التنجيم واختلاق المعنى (في النقد الأدبي الحديث) بقلم : عبد الله الفيفي

دراسات ….
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي – كاتب وشاعر واديب من السعودية …
تسعى (مناهج التنجيم وضرب الودع)، المتَّبَعة لدى بعض نقَّاد الأدب اليوم، إلى تأويل ما لا تأويل له، ولا بناء له أصلًا ولا معنى.  ولو جئتني بهذيان مجنونٍ «رسمي»، لاستخرجتُ لك منه- بتأويلات كتلك- آيات من الحِكم البالغة والدلالات الفريدة.  ومن ثَمَّ فرُبَّ كلمةٍ لا يُلقي لها الإنسان بالًا تهوي به في الشِّعريَّة الحديثة أربعين خريفًا!  ذلك أنَّ خلطًا بين الإديولوجيَّة والأدبيَّة يجري كثيرًا في غياب معايير عِلْميَّة.  فالشيوعيُّ، مثلًا، يُمجِّد بالفِطرة الشاعر الشيوعيَّ، وإنْ لم يكن له من حقيقة الشِّعر كبير حظٍّ، ويغمط في المقابل مقابِلَه في التوجُّه، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.  والمتلبلر يُمجِّد الكاتب المتلبلر بالفِطرة كذلك. والحداثيُّ يموت هيامًا بالاثنين معًا، بقطع النظر عن قيمتهما الأدبيَّة، وإنْ لم يقرأ لهما حرفًا، أو يفهم لهما طرحًا!  وكذا تفعل سائر التيَّارات والأصوليَّات، غربًا وشرقًا.  لكن البلوى بهذه الظاهرة لدينا أكبر لأسباب حضاريَّة كثيرة.  وستجد أحد هؤلاء، ممَّن لا تعرفه، يشنُّ هجومًا شرسًا، مستهدفًا الشخص لا النصَّ، حتَّى إذا فتَّشتَ عن الأسباب، وجدته قد انتكأ، من حيث لم يحتسب.  وستراه منفعلًا مندفعًا للدفاع عن نفسه، وعن حزبه، لا أكثر.  ربما كان صديقًا، فانقلبَ عدوًّا؛ لأن الأصوليَّات لا تعرف الأصدقاء، بل رفقاء الحزب والمصالح.  ولذلك فالعصبيَّة لا توادّ أحدًا ممَّن حادَّ حزبها، برأيٍ أو نقدٍ أو تحليل.  وستجد لهؤلاء أصنامهم.  ويبدو هاهنا أن الوثنيَّة ما انفكَّت تسري من دماء العرب- بصفة خاصَّة- مسرى الدم، في كلِّ مجال.  فهذا القائد الملهم، وهذا بطل الحرب والسلام، وذاك الرائد الأكبر، وذلك الإمام الأكبر، وذلكم العلَّامة العظيم، وهنالك شاعر العرب الأكبر… وهكذا.  لن تقف على مثل هذا لدى الأُمم المتحضِّرة؛ لا القائد الملهم، ولا بطل الحرب والسلام، ولا الرائد الأكبر، ولا الإمام الأكبر، ولا العلَّامة العظيم، ولا الشاعر الأكبر.  مساكين أولئك، لا أمجاد لهم ولا عظماء ولا أصنام.  وويلٌ لك إنْ تحرَّشت، وإنْ بنقدٍ بريءٍ، لشبحٍ من هؤلاء، قائدًا كان، أو بطلًا، أو رائدًا، أو إمامًا، أو علَّامة، أو شاعرًا.  الذِّمَّة منك تغدو بريئة، وتُهدِر القبيلةُ دمك ومالك وعرضك. وفي مقابل غثاء هؤلاء، شعوبيُّون كالجراد كثرةً، أعني أولئك الذين بلغ ولاؤهم للآخَر حدَّ نكران الذات ومعاداتها في سبيل الذات الأخرى العَليَّة، ومعاداة مَن يقول كلمة في انتقادها.  فهم يشمئزون كثيرًا من نقد الغرب، ويشمئزون أكثر من كلمةٍ منصفةٍ في حقِّ العرب.  ومِن الأعراب مَن بلغت بهم عُقَد نقصهم، وعبوديَّة أفئدتهم وعقولهم، إلى ذلك المستوى الذي نذروا فيه حياتهم لإخماد أيِّ كلمةٍ تبدو في مصلحة العرب، والتصدِّي لأيِّ رأيٍ يَشْتَمُّون منه نسبة فضلٍ إلى التراث العربي، مناضلين ضِدَّ أيِّ قائلٍ، على سبيل المثال، بفضلٍ للغة العربيَّة على لغاتٍ أخرى، أو إلماحٍ إلى إسهامٍ تأسيسيٍّ للحضارة العربيَّة الإسلاميَّة في الحضارات الإنسانيَّة الراهنة.  وتراهم، مع تشنُّجهم ذاك، لا يقدِّمون مناقشةً علميَّة، ولا تحليلًا يُثبِت نكيرهم، وإنما يترافعون بكلامٍ محفوظٍ مكرور، تحت قناع: كفانا تمجيدًا للعرب، أو من قبيل: كفانا تعليقًا لعيوبنا على سوءات الآخرين!  وهما دعوتا حقٍّ يراد بهما باطل، وسبحان من يمسخ العقول والنفوس!
«اعلُ هُبَل!»، ما زال شِعارًا يتردَّد في وجدان كلِّ تيَّار.. ولذلك لا نتقدَّم.  لا نتقدَّم في أيِّ ميدان؛ لثلاثة أسباب: للتصنيم، وللتقليد، وللحَميَّة الجاهليَّة للشخوص أو ضِدّهم، بلا تفكيرٍ عِلْميٍّ موضوعيٍّ بانٍ، بعيدًا عن العواطف، والحَوزات الثقافيَّة، والتعصُّب، واستجداء الأضواء.
ونعود إلى القول: إن الشِّعريَّة العربيَّة بلا صنعة الشِّعر لا تصنع شِعرًا، بما هو جنسٌ أدبيٌّ ذو خصائص نوعيَّة.  غير أن القراءة آنئذٍ، آن القراءة التهويميَّة، ستغدو هي مبدِعة المعنى، لا النصّ عينه.  لهذا قالوا قديمًا: «خذوا الحكمة من أفواه المجانين»؛ لا بمعنى أن في المجانين حكماء، ولا أن كلامهم حِكَم، وإنما هو كما يقول الناس بالعاميَّة اليوم عن المجنون، أو عمن في حُكمه: «فلان يذب خيط وخيط»!  أو كما يعبَّر كذلك في بعض العاميَّات: «واحدة تصيب والثانية تخيب»!  ومن هنا لن تعدم أن تجد في كلام المجنون خيطًا من معنى معقول، أو خيوطًا، لكنه يظلُّ في المجمل كلامًا مختلَّ النسج والرؤية.  وبذا فليس من الإجحاف القول إن بعض شعراء اليوم إنما يصحُّ أن يقال عن أحدهم إنه: «يَذُبُّ خَيطًا وخَيطًا»!  وعبقري النقَّاد فينا هو من يلتقط الخيط الأبيض من الشِّعر ليُكمل النسيج من تلقاء نفسه!
وممَّا زُعم حداثةً غثاء كثير، لا يقوم على منطقٍ فنِّي، ولا على منطقٍ عقلانيٍّ، ابتداءً.  ومَن ذا يصدِّق أن أحدهم- وإن كان محسوبًا في القارئين والمفكرين- يقول بكلِّ ثقةٍ: إن الحداثة تُناقض التراث!  وإن الحداثة ضدّ أيِّ تأسيسٍ، فهي تَجاوزٌ مستمرٌّ!  وحين تسأله: من قال لك هذا؟!  وإذا كانت الحداثة بلا تأسيس، فما الذي تتجاوزه؟! لا يحير جوابًا.  فتُدرك عندها أنه ينطلق من نزوعٍ نفسانيٍّ ما، ومِن تطرُّفٍ ذُهانيٍّ غالب، لا يدري ماذا يريد، ولا كيف يسوِّغ موقفه.  وكذا بعض أرباب هذا التيار الأدعياء، لا البُناة.  ولقد أصبحت لديهم مثل هذه الدعاوَى لذَّةً لا عقلانيَّة، كلذَّة المازوخي حين يؤذي نفسه، أو السادي حين يؤذي غيره. وهي حالاتٌ تستدعي دراسة ثقافيَّة (نفسيَّة-حضاريَّة)، ليس هذا مقامها.  وتجارب التعامل مع هذه الظاهرة دالَّةٌ على أن الحِجاج مع هؤلاء ضائع، بلا نتيجة، فأقصى ما تجده منهم الرفض، والإقصاء، أو الهرب، والقذف الإسقاطي بالتصنيفات والألقاب.  ذلك أن مذهب المستقبليِّين الطليان- الذين نادوا بحرق المكتبات للبدء من الصِّفر- مذهبٌ متطرِّفٌ، لم يُحدِّث شيئًا، بل لم يُحرِق شيئًا، سوى نفسه، ثمَّ أصبح نكتة الدهر، ومضرب المثل.  وحكاية حرْق الكتب حكايةٌ طويلة في التاريخ البشري، حرْقها للبداية من الصِّفر المستقبلي، أو حرْقها للبداية من الصِّفر الماضوي.  حُرِّقَتْ سياسةً، وأدلجةً، ومَذْهَبَةً، واكتئابًا، وحداثةً مستقبليَّة.
أجل، ثمَّة اليوم مَن لا ينفكُّ يفهم الحداثة على هذا الوجه، سواء أ من مدَّعيها أم من خصومها.  وما بُنيت حداثة، لا في الغرب ولا في الشرق، لا قديمًا ولا حديثًا، على غير أساسٍ راسخ، ولا بُنيان شِيْدَ من هواء.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة