قراءة في صفحة من صفحات الانقسام الفلسطيني الفلسطيني – بقلم : تميم منصور

دراسات ….
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة …
الشعب الفلسطيني مدعوماً من قوى عالمية ترفض الظلم وتنادي بحرية الشعوب ، ينبشون هذه الأيام جمار النكبة من جديد ، هذه الجمار لا تزال مشتعلة تحت رماد مأساة الشعب الفلسطيني ، لهيبها لم يتوقف طوال 70 عاماً .
الاحتلال وحده ليس الوقود الذي يشعل هذه الجمار ، فهناك معارك أخرى يخوضها الفلسطينيون ، وهناك صدمات وارتجاجات كثيرة متتالية ، تحول دون عودته الى انتصابه وتوازنه ، كلما حاول الوقوف يعود للسقوط .
نعم المعركة الرئيسية والأولى مع الاحتلال ، وقد أدمن المواطنون الفلسطينيون على ممارسة هذا الاحتلال ، لكن هناك معركة لا تقل خطورة عن معارك مواجهة الاحتلال ، هذه المعركة ليست مع عدوه الذي يصادر حريته ، بل معركة مع نفسه بسبب تواصل الانقسامات ، انها نزيف متواصل في شرايين قدرات وطاقات كل فلسطيني .
هناك من يعزي نفسه بالتسليم بأن الانقسام داخل صفوف الشعب الفلسطيني ، ما هو الا قدراً من أقدار حياة الشعب الفلسطيني ، لم تمض فترة أو مرحلة من تاريخه الحديث دون معاناته من هذا الانقسام المخجل .
لقد أفشل الانقسام ولا زال الكثير من المعارك التي خاضها هذا الشعب والامثلة كثيرة.
كان لتبعات هذا الانقسام دوراً بارزاً في افشال الثورة الكبرى التي امتدت بين سنتي 1936- 1939 ، فقد حققت هذه الثورة في البداية إنجازات هامة ، ففي الميدان كانت سيطرة الثوار على العديد من المدن الفلسطينية شبه كاملة ، كما سيطروا على مساحات واسعة من الأرياف الفلسطينية ، هذه الانتصارات أدت الى هروب آلاف اليهود من فلسطين ، كما انها أوقفت الهجرة ومنعت تدفقها ، كما كان عليه الأمر قبل نشوب الثورة ، كان الثوار يحرسون شواطئ فلسطين لمنع تسلل المهاجرين الى المدن الساحلية عبر البحر .
لكن الانقسامات الحادة بين قيادة الثورة السياسية والعسكرية أدت الى انهاك الثورة ، خاصة بين معسكر المفتي وبين معسكر المعارضة الذي قاده حزب الدفاع ورديفه من عائلة النشاشيبي .
تجسد هذا الفشل عندما عادت القيادة الفلسطينية وأبدت ثقتها مرة أخرى بالملوك والزعماء العرب ، مثل الملك فاروق ملك مصر ، والأمير عبد الله في شرق الأردن ، وعبد العزيز في السعودية ، والوصي على عرش العراق عميل بريطانيا المعروف عبد الإله .
لقد وقعت القيادة الفلسطينية في حينه من جديد في شرك وخداع بريطانيا ، كانت بريطانيا تسعى وتبذل كل جهدها ، لوقف الثورة في فلسطين ، لأنها كانت تدرك ان حرباً كونية قريبة الوقوع ، لذلك أبدت سخاءها في إيجاد حل في فلسطين ، حيث أصدرت من جديد ما عرف بالكتاب الأبيض الثالث عام 1939 ، وأبدت استعدادها ضمن هذا الكتاب الغاء وعد بلفور ، واستعدادها لإقامة دولة واحدة في فلسطين ، كما حددت هجرة اليهود ب 75 الف مهاجر خلال الخمس سنوات القادمة ، بعدها تكون الهجرة منوطة بموافقة العرب .
استجاب الفلسطينيون لخدعة بريطانيا ، فتوقفت الثورة ، وتشتت الثوار ، وعاد المتطوعون الذين قدموا من الأقطار العربية الى بلادهم ، لم يبق فصيلاً فلسطينياً واحداً مسلحاً ، في حين حافظت الوكالة اليهودية وبقية القوى السياسية على التنظيمات اليهودية المسلحة ، ومن أهمها كانت الهاغاناه والإتسل .
لم تمنع خديعة بريطانيا من خلال كتابها الأبيض الثالث ، استمرار حالات الانقسام داخل صفوف الفلسطينيين ، والمؤسف ان هذا الانقسام طال التنظيم الشبه عسكري الأول الذي أقامه  الفلسطينيون لأول مرة بشكل أساسي ومدروس  في نهاية الحرب العالمية الثانية ،  فقد تقرر إقامة تنظيم شبه عسكري يحاكي التنظيم المشابه له في لبنان ، وعُرف باسم النجادة اللبنانية ، قرر الفلسطينيون نقل هذه الظاهرة تحت غطاء الفرق الرياضية حتى لا تعارض سلطات الانتداب اقامته .
كان الهدف الرئيسي من إقامة التنظيم النجادة توحيد صفوف عرب فلسطين والنهوض بهم وطنياً ، قومياً وثقافياً ، كما سعى هذا التنظيم الى تحرير الشباب من سجون التعصب العائلي والقبلي والطائفي ، والتركيز على الاجماع الوطني ، والانضباط والتدريب العسكري على أسس علمية ، أما الشعار الذي نادت به النجادة في فلسطين ” بلاد العرب للعرب ” و ” تحيا فلسطين ” .
رحب الآلاف من القيادات الشبابية بهذا المشروع الجديد الهام ، فسارعوا للالتحاق بصفوفه ، وقد انتشرت فروع فرق النجادة في غالبية المدن والقرى الفلسطينية ، أقيمت فروع رئيسية في كل من يافا ، حيفا ، غزة ، القدس ، عكا ، صفد ونابلس وغيرها ، أما في القرى فكانت قرية ” سَلمه ” الواقعة شرقي يافا أول من افتتح فرع للنجادة فيها .
أقيمت العروض الكبيرة لفصائل النجادة بالزي العسكري ، ثم تم تدريب المئات على الفنون العسكرية ، وعلى استخدام السلاح ، ومن بين القادة الذين التحقوا بهذا التنظيم في سن مبكرة صلاح خلف ” أبو اياد ” أحد قادة حركة فتح ، فقد ذكر في كتابه ” فلسطيني بلا هوية ” لقد وعيت النزاع العربي الصهيوني قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية ، وأنا ذاهب ذات يوم لزيارة أقارب لي في بلدة العميل ، الواقعة في منطقة تل أبيب ، شاهدت الى جانب الطريق شباناً من اليهود يتدربون على السلاح والفنون الحربية ، تساءل صلاح خلف بعد أن شاهد ورأى ما رآه : لماذا يستعد هؤلاء اليهود للحرب ؟؟ ومن تراهم سيحاربون ؟
لقد وجد الجواب كما يقول عند أحد اساتذته ، الذي قال له : هؤلاء يا أبني ينتمون الى منظمة الهاغاناة ، وهي جيش تابع للوكالة اليهودية ، أما عن علاقة صلاح خلف أبو اياد مع النجادة ، فيذكر في كتابه ( ولدت منظمة النجادة حديثاً ، قيل لنا أنها سوف تحارب الهاغاناه وكان يقودها محمد نمر الهواري ، وكان مدير مدرستي رشاد الدباغ ، أحد أعضائها المؤسسين ، فشجعني على الانضمام لقسم الفتيان فيها ، إضافة الى صلاح خلف ، انضم الى قسم الفتيان كثيرون من بينهم شفيق الحوت ومحمد أبو لغد .
في الفترة الواقعة ما بين نهاية سنة 1944 حتى سنة 1947 ، قدر عدد المنتسبين للنجادة حوالي خمسة آلاف نجاد ، كان من المفروض ان يأخذوا دورهم النضالي في مقاومة العصابات الصهيونية ، لولا الدسائس وعودة مرض الانقسام والخلافات ، لقد طلب المفتي من قيادة هذا التنظيم اعلان الولاء له ، استجابت قيادة النجادة لهذا الطلب وأعلنت ولاءها للمفتي ، لكن جمال الحسيني رئيس الحزب العربي التابع للمفتي ، لم يكتف بهذا الإعلان ، بل طلب من قيادة النجادة الإعلان بأن هذا التنظيم ينتمي الى الحزب العربي ، نكاية بحزب الدفاع الذي تديره عائلة النشاشيبي .
رفضت قيادة النجاة طلب الحسيني ، وأعلنت بأن هذا التنظيم ليس حزبياً ، فكانت بداية النهاية لهذا التنظيم دون ان يطلق طلقة واحدة لمنع وقوع النكبة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة