ليالي قطر الصعبة.. اللي حضَّر العفريت يصرفه.؟ بقلم : محمد هجرس

آراء حرة ….
بقلم : محمد هجرس – مصر ….
أذكر قبل سنوات، أن زميلاً صحفياً عربياً سأل رئيس الوزراء، ووزير الخارجية القطري الأسبق، حمد بن جاسم، عن تفسيره للمواقف السياسية المتناقضة لبلاده إزاء قضايا المنطقة التي تشبه من يلعب بالنار.؟ ساعتها ابتسم ابن جاسم طويلاً وقال ـ كأنه يلهو ـ إن اللعب بالنار يكون ممتعاً ومثيراً في أحيان كثيرة.!
لم ينتبه أحد إلى أن وزير الخارجية القطري، يرسي بهذه المقولة واحداً من أشد أشكال السلوك السياسي خطورة في عالمنا العربي، والتي تفاقمت تدريجياً بمرور الوقت، لتصبح من أهم معالم السياسة القطرية التي تعبث بأعواد الثقاب بكل رعونة في الكثير من البؤر المتوترة عربياً، دون أن تدرك أنه يوماً قد يأتي ويحترق ثوبها جراء ما اعتاد الأطفال على اللهو به.. وقد حدث.!
كان البيان الصادم الذي بثته وكالة الأنباء القطرية الثلاثاء، ونقل تصريحات الأمير تميم بن حمد، في حفل لتخريج دفعة من جنودها ـ رغم عدم أهميته ـ إلا تلك الإبرة التي ثقبت البالون المنتفخ، بغض النظر عن تضارب المسؤولين القطريين في استماتتهم للنفي أو إثبات حدوث اختراق في موقع الوكالة الرسمية، كمحاولة لتبرئة الذات الأميرية من سياسة تكسير الفخَّار على رؤوس الجميع، خليجياً وإقليمياً وحتى عالمياً بانتقاده الرئيس الأمريكي ترامب.
غالبية المحللين الذين انخرطوا في الاصطفاف مع أو ضد البيان/ الورطة، تغافلوا عن الحقيقة الأهم، وهي أن كل ما جاء فيه لا يخرج عن مجمل التصورات الرسمية بشأن القضايا أو الأحداث الراهنة، بل تتسق تماماً مع مسارات الرؤى القطرية المعلنة وغير المعلنة، التي تحملها جيداً قناة الجزيرة والأذرع الإعلامية الأخرى المنتشرة في عواصم عديدة وبأسماء مصطنعة وعناوين شتى والأهم بدولارات لا تُعدُّ ولا تُحصى.
وإذا كنا عربياً تعوَّدنا أن النفي الإعلامي هو في الأغلب الأعم تأكيد وإثبات، إلا أننا ـ بعيداً عن الحملة الإعلامية الصاعقة التي لم تتوقعها قطر وربما بوغتت بها أذرعها الإعلامية ـ أمام بالون اختبار جدِّي “فرقعته” الإدارة القطرية دون أن تحسب جيداً عواقبه وتحديداً من محيطها الخليجي الذي اتضح أنه التقط طرف الخيط ليلفه حول عنق السياسة القطرية المتورِّمة والمنتفخة خارج حدود العقل والمنطق، والتي سبَّبت صداعاً مزمناً في رأس مجلس التعاون الخليجي أولاً قبل غيره وتحديداً منذ انقلاب 1995، رغم سياسات تبويس اللحى ظاهرياً.
التبرير القطري ـ الجاهز مسبّقاً ـ بمزاعم الاختراق أو المؤامرة، تناسى دور التآمر الخبيث الذي لعبته الأذرع الإعلامية القطرية وعلى رأسها “الجزيرة” في التلاعب بمصائر أوطان عربية ونشر الفوضى فيها، معتبرة ذلك من قبيل “الرأي والرأي الآخر” متجاهلة كل الأصوات الداعية للحفاظ على شعرة معاوية العربية، وعندما تعلق الأمر بقطر هذه المرّة، وجدنا الإعلام القطري يشكو من قنوات الفتنة والتحريض (ويقصد بها العربية وسكاي نيوز)، دون أن يسأل نفسه ولمرة واحدة طيلة السنوات السبع الماضية عن توصيف ما كان يفعل.؟
بغض النظر عن صحة الاختراق من عدمه، إلا أن بيان جس النبض القطري، جاء عقب أقل من 72 ساعة من قمم الرياض الثلاث، والذي بدا فيه تراجع قطر للخلف تماماً، وهذا ما لم تصدقه القيادة القطرية المتناقضة أساساً في سلوكياتها السياسية، فهي في سوريا مثلاً تدعم “الثورة” والجماعات المسلحة هناك، وفي نفس الوقت تدعم إيران اللاعب الرئيس مع روسيا في مواجهة هذه الثورة.. فأيهما نصدّق.؟
ـ تقف شكلاً مع دول الخليج بمواجهة التهديدات الإيرانية، وبنفس اللحظة التي يغادر فيها أمير قطر الرياض، يرسل برقية تهنئة للرئيس الإيراني المنتخب ويعلن أن استعداءها قرار غير حكيم.!
ـ تؤيد وتموّل حركة حماس و”المقاومة” ضد إسرائيل، بل تعتبر الحركة الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وبالتوازي تتشدق بالعلاقات الممتازة مع الكيان العبري.!
ـ يقبل أمير قطر رأس العاهل السعودي، ثمَّ يخرج بتصريحات واتهامات شديدة اللهجة للسعودية ويتهمها بأنها تؤسس للتشدد المذهبي ويلمح لمسؤوليتها عن التطرف الفكري في العالم.. بل يقول إنها تطمع في بلاده.!
ـ يعتز بقاعدة العيديد الأمريكية، وينسى نفسه ويناطح الرئيس الأمريكي ترامب.!
ـ يتحدث عن مواجهة الإرهاب، وعاصمته ونظامه يستضيف وينفق ويمول ويرعى منظمات إرهابية يسبغ على قادتها الحماية والجنسية.!
ـ يدعي عدم التدخل في الشؤون الداخلية، بينما يتآمر لإسقاط أنظمة ودول، ويعبث عملاؤه في مختلف العواصم لنشر الخراب والفتن باسم الربيع المزعوم.!
ـ يدعو مصر والإمارات والبحرين لعدم التدخل في بلاده.. بينما يسمح لنفسه بالتهجم على الجميع.!
برأيي، فإن تصريحات الأمير القطري كشفت الغطاء عن المسكوت عنه في العلاقات الخليجية أولاً، لنرى القِدر وهو يغلي، وبالتأكيد ستدفع الدوحة ثمنها بشكل أو بآخر، وربما تصل إليها توابع ارتدادات ذات “الربيع” الذي هللت وصفقت لنيرانه كثيراً، وبدت قياداتها المتعاقبة مثل نيرون الذي كان يقهقه على أطلال حرائق روما.
المهم، أنه سواء كانت تصريحات أمير قطر، ناجمة عن إختراق لوكالة الأنباء أم موقف رسمي، فإن العلاقات بين الدوحة والخارج ستكون أمام مشهد جديد.. لن يبقى فيه إلا الكبار قيمة وإرثاً وتاريخاً وعمقاً، أما الصغار فسيصرخون كثيراً بعد أن احترقت أصابعهم بنفس أعواد الكبريت الذي ظلوا يبتسمون ويستمتعون بمشاهد اشتعاله طويلاً.. وإلا إيه رأيك يا شيخ حمد بن جاسم.؟!
ـــــــ
كاتب ومستشار إعلامي مصري

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة