الدردارة * بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا

فلسطين …
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا …
( النجمة تعني أن القرية مدمرّة. 0 تعني أنها لم يجر ذكرها في الطبعة الثانية )

الدردارة  قريةٌ صغيرةٌ  تبعد 6 كلم. عن صفد, تحيط بها التلال من ثلاث جهات,  ما عدا الجهة الشمالية, ولم يزد سكانها عن 150 نسمة في السنة 48 عندما هُـجّرت. وكانت تعيش على الزراعة, معتمدةً على بعض الينابيع.  قريةٌ  وادعةٌ, لم تشارك في الحرب,  وكانت تشعر أن الاضطرابات والحرب بعيدتان عنها إلى طرقت بابها ذات صباح باكرٍ قوةً من الجيش الإسرائيلي, فتغيرت الأمور, وانقلبت على عقبٍ أحوالها.
اختارها كاتب قصةٍ  قصيرةٍ  في إسرائيل مسرحاً لقصته, أو قد أكون أنا الذي اخترتها. فما الفرق إن حدثت الرواية هنا أو في قريةٍ أخرى,  فالمُحصّلة الأخيرة واحدةً, يشرّد الجيش أهلها ويطردهم منها.
كتب س. إتسهار, قصة صغيرة سماها ” خربة خِزعه. ”  وقد سماها خربة خزعة عن قصد, ولم يقل قريةً, لأن الخربة في المفهوم العادي تعني مكاناً مهجوراً, لا يستحق تسميته كقرية. وهو محاربٌ صهيونيٌّ آمن بحق اليهود في هذه الأرض, وحارب في صفوف الجيش الإسرائيلي,  ولكنه صُدم لما طلب منه أن يقوم  هو وجنوده بطرد قرويين مسالمين من قريتهم. يحاول في القصة أن يساوي بين حقه  كصهيوني, وحق الفلسطيني بالعيش في أرض أجداده. ويعزي نفسه بأحلام ما سيفعله الصهاينة في هذه البلاد : – سيبنون مصانع, وتعاونيات, ومدارس ومستشفيات, وكُنس. ويخلط الكلمات مستعملاً توريات وتعابير استخدمت في وصف المحرقة ( الهولوكوست ) مثل ” كغنمٍ تساق إلى الذبح ,”  والشعب الذي بقي ألفي سنة في المنفى,  ولمعت في ذهنه الحقيقة المرة: ” إننا الآن نرسل شعباً آخر للمنفى” , فيقول الجندي:  هذا إذاً المنفى.. الآن عرفت ماذا هو!

أترجم أدناه فقرةً من القصة:
” أحسست كأن صاعقةً ضربتني. كل شيء بدا لي مختلفاً: المنفى. هذا هو المنفى. أنا لم أعش أبداً في المنفى, قلت في نفسي. أبداً لم أعرف كيف هو… ولكن الناس تكلموا إلي. أخبروني. علموني. تكراراً  قرءوا لي.  من كل ناحيةٍ, في الكتب, في الصحف, في كل مكان: المنفى. ضربوا على أعصابي. احتجاج أُمتنا للعالم: المنفى. لقد دخل المنفى في أعضائي. رضعته مع حليب أمي. ماذا فعلنا هنا في هذا اليوم؟
” ولكننا سنفتح هنا تعاونية. سنؤسس مدرسةً. من الممكن حتى كنيساً. سنشكل أحزاباً سياسيةً. سيناقشون في كل الأمور, سيحرثون الحقول, ويبذرون, ويحصدون, ويقومون بأعمالٍ عظيمة.  فلتعش طويلاً خربة  خِزعة. من سيتخيل في المستقبل أنه كانت هنا خربةٌ اسمها ” خِزعة “؟  أفرغناها لنسكنها بدلاً منهم!
انقلبت إمعائي. مُستعمرون!  , صرخت الامعاء.   أكاذيب!  صرخت الإمعاء . خربة خِزعة  ليست لنا. بندقية ” شبانداو ” الألمانية لم تعطنا الحق. يا إلهي!  صرخت الإمعاء. لماذا لم يخبرونا عن اللاجئين؟  كل شيء. اللاجئين. كل شيء. الإغاثة.  النجدة. الخلاص – للاجئينا بالطبع! المسألة تختلف الآن. اختلافاً كلياً. إنظر! ألفا سنةٍ  في المنفى. كل القضية كانت حول قتل اليهود. أوروبا.  نحن الآن الأسياد.”
يُجري  إتسهار مقارنةً  بين ما ارتكبته النازية وما يُرتكب الآن. البنادق ألمانية. والشاحنات التي تنقل الفلسطينيين إلى المنفى سُمّيت ” بالسيارات الصناديق ” مثل عربات القطار التي كانت تنقل اليهود إلى المحرقة. وأشار إتسهار إلى أنه قد ارتكبت جرائم حربٍ هنا.
ولكن إتسهار في الواقع لم يكن متعاطفاً مع الفلسطينيين. إنه كان محتجاً فقط على الوحشية التي برزت بين اليهود, ولم يتوقعها. إذ يقول في فقرة في القصة:
” إنهم حيوانات!. شرح لنا يهودا. ولكننا لم نجب. جُمعت النساء في شاحنةٍ  أخرى, وبدأوا  في  الصراخ والنحيب. شعرنا بالقرف. سمعنا أصواتاً لا تُسمع إلا في الجنازات.
-ما هذا ؟ إنه مقرف!  قال شلومو.
-من الأفضل لهم أن يموتوا . قال يهودا.
بعد 17 سنة من نشر القصة هذه, أراد مخرجٌ سينمائي ” رام ليفي ” أن يخرج  إلى  الوعي الإسرائيلي ثانيةً ما كُبت لفترةٍ طويلة,  ويكشف للجمهور الإسرائيلي ما ارتكب في ال 48, فأقنع سلطة الإذاعة الإسرائيلية بدعم فيلمٍ عن قصة أيتسهار هذه, وكان من المفروض  بالفيلم أن  يُعرض في التلفاز الرسمي في العيد السابع عشر لقيام الدولة. ولكن ” زفولون هامر, ” وزير الثقافة والتعليم تدخـّـل, وألغى عرضه. وكتب الصحفي ”  تومي لبيد ” ( أصبح وزيراً للعدل بعد ربع قرن ) كتب عن الفيلم:
” حتى لو صح أن مكتب معلومات فتح سيرأسه عبقريٌ,  فإنه لن يكون باستطاعته إخراج فيلمٍ أفضل من هذا. .. وحتى لو كان هناك طابورٌ خامسٌ يعمل في مكاتب التلفزيون, فإنه لن يقدم خدمةً لدعاية أعدائنا أفضل من هذا الفيلم”.
ترجمت القصة إلى الإنكليزية, ونشرتها دارٌ صغيرةٌ ليست للربح في القدس. وحسب مقدمة الناشر فإن القصة تعتبر جزءاً من التراث الكلاسيكي للأدب العبري. ويتساءل هنا بروفسير ” نور مصالحة “, – إذا كان الأمر كذلك, لماذا انتظرتم ستين سنة لتسمحوا بترجمتها إلى الإنكليزية ونشرها؟
نشرت القصة بالعبرية في السنة 1949, أشهر بعد تسريحه من الجيش. وأثارت ضجةً كبيرة في وقتها بإسرائيل, ولكن بسرعة جرى  التعتيم عليها, بحيث لم تجر ترجمتها إلا مؤخراً إلى الإنكليزية, وأثارت ضجةً أكبر في العالم الغربي الآن. إذ أتت الترجمة في وقتها. تعرّف العالم الغربي  لأول مرةٍ  على ما حدث بقلم كاتبٍ إسرائيلي. تبدأ القصة  بأمرٍ صدر لوحدةٍ من خمسة أو ستة جنودٍ, يتحدث فيها البطل وهو أحد الجنود غير محدد الهوية, أرسلوا في مهمةٍ غير واضحةٍ إلى موقع خربة خِزعة.  يُطلب من الجنود عدم المناقشة وانتظار الأوامر التي ستصلهم عن طريق  جهاز الاستقبال الذي يحملونه. الذي يتحمل مسؤولية هذه المهمة يكون الذي أرسلهم, عليهم التنفيذ فقط.
يذهب الجنود مرحين إلى التل الذي يُشرف على القرية, وينتظرون هناك الأوامر. وهنا تبدأ الأحداث المرعبة في هذه القصة. تتكشف مشاكلها مما يتناولونه من أحاديث وهم  في الانتظار. ويقولون أنهم سيرجعون بعد الانتهاء منها إلى أحضان أمهاتهم, مبتئسين بعض الشيء, ولكن هكذا هي الحرب.
تصلهم الأوامر أن يقوموا بطرد سكان خربة خِزعة, وأغلب  السكان شيوخاً, والبعض من أولئك الشيوخ عمياناً, ونساءً وأطفالا.  وتصل شاحنات لنقلهم إلى المكان الذي يجب أن يكونوا فيه,  في الجانب الآخر من الحدود, إلى المنفى.  يترجى بعضهم الجنود في
إلحاحٍ  بأن يبقوا, ولكن غالبية سكان القرية يطيعون الأوامر في استسلام, ” مثل قطيعٍ من الغنم يساق إلى الذبح “, وهم يتوقعون أن يـُعدموا في أية لحظة.
لم يسفك دمٌ في هذه القرية,  فقط بعض الجروح  في الكرامة الإنسانية.  إلى أين سنأخذهم؟ ” يسأل أحدهم. ” إلى الجانب الآخر” , يجيب زميلاً له.  ويضيف: ” انه لنبلٌ منا أننا لن نقتلهم!”
نشر اتسهار قصةً قصيرةً حادة,  مليئةً بالتناقضات. يأخذك  مرةً  إلى اليمين, ومرةً إلى الشمال. ويصل إلى الذروة في القصة, عندما يدرك الجندي المتحدث, أنه بعد أن عاش شعبه ألفي سنة في المنافي,  يقوم بإرسال شعبٍ آخر إلى المنفى. ويقول هذا الجندي: ” هذا هو إذاً المنفى.. الآن أدركت كيف يكون! ” ويكمل بينه وبين نفسه: ”  كان من المستحيل علي أن أتقبل هذا الوضع. رأيت الدموع تهطل من عيني طفلٍ, يسير إلى جانب أمه المتوترة إلى المنفى, حاملين معهما صرخة ألمٍ وشكوى من الشر المرتكب في هذا الكون, ولا بد أن هذا الطفل سيتذكر باستمرار كيف طُرد وأمه من القرية, ويعمل على هوى ذلك الطرد. وينهي القصة بقوله لرفيقه: ” موشي.. ليس لدينا الحق بأن نرسلهم هكذا إلى المنفى  من هنا!”
—————-
حظيت عصر الأول من تشرين الثاني 2014, هنا في برلين, بعرضٍ لفيلم وثائقيٍّ قصيرٍ للمخرج ” داني جال ” عن قصة إخراج فيلم ” رام  ليفي”  عن خربة خِزعة, الذي تم تصويره في  قرية ” المدية “, قرب قرية نعلين التي اشتهرت أكثر في السنوات الأخيرة لتصديها للجدار الذي حرمها من أراضيها, ولكنها نجحت بتغيير مساره بعد كفاحٍ مرير. الفيلم يتحدث من مشاكل الإنتاج, والأفكار المتصارعة حول شرعية اشتراك  قرية من الضفة الغربية بالفيلم, تصويراً وتمثيلاً.
كنت قد نسيت بالمرة الفيلم الآخر ” أنا أحمد ” الذي بطله شخصيةٌ رئيسةٌ  في موضوع عارة  وعرعرة, في كتابي عن ” المثلث .. الأرض والإنسان “.  ذكرت أمام هذا المخرج  داني عن الفيلم, , فهتف إن فيلم ” أنا أحمد ” هو  لنفس المخرج, رام ليفي! توجـّعت! لقد نسيت هذه العلاقة بالمرة, ونسيت اسم رام ليفي, لولا حضوري هذا العصر لمشاهدة فيلمٍ توثيقيٍّ عن فيلمه.
لا أستطيع أن أمر مر الكرام على هذا. قبل أكثر من ربع قرن قابلت أحمد مصاروة  في عرعرة, وأخذت حديثاً مطولاً عنه, ووضعت صورته مع الموضوع,  وصور لينين, وماوتسي تونغ,  وغيفارا معلقةً على الحائط خلفه.  تحدث لي عن نشأته, وكيف أصبح عاملاً في تل أبيب, وقصة الفيلم, وانضمامه إلى ” ماتسبين ”   وتلقيه رسائل تهديد, وأبرز تلك الرسائل قصيدةٌ  من شاعرٍ صهيونيٍّ متطرف:

حقنا وحقك
حقنا فوق حقك !
إذا أردت أن تعيش هنا
يجب أن تكون أقليةً محتقرة.
وإذا أردت أن تناضل من أجل حق شعبك..
فكل الاحترام.. وكل الرصاص!
د. يسرائيل إلداد.
——————-
رام ليفي مخرجٌ تلفزيوني, وكاتب نصٍ. ولد في السنة  1940 بعد ثلاثة أشهر من هجرة والديه إلى إسرائيل. كتب, وأخرج أفلاماً وثائقية كثيرة, تحدى فيها الأمر الواقع  في إسرائيل, وقضايا مثل الصراع الطبقي, التعذيب في التحقيق, نظام السجون, والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
نسيت بالمرة  أني كنت قد تعرّفت عليه في بهو فندق ” الأميركان كولوني ” في القدس, وذلك بعد المحاورة مع أحمد مصاروة  في عرعرة.  أعطاني أحمد رقم الهاتف, ودعاني رامي للقدوم إلى تل ابيب, فاعتذرت بعدم وجود تصريحٍ  معي, فأتى هو.
سُر كثيراً لأن فيلمه سيتم ذكره في كتابي القادم عن المثلث, ولم نر واحداً الآخر بعد ذلك. الفيلم الوثائقي الآخر عن تجربته ذكرتني به.
رام ليفي مخرجٌ غزير الإنتاج, ومرجعٌ  في مهنته, أستاذ شرفٍ في جامعة تل أبيب, بعد تقاعده, وحصل على جوائز كثيرة, أهمها جائزة  ” إسرائيل  للاتصالات , والإذاعة, والتلفاز ” في السنة 1993. وهو اليوم أستاذٌ متقاعدٌ في جامعة تل أبيب لنفس هذه الدراسات. اخترت الفقرة التي شرحت فيها لجنة التحكيم أسباب اختياره لهذه الجائزة:
” لقد استحق تقديرنا لكفاحه المستمر للتطرق, ومعالجة مواضيع تعتبر غير مقبولٍ معالجتها في إسرائيل, رغم أنها تمسّ حقائق أساسيةٍ  في المجتمع الإسرائيلي. وإذا  ما أخذنا هذا بعين الاعتبار, فإن أعماله تتصف بالجرأة,  وفي نفس الوقت تتحلى بقدرٍ كبيرٍ من  المسؤولية. لقد أخرج فيلمين بارزين ( الاستخبارات و خربة خِزعة ) .. وتعطّل عرضهما في التلفاز الإسرائيلي, ورغم هذا فإنه لم يستسلم, بل كافح ليجري عرضهما على الجمهور, ونجح في ذلك. وقد أدّى ذلك إلى الطعن في مصداقيته الشخصية والمهنية, ولكن ليفي أثبت أنه ليس مخرج أفلامٍ وثائــقيةٍ  فقط, ولكنه فنانٌ, صاحب وجهة نظرٍ, اهتم بعرضها على المشاهد, رغم ما  يلحقه من إشكاليةٍ  بسببٍ من ذلك. ”
—————-
لم يغفل قادة الصهيونية عن الورطة التي هم فيها. لم تكن في مخططاتهم أن يصمد الفلسطينيون في المقاومة, وفي المطالبة بحقوقهم المسلوبة. لقد ظنوا أن الفلسطينيين سيختفون من الساحة, أو سيكون بالإمكان وضعهم في محميّات , مثل الهنود الحمر في أمريكا الشمالية, أو مثل سكان أستراليا الأصليين.
ها موشه دايان يعترف بهذه الورطة,  في تأبينه أحد المستوطنين في مستوطنة ” ناحل عوز ” القريبة من شمال القطاع :
” بالأمس قُــتـل روعي. سكينة الصباح الربيعي بهرت عينيه,  فلم ير المتربّصين بروحه على حد الثلم في الحقل. لا نكيلنّ التهم اليوم لقتله! كيف لنا أن نشكو كراهيتهم الشديدة لنا؟  ثماني سنوات وهم يقيمون داخل مخيمات اللاجئين داخل قطاع غزة.  قبالة أعينهم تـُحوّل أراضيهم وبلداتهم التي سكنوها وأجدادهم إلى مزارع لنا. علينا أن نطالب بدم روعي من أنفسنا, لا من العرب في غزة. كيف أغمضنا عيوننا ولم نر مصيرنا, وعد زماننا بكل قسوته؟ هل ننسى أن مجموعة الشباب هنا في كيبوتس ” ناحل عوز ” تحمل على أكتافها بوابات غزة الثقيلة, بوابات تزدحم خلفها مئات آلاف العيون والأيدي المبتهلة من أجل ضعفنا, كي يتمكنوا من الظفر بنا, ويمزقونا إرباً إربا؟
————–
من الدلائل التي تشير إلى أن إتسهار لم يكن يقصد الحقيقة التاريخية من قصته, كان اختياره عنوان ” خربة ” للقصة. الخربة عند الفلسطينيين هي مجتمعٌ صغيرٌ  يخرج من صلب القرية الأم, ليكوّن مع الزمن قريةً صغيرةً أخرى,  تُسمى بنت القرية.
إلا أن إتسهار يحولها هنا إلى ما يرغب الصهيونيّون بنشره, أن الريف الفلسطيني,  إن وجد فيه سكانٌ,  فهم مبعثرون في خربٍ, لا تتماشى مع العصر الحديث.
ويجدر الإشارة هنا إلى أن  إتسهار قد نشأ في بيتٍ صهيونيٍّ  متطرفٍ, فعمّــه ” موشيه سيمالاتسكي ”  من أوائل المهاجرين من أوكرانيا, وقد كتب قصةً  قصيرةً  أخرى عن اثنين من المستوطنين الأوائل من ” مُحبي صهيون, ”  استقرا في ” رحوفوت ,” و تناقشا في السنة 1891:
” يجب أن نذهب إلى شرق الأردن. هذا سيكون امتحاناً لجدية حركتنا “.- قال الأول.
” هراء ..”  قال الثاني: ” ألا يوجد الكفاية من الأرض في الجليل والسامرة؟ ”
” نعم.. ولكن هذه الأراضي يسكنها عربٌ!
” نعم.. ولكننا سننتزعها منهم.”
” كيف؟  “ساد صمتٌ. ثم أجاب الثاني:
” الثوري لا يسأل  مثل هذه الأسئلة !؟ ”
” حسناً أيها الثوري.. حدثني كيف؟
” الأمر بسيطٌ. سنضايقهم إلى أن يضطروا للمغادرة ! فليذهبوا إلى شرق الأردن! ”  فسأل الأول بلهجةٍ  قلقة: ” هل يعني هذا أن علينا أن نترك كل شرق الأردن بحاله؟ ”
” لا ! ”  قال الثاني.  “ما أن نتمكن من بناء مستوطنات قويةٍ هنا, ونستولي على الأرض ونصبح أقوياء بدرجةٍ كافية, سنهتم عندئذ بالضفة الشرقية للأردن. سنطردهم من هناك كذلك. ليذهبوا للدول العربية “.
دلائل أخرى على اتجاه إتسهار الفكري  هو أنه انتخب في البرلمان الإسرائيلي الأول, وتولى مراكز مهمةٍ في حكومة بن غوريون.
———————
استبد القلق برجالات الدولة من كشف حقيقة ما تم في عام 1948 في العقدين الأولين من قيام الدولة, قلقوا من إمكانية رجوع اللاجئين إلى قراهم الأصلية. وقد انعكس هذا في رواية أ. ب. يهوشع, الكاتب اليساري الذي نشر بدوره قصةً قصيرةً بعد 19 سنة من قصة اتسهار, حاول فيها يهوشع استعادة الحقائق المطموسة عن النكبة, استعادتها إلى الوعي الإسرائيلي العام. وحلل فيها المحاولات  الإسرائيلية الرسمية لقمع الذاكرة الجماعية للإسرائيليين, والتي نجحوا فيها بعد مرور حوالي الخمسة عشر سنة على قصة إتسهار:

في مواجهة الغابات

تحكي القصة عن حارسٍ عربيٍّ أخرسٍ عُين في وظيفة حارسٍ لغابةٍ  تابعة للصندوق القومي اليهودي, والغابة زُرعت فوق قريته السابقة, التي دمرت في السنة48. وتحكي كذلك قصة تلميذٍ يهوديٍّ منغمسٍ في بحثٍ حول تاريخ الصليبيين اللاتين في الأراضي المقدسة. ولما رغب في الاستراحة لبعض الوقت من أبحاثه,  وجد وظيفةً  كحارسٍ, في نفس الغابة  المسؤول عنها الأخرس, وسكن  في نفس بيت الحراسة الذي يسكنه الأخرس مع ابنته. تولّع التلميذ بابنة الحارس, وأخذ التوتر يتصاعد بين الرجلين مع مجيء الصيف, والتلميذ  يشعر بقرب حدوث كارثةٍ, لا يدري ما هي.  بلغ التوتر أشده لما أشعل الحارس العربي النار في الغابة,  فاحترقت كلها.
أخذ التلميذ الحارس يتطلّع في الفجر إلى الأفق, ويرقب الدخان المتصاعد من الغابة المحروقة, وإذا بالقرية العربية  تظهر أمام عينيه كاملة, وكأنها بـُـعثت ثانيةٍ, في لوحةٍ تجريديةٍ,  وبخطوطٍ واضحة.
كشف الحريق الحقيقة واضحة أمام عينيه,  حقيقة وجود قرىً عربيةً  دمرت في حرب ال 48, و لم يكن يراها أو يفكر فيها من قبل أثناء بحثه  عن الصليبيين.
————–
الدردارة قريةٌ صغيرة ٌ لم يتجاوز سكانها ال 120 نسمة.
أقيمت مستوطنتا  “جادوت و أشمورا ” على أراضيها

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة