الموروث البشري في التدين – مقاربة نقديه ( الجزء السادس ) – بقلم : د . سمير ايوب

دراسات ….
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن ….
معصومية الرسل والانبياء سلام الله عليهم ، بين الشمولية والتضييق
تشهد النظرة المتفحصة في خلق الله ، أن هذا الخلق لم يكن عبثا بلا غايه . وتشهد أن تلك الغاية ، لا تتحقق إلا بمؤهلات فطرية ومكتسبة في الأنسان . معززة بأنبياء ورسل مُنَزَّهين مهديين . اصطفاهم رب العزة . ليكونوا لائقين ، بالمهام الموكولة لهم وبمكانتهم عنده . ثم بعثهم لهداية الناس وتزكيتهم وتطهير قلوبهم من الرذائل ، بالقول وبالعمل .
هذا هو ما دعى البعض الى القول ، بوجوب عصمتهم عن كل ضلالة ، ومن كبائر وصغائر الاثم والمعاصي ، قبل وبعد بعثهم . واستشهدوا على ما يدعون ، بالعقل السليم  وبآيات ، يدل ظاهرها على عصمة شمولية ، لا تقتصر على تلقي الوحي ، وابلاغه الى الناس والعمل على تطبيقه  . غير ان هناك آيات أخر ، توهم خلاف ذلك . بل جوزت المعصية والاخطاء على بعض الأنبياء بصورة أو بأخرى  .
ولكن ، هل كل ما يقال عن العصمة اليوم ، مطابق لما أنزل الله من تشريع ، وما تركه أنبياؤه من سنن ؟ أم أن هناك ما هو متوهم خلاف لذلك ؟ من هنا ، يكون من اللازم الأمعان في حياة الأنبياء وسيرتهم . والأمعان في الآيات التي وردت في حقهم ، لفهم حقيقة العصمة ، إمتثالا لطلبه تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن ) . فمثل هذه المقاربة ، ليست عملا سقيما مُماحِكاً. ولا تقليلا من إجلال أنبياء الله ورسله .
يعتري الرسل في غيرِ بلاغٍ ، ما يعتري الناس من العوارض والأمراض ، كالخوف والنسيان والسهو والتأويل . والامثلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة . منها : خوف ابراهيم عليه السلام . والنسيان ثابت  في حق الانبياء . وكذلك عدم الصبر مثلما فعل موسى عليه السلام مع العبد الصالح . ناهيكم عن الغضب الشديد . فها هو موسى عليه السلام يكسر الألواح وفيها هدى ، وأخذ برأس اخيه يجره إليه .
مع تمام عقلهم وسداد رأيهم وقوة بصيرتهم ، وقع من بعض الأنبياء ، ومنهم محمد عليه الصلاة والسلام ، أخطاء في بعض مناحي الحياة المختلفة ، من طب وزراعة وغير ذلك . مثل اختيار موقع معركة بدر ، شفاء الناقة ، وتأبير النخل وغيرها . قال خاتم المرسلين ) :إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به . وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فأنا بشر ) .
تطفح الكتب المُحَرَّفَةِ بالكثير من اوصاف الرسل مما هم بريئون منه . ولقد برأ كتاب الله انبياءه ورسله ، مما إفتراه عليهم من افترى من مخازي وقبائح . فعلى الرغم من بشريتهم وأعراضها ، فقد عصمهم الله سبحانه ، من كبائر الذنوب قبل بعثتهم وبعدها ، ومن الصغائر التي تدل على خساسة الطبع .
واتفقت النصوص القرآنية كلها ، على أن رسل الله وأنبيائه ، معصومون في تحمل الرسالة . لا يغفلون ولا ينسون شيئا مما أوحاه الله لهم . وقد وعد الله رسوله ، بأن يُقرِئَه فلا ينسى شيئا مما اوحاه اليه ، إلا شيئا أراد الله ان ينسيه اياه ( سنقرؤك فلا تنسى ، إلا ما شاء الله ) . وعلى ان رسل الله وأنبيائه معصومون ، فيما يخبرون به عن الله سبحانه . وهم لا يكتمون شيئا مما أوحاه الله اليهم . ولا يزيدون عليه من عند أنفسهم . فلا يكون خبرهم إلا حقا ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو الا وحي يوحى ) وهذا هو معنى النبوة . والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه ، لأن الكتمان خيانة ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ) .
ولكن هل عصمتهم ، عصمة مطلقة شاملة في امور الدنيا والدين كبيرها وصغيرها ؟
هناك بالتأكيد اخطاء بغير قصد ، ببعص الامور الصغرى في الدين ، لم يكونوا معصومين فيها . وقعت من بعضهم . كانوا لا يُقَرون عليها من الله سبحانه . فسرعان ما  ينبههم الله اليها ويعاتبهم عليها . فيبادرون باستغفار ربهم تائبين  . وينزل الوحي مصححا وهاديا فيصححون . كانوا يجتهدون في جُكمِ ما يُعْرَض عليهم من وقائع ، ليس عندهم فيه نص شرعي ، يستندون عليه في ذلك . كانوا يمارسون الشورى وإعمال العقل والفكر والترجيح قبل الاختيار بين البدائل ، وفق ما يبدو لهم . فهم لا يعلمون الغيب . وقد يخطئون في أصابة الحق .
ولقد ذكر الله لنا بعضا مما وقع من أنبيائه مما عابهم عليه وأرشدهم فيه ، منها : معصية أدم بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها . دعاء نوح ربه في إبنه الكافر ، فلامه ربه على مقالته فاستغفر ربه . وإعتراف موسى بقتل القبطي وبظلمه لنفسه طالبا الله ان يغفر الله . وتسرع داوود في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني فأسرع الى التوبه . ومنها مغاضبة يونس لقومه وخروجه من غير اذن ربه . وما صنعه اولاد يعقوب باخيهم يوسف قبل ان يوحى اليهم ويصبحوا انبياء . حتى خاتم الانبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم ، عاتبه ربه في اكثر من امر ، منها ( يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك ) التحريم 1 ، وعاتبه بسبب عبوسه في وجه الأعمى ، ومنها اجتهادا منه بعد مشاورة اصحابه حيث لم يكن عنده نص ، في قبول الفدية من اسرى بدر .
قد يستعظم بعض الناس مثل هذا القول . ويذهبون الى النصوص من الكتاب ، تدل بالتأويل على عصمة مطلقة لرسل الله وانبيائه عليهم السلام  . والدافع الى ما يقولون شبهتان  :
–         الأولى : آيات كثيرة تدعو الى إطاعة الأنبياء والرسل والأقتداء والتأسي بهم . تستلزم ان يكون كل ما يصدر عنهم ، محلا للأتباع  . ولكن هذه الشبهة صحيحة وفي محلها ، لو كانت المعصية خافية بحيث تختلط بالطاعة . ولكن الله كان قد نبه رسله في كل معصية . وبين لهم المخالفة . ووفقهم الى التوبة منها وتصويبها من غير تأخير .
–         الثانية : أن الذنوب نَقْصٌ ينافي الكمال . وهذا صحيح ، إن لم يصاحبها توبة . فالتوبة تغفر الذنوب ، ولا تنافي الكمال . ومعروف أنه لم يقع ذنب من نبي ، إلا وقد سارع الى التوبة والاستغفار وإتباع التصويب الرباني . فالأنبياء لا يُقَرونَ على ذنْبٍ ، ولا يؤخِرونَ توبةً.
اخلص الى : ان العصمة كالمعجزة صفة اصيلة ، وضرورة من ضرورات صدق رسالة وحكمة ، من أرسل الرسل عليهم السلام . فهم معصومون عن الكبائر قبل بعثتهم وبعدها . وفي مناطق وميادين التبليغ عن الله سبحانه ، عصمتهم مطلقة . أما في ما عدا ذلك ، فقد كانت عصمة مقيدة لا مطلقة .  قبل النبوة ، كانت عصمة من الشرك والكفر والذنوب الشائنة . أما بعد البعث ، فقد كانوا بما فيهم خاتم الانبياء والمرسلين ، قد وقعوا بغير قصد ، في بعض الصغائرغير المشينة ، في بعض ما اجتهدوا فيه ، مما لم يكن قد نزل بها وحي يبين حكمها حين ذاك . فكانوا ما أن يخطئوا . سرعان ما كان الله سبحانه  لا يقرهم الله عليها ويعاتبهم بها .  فيسارعون الى الندم والتوبة وطلب المغفرة . ويصوبون إجتهاداتهم وفق ما ينزل به الوحي مصححا وهاديا . فيغفر لهم . وبهذا عصم الله الشرع من الخطأ ، فيما اجتهد فيه الانبياء مما لم يسبق فيه وحي . وذلك حتى لا يقتدي او يتأسى الناس بهذه الاجتهادات المخالفه .
فعصمة المُبَلَّغِ من السقوط في القبيح من الذنوب والأخطاء ، هي الشرط لعصمة البلاغ . والشرط لنفي العبث وثبوت الحكمة ، لمن اصطفى الرسل والانبياء ، وبعثهم وأوحى اليهم .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة