومداعباتُها . فلا أعود أميز الأقرب مني أو إليها . ومع ذلك ، لم يدر بِخَلَدي يوماً ، أنني سأتعرض لإنكسارٍ أفظعَ من رحيلٍ إعتصرَ البعضَ بَمرارةِ سَيْروراتِه .
مع كلِّ نورٍ ، عَتمةٌ كان أو ضِياء ، أعود اليها في سرير الشفاء ، فتتزاحم عليّ آهاتها وآهاني . فلا أعود عارفاً  أين أقف . أنظرُإلى ضفافِ عينيها الحزينتين ، أدلفُ في معارج صراعها مع المرض اللعين . يهب علي الأسى ويغمرني وجعها . فيتزاحمُ خليطُ آهاتنا مُتضرعا للشافي المعافي ، سائلا لها الشفاء التام والعاجل . فالله سبحانه قريب ، لا مثيل لقربه . يجيب دعوة الداعي .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة