كيف ضاعت صفد ؟ بقلم : فؤاد عبد النور – برلين

دراسات ….
بقلم : فؤاد عبد النور – برلين
قد لا تكون صفد من أقدم مدن فلسطين التاريخية, ولكنها بالتأكيد أكبرها. تطل على بحيرة طبريا, ومرج بيسان, وإلى الغرب منها إلى جبل الجرمق. تقع على الطريق الرئيس الذي يربط فلسطين بدمشق, وكانت فيها محطة بريدٍ رئيسة. تبعد عن الحدود اللبنانية مسافة 29 كلم.
ورد ذكرها في النقوش المصرية.
احتلها الصليبيون سنة 1140, وبنوا فيها قلعتهم الشهيرة وأصبح لصفد كبير شأنٍ عندما استعادها صلاح الدين, وقوّى حصنها, ولكن الصالح إسماعيل,  صاحب دمشق  تنازل عنها للصليبيين كعربون صداقةٍ  وتحالف ضد الصالح أيوب  في مصر, والناصر داوود في الأردن. استردها الظاهر بيبرس المملوكي ودمرها.
أما في تاريخها الحديث, فقد ضاعت بقلة التدبير والخيانة!
كل الكتب والمقالات والشواهد تشير إلى أنه كان بالإمكان الدفاع عنها بشكل أفضل. سقوطها أكد سقوط الجليل كله. لاحظ ” أكرم الحوراني ” عندما قدم متطوعاً لنجدة الفلسطينيين, ان طبيعة المنطقة الجغرافية لا تسمح باحتلالها, لو كانت هناك مقاومة منظمة, ومن الممكن لو لم يُسلّم الفلسطينيون أمورهم لغيرهم, رغم كل الإمدادات التي حصل عليها الصهاينة من الخارج.
ورد على لسان ” جادو عز الدين”, وهو ضابط سوري متطوع, ورد على لسانه ونشره ملحق ” فلسطين”  للسفير اللبنانية, العدد 30 \ 4 \ 2012 بعض الشرح لسقوط صفد:
” كانت القوة المكلفة بالدفاع عن المدينة تتألف من سرية متطوعين أردنيين بقيادة الرئيس ( النقيب ) ساري فينيش من الجيش الأردني, يساعده الضابط إميل جميعان, وهو أردني كذلك, وسرية متطوعين سوريين من فوج المقدم أديب الشيشكلي, وكانت قد دخلت مدينة صفد لتعزيز الدفاع عنها منذ الأيام الأولى لدخول جيش الإنقاذ لفلسطين. وكان يقود هاتين الفصيلتين الملازم هشام العظم, وحوالي 30 مسلحاً بقيادة صبحي الخضرا, يفتقدون للتنظيم والتدريب والانضباط.
” كانت حامية صفد كلها تحت إمرة  ساري فينيش, ولم يكن هذا الضابط حسبما تبين من الأحداث, أهلاً لمثل هذه القيادة, أو قادراً على تحمل مسؤولياتها, أو حتى التحسس بها. كان الضابطان الأردنيان موضع شكوى مستمرةٍ  لتقاعسهما, واستهتارهما, وتغيبهما المستمر عن مركزهما القيادي, وتركهم المدينة أحيانا خلال الاشتباكات.
” ….خلال الساعة الثانية عشرة ليلا بدأ العدو بقصف مواقعنا بالهاون وراجمات الألغام التي استخدمت لأول مرة في تلك الليلة. واتضح بعد انتهاء القتال أنه كان لها تأثير سيء على معنويات المدافعين. .. وحوالي الثانية والنصف صباحاً جاءني مراسل المقدم أديب الشيشكلي يستدعيني.. وكان بغاية التأثر والألم, يحاول جهده أن يتمالك نفسه, فأعلمنا أن مدينة صفد قد سقطت بيد العدو.
” سَرت أقوال أن الملازم إميل جميعان قد ذهب إلى بيروت, وعاد بنفس اليوم, ومعه برقية من جهة ٍأردنيةٍ ( لم تـُحدد ) فيها التعليمات  التي تصرّف الرئيس فينيش بموجبها.
” والجدير بالذكر أنه قد تم إلقاء القبض على الرئيس ساري  فينيش فور وصوله دمشق, وأودع سجن المزة  ليقدم للمحاكمة, باعتباره المسؤول عن هزيمة صفد وسقوطها. إلا أنه لم يبق في السجن طويلاً. ولم يقدم للمحاكمة!! ”
أما موقع ” هوية ”  فقد ذكر أموراً تفسر أسباب تصرف فينيش:
” في 10 ايار سقطت مدينة صفد. وقد أمر بالانسحاب منها رئيس اللجنة العسكرية, والمسؤول عن جيش الإنقاذ. وقد وجه أمره إلى المقدم أديب الشيشكلي, قائد المنطقة الشمالية, بحضور رئيس بلدية صفد ” زكي قدورة “. وهذا بدوره أعطى الأمر إلى ساري فينيش المسؤول عن الحامية, بعد أن انسحبت القطاعات الأردنية من المعركة. وذلك بعد أن انتشر خبرٌ أن الحاج أمين الحسيني جاء من مصر, ونزل”  بتبنين والمالكية “, ويقصد دخول فلسطين من تلك الناحية,  ليشكل فيها حكومةً عربيةً  فلسطينية.
وقال اسماعيل صفوت, الضابط العراقي بصراحة: ستضيع بلادكم بين المفتي وعبد الله ! وبعد سقوط صفد استقال, وعاد للعراق “.
وبعد نشر مقالة جادو عز الدين في السفير, علق الكاتب العسكري محمد هشام العظم, المشارك لجادو عز الدين في القوة السورية, في مقالةٍ منشورةٍ  في مجلة ” شؤون فلسطينية ”  عدد 33, أيار 1974, جاء فيها تفاصيل أوسع لما حدث في الجبهة آنذاك. وقد أيد جادو في الانتقادات التي وجهت للقيادة الأردنية,  وزاد عليها بالحرف الواحد:
” كان تصرف قائد المعركة قبل المعركة أشبه بتصرف الحاكم العرفي. لم تكن المهمة الرئيسية- الدفاع – تستأثر باهتمامه,  بل كان يستعمل الجنود الأردنيين كرجال شرطة ٍ للقبض على هذا أو لضرب ذاك.  لم نكن نعرف سبباً لذلك,  واستمرت هذه المعاملة السيئة, وكانت ترافــقها حالات التذمر والتقاعس من الخدمة,  والمرابطة في مواقع الدفاع,  حتى ضج الأهلون وظنوا أنهم أمام قوة احتلالٍ, وحاكمٍ محتلٍ, لا أمام قوة نجدةٍ عربيةٍ  قادمة للدفاع عنهم, ومساعدتهم, مما ولد في نفوسهم انعكاسات سيئة على روح القتال, وضرورة المواظبة على الدفاع,  حتى إن هذه المعاملة السيئة أحدثت في نفوسهم انقساماً خطيراً والمعركة على أشدها ”
أما رشيد الحاج إبراهيم, المتابع بشكلٍ وثيقٍ المعارك في فلسطين, وسقوط المدن والقرى بشكلٍ متسارعٍ  فيكتب:
” .. تحولت معركة صفد الجبارة تحولاً لم يكن في حسبان أحد. حتى اليهود أنفسهم أذهلهم هذا التحول المفاجئ, وظل الناس على اختلاف مللهم ونحلهم في حالة ذهولٍ لا توصف ولا تقدر. إذ بينما كانت المناوشات قائمة, وكان كل فريقٍ متحصناً في مواقعه, وفي ظلام الأحد التاسع من أيار الدامس, جرى انسحاب حامية صفد من المراكز الأمامية ثم من المدينة بأسرها, وتبع ذلك انسحاب الحرس المحلي, ثم الأهلين جميعا. كان هناك هجوم عادي على ثلاث مراكز  فقط هي بناية الحاج  فؤاد الخولي والقلعة ومركز البوليس. لم يعلم ساعة إعلان الانسحاب أن الهجوم على المراكز الثلاثة المذكورة قد تطلب تدخل قوات من غير المسؤولين عن حمايته , كما لم تطلب قوات هذه المراكز الثلاثة التي كانت عرضة للهجوم نجدة,  كما لم يعلم أن حاميات هذه المراكز الثلاثة كانت مرغمة على الانسحاب أو التسليم.  ومن الإنصاف أن نُسجل أن ساري الفينيش غادر صفد يوم الأحد 9 أيار, الساعة الثالثة بعد الظهر, وأن الانسحاب بدأ بعد الساعة الثانية من منتصف ليلة الاثنين  10 \ 5 \ 1948. وأن إميل الجميعان قد غادر مقر القيادة قبيل منتصف ليل الاثنين لجهة مجهولة, وأن السرية الأردنية هي التي بدأت الانسحاب, في حين كانت السرايا السورية تستعد للانسحاب بعد الساعة الثانية والنصف, وأنه لم يكن في مقر القيادة من يبث الأخبار أو ينفيها, وكان الجنود فعلاً في حالة انسحاب, لذلك هرع الأهلون للرحيل, ليلٌ دامس غزير المطر, وطريق وعر تعجز عن السير فيها الماشية,  عشرة آلاف نسمة فيهم المريض والشيخ والطفل كلهم في دقيقة واحدة انهالوا من جهة الغرب إلى وادي الطواحين وعين التينة وخلّفوا وراءهم بلدهم الجميل ووطنهم الحبيب, كما خلفوا أموالهم وأثاثهم وأملاكهم, وهكذا سُلمت صفد تسليماً كان أسبابه التسابق على الغنائم التي لم نظفر بها بعد, ولولا السياسات العليا لاستطاع الصفديون أن يحموا مدينتهم وأن يدافعوا عنها أشهراً  أخرى. ” ص. 127.
——————
أيد ” ميشيل بالومو,”  الضابط في فريق الأمم المتحدة, ما تردد عن الضابطين الأردنيين, وتقاعسهما, أو لنقل لتآمرهما, وتآمر من شجعهما للتطوع , لغايةً في نفس يعقوب ! كتب:
” الخطوة التالية ( بعد عين الزيتونة ) كانت احتلال صفد.  كان يبدو للجميع أنها مهمةٌ جدّ صعبة. إذ كان عدد السكان العرب في صفد 9500 نسمة, وعدد اليهود 2400 نسمة, معظمهم – اليهود – كانوا من المتدينين, الذين لم يكونوا متحمسين للأهداف الصهيونية. والكثيرون بينهم لم يكونوا يؤمنون, أو لا يريدون حمل السلاح لإقامة دولةٍ.
” أما البريطانيون فقد حابوا هنا العرب, مثلما سبق أن حابوا اليهود  في طبريا وحيفا. وكما قال فوزي  قدورة,  العضو في القوة العربية المحاربة في صفد: ما أن انسحب البريطانيون حتى احتللنا المواقع الاستراتيجية في المدينة. وهذه شملت حصن البوليس ( تيجرت ), مقر الحكومة, والقلعة التي كان العرب يستطيعون التحكم في المدينة كلها منها. وحسب رأي قدورة : كان التفاؤل عامًا بين الغالبية. كنا نؤمن أننا سنهزم اليهود بالعصي والحجارة .
” ولكن سرعان ما أدرك المدافعون العرب أن المسالة لم تكن هكذا, خاصة بعد أن احتلت القرى المحيطة بصفد, وأهمها عين الزيتونة.
” وكتب الصحفي المتعاطف مع الصهيونية,” أرثر كوئِستلر “: رأيت الكثير من الأسرى العرب. كانوا مقتنعين أن اليهود يمتلكون سلاحاً سرياً  يجعل النار تنفجر من تحت الأرض فتسقط البيوت دون سببٍ ظاهر.”
” وقد ساهم في رعب الفلسطينيين مسلك المتطوعين ال 750 الذين كانوا يشكلون معظم القوة العربية المحاربة في صفد. وتلقى الضابط الأردني سري فينيش, قائد المتطوعين الأردنيين , تلقى أمراً من الملك عبد الله بترك صفد. كان الملك يفضل أن تقع صفد في يد اليهود, من أن تقع في يد منافسه الحاج أمين. أراد أن يفشل مسعى الحاج أمين للإعلان عن  حكومة فلسطينية في صفد. والكثير من القادة الآخرين, مثل أديب الشيشكلي, لم يكونوا في صفد ساعة الهجوم عليها! بالإضافة إلى ذلك انتشرت إشاعات أن جيش الإنقاذ قد انسحب,  فأخذ السكان يهربون من المدينة في رعبٍ شديد. كان الجميع  يخشون من ارتكاب مجازر أخرى في حقهم. وحسب  رأي” كوئِستلر” لم يحدث ذلك, ولكن الأسرى تلقوا عذاباً لا يوصف.
وكشفت صحيفة ” كوتيرت راشيت ”  أن المحقق مع الأسرى رفض أن تُخرج جثث من كان يموت تحت التعذيب, لإخافة من يأتي دوره للاستجواب. وكتبت ” ناتيفان  بن يهودا ” بإخلاصٍ عن هذا التعذيب الذي حل بأسرى صفد. وأعطت وصفاً تقشعر له الأبدان. وأن التحقيق كان ينصبّ على الرغبة في معرفة  قائد الدفاع عن صفد. وكان المحقق اليهودي يردد لكل من هم حوله من المساعدين والجنود: كيف تظنون أننا سننجح في إقامة دولتنا إذا  لم نستخدم هذه الأساليب, و كانت قلوبنا ضعيفة؟! وكتبت عن دخول الأسير العاشر للتحقيق, وكيف أخذ يقهقه في هستيريةٍ, وأسرع إلى الجثث, وقلبها ليكشف الوجه لأحدها, وقال هاك هو .. لقد مات!
نأتي الآن إلى الدكتور مصطفى العباسي.  كنت قد قابلت د. عباسي قبل أكثر من 25 سنة, عندما كنت أزور مجلس محلي الجش,  وكان يعمل آنذاك مركز معارف في المجلس. وقد أسرني بدماثته, وتشجيعه  وإجاباته المُرحبة لكل تساؤل مني.  وقد سرني أنه  قد أصدر كتاباً  ” صفد في عهد الانتداب “. ولكن قبل أن استمر في الكتابة عنه, أرغب في نقل رأي  مؤرخ آخر به.   وهو أديبٌ  لم أقابله بالمرة,  ولكني نقلت عنه في أكثر من موقع.  رأي الشيخ الكاتب نمر نمر, الدرزي من قرية حرفيش:
” يذكر د. عباسي عن 88 قرية ومضرب عشيرةٍ  في قضاء صفد لم يبق منها سوى خمسة: طوبا, الريحانية, عكبرة, الجش, وحرفيش!
” كمؤرخ جاد, ورغم انتمائه الوطني الإقليمي واللوائي بهذا القضاء ( الدكتور من مواليد صفد, وإليها تنتسب عائلته ) , رغم هذا كله ظل المؤلف حيادياً, جاداً, منطقياً, عقلانياً, بعيداً عن الانجرار وراء العواطف, والميول, والنزعات الشخصية, يصور لنا المدينة, وقضاءها تصويراً واضح المعالم, بالأبيض والأسود,  بعيداً عن الرتوش المنبوذة, والديكور, وتزيين الصورة,  وطمس المعالم لهذا الوطن الذبيح من الوريد إلى الوريد.”
اهتم الدكتور عباسي في كتابه بتحليل العلاقات الاجتماعية بين العرب واليهود, وأكد أن التعايش بينهما كان ممكنًا جداً,  لولا العدوانية الصهيونية في شراء الأراضي حول صفد, واتجاه الطرفين لحسم المعركة بعد صدور قرار التقسيم.
وشرح د. عباسي كيف تسممت العلاقات بين الطرفين. فمن الجانب الفلسطيني كان هناك ”  تحريضٌ دينيٌّ أرعن,  واستغلالٌ  لتطرف الشباب العرب, ودفعهم نحو أساليب عنيفةٍ  مثل تنظيم ” الكف الأخضر “, و” جمعية الشباب العرب ” وغيرهما.
يتناول الكتاب هجرة 12 الفٍ من  السكان  العرب, وقد تمت على ثلاث مراحل:
1 – بعد انسحاب البريطانيين.
2 – بعد احتلال قرية عين الزيتون المجاورة, وتدميرها بالكامل.
3 –قصف الأحياء العربية بقنابل الهاون, وملاحقة اللاجئين الهاربين بين الحقول حول صفد بالطائرات, لدفعهم لتكملة النزوح إلى لبنان.  هذا وقد أيد الأقوال التي ترددت عن ساري فينيش,  الذي اهتم بنشر بيانٍ  للأهالي في صفد, وجاء فيه:
” بيان هام من مكتب قيادة لواء  صفد, بتاريخ 25 \ 4 \ 48.
” أعلن للجميع أن منطقة صفد اعتباراً من الساعة السادسة من صباح 24 \ 4 \ 48 أصبحت تطبق فيها الأحكام العرفية, وبموجب هذا الإعلان لا يجوز التلكؤ مطلقاً في إطاعة الأوامر, وكل من يتهرب من إطاعة الأوامر سوف يعرض نفسه للقتل, وكل من يرحل عن المدينة يُــعرض نفسه للقتل, وتـُصادر أمواله, ويُــــنسف بيته!”
وينشر الكاتب الدكتور وثيقةً نادرةً  في الصفحة 290, سجّـل بها موظفٌ لاسلكيٌّ مكالمةً  هاتفية  أخيرة  بين أحد القادة العرب ومعاون الشيشكلي:
” انسحب جنودنا من الخط الأمامي للقلعة, والآن مرابطون في الخط الثاني. مدفعيتكم لم تقصف للآن بشدة. مدافعهم تقصف. حرائق بالقلعة….
” الجنود تركوا القلعة. لم تصل النجدات. كثير من المجاهدين هربوا. …
” لم يبق أحدٌ من الجنود. أغلبهم هربوا. الأحسن أن تأمروا بالانسحاب….
-هل أقول لأديب الشيشكلي أن اليهود احتلوا ؟
-نعم احتلوا الجميع. ومركز البوليس أيضاً.
-هل الرئيس ساري موجود؟
-الرئيس ساري غير موجود!! ”
—————–
كتب جاك جوزيف أورسي في موقع ” خارج السرب. كوم ” السوري أن الجيش السوري أُرسل إلى فلسطين بذخيرةٍ  متواضعة,  وأسلحةٍ قديمة,  بعضها فاسد. بالإضافة إلى ذلك كان إمداد الجيش ضعيفاً غير منتظم, حيث كان الجنود يقضون أحيانا عدة أيام دون طعام. وكانت قضية  فؤاد مردم  الذي أُرسل من قبل الحكومة السورية لاستلام شحنة الأسلحة التشيكية لا تزال ماثلة  في الأذهان. وقد ألقي القبض عليه, وحوكم بتهمة الخيانة العظمى. وكانت التهم الموجهة إليه أن فتاةً تشيكيةً , يهوديةً الديانة, تعمل لصالح الموساد قامت بإغوائه وإقناعه بتحويل الأسلحة إلى الصهاينة. واتهم كذلك بتحقيق ربحٍ غير مشروع من صفقة الأسلحة, واستئجار السفن, لذلك حكم عليه بالإعدام.  هذا غير فضيحة السمن الفاسد التي اتهم بها ضباط كبار في الجيش مما جعل الزعيم حسني الزعيم يسرع بانقلابه لمنع التحقيق  في فضائحه! ”
———————-
لدي بعض الأخبار المتفرقة عن صفد, وبعض الأشعار.  أغلب ما أقرأه في المواقع المختلفة عن صفد هو بكاءٌ على الأطلال, وسردٌ لمعاناة المواطنين الذين بقوا في الوطن, أو هُجّروا. تطرف المتدينين اليهود, وهم الغالبية الآن بين سكان صفد اليهود, هذا التطرف ازداد. كثرت الاعتداءات على الطلاب العرب الذين يضطرون للدراسة في صفد, وتُحرق سياراتهم الخاصة, أو تخرّب. وتجري محاولات كثيرةً لإفساد استئجارهم لغرفٍ  يبيتون فيها أثناء دراستهم الجامعية.
ولكن هذا لا يشمل الطلاب والطالبات الدروز, الذين نجح المسؤولون عنهم في الحصول على معاملةٍ خاصةٍ للطبيبات والطالبات بحيث لا يضطررن للمبيت في صفد, بل يرجعن إلى قراهن في الليل ليــبتن فيها.
والدليل على هذا ورد في مقال لرشا حلوة,  نشر في ملحق” فلسطين ” لصحيفة السفير :
” معظم الطلاب والطالبات في كلية صفد هم من القرى العربية المحيطة,  ومن المدن المختلطة, ومن الجولان. 68% من الطلاب في الكلية عرب, 1300 طالب وطالبة. ”
طُردت الطالبة خلود أبو أحمد من البيت الذي استأجرته لأنها عربيةٌ. ولكنها مصرةٌ على البقاء في صفد تحدياً. وتقول: ” إنه نضالٌ من نوعٍ آخر.  إننا دائما نتعرض إلى مضايقات لنا  كفلسطينيين في الداخل. نضالنا أن نبقى هنا. وجودنا بحد ذاته نضالٌ. صفد مدينةٌ جميلة. حين أمشي في شوارعها أرى كل ما فيها عربي وفلسطيني. من يسكنها هم الغرباء عنها تماما!”
أما سالم جبران فيعبر عن ذلك بالشعر الجميل الرقيق:
غريبٌ أنا يا صفد
وأنت غريبة
تقول البيوت هلا!
ويأمرني سكانها- ابتعد!
علام تجوب الشوارع
يا عربي.. علاما؟
إذا ما طرحت السلام
فلا من يرد السلام
لقد كان أهلك يوما ما هنا
وراحوا
فلم يبق منهم أحد
على شفتي شبه جنازة ” صبح ”
وفي مقلتيّ
مرارة  ذل الأسد
فوداعاً
وداعاً يا صفد!
——————
نموذج من مسيرة اللجوء:
تحدثت أم فؤاد قرباش إلى موقع ” العودة ” , وهي من مواليد صفد 1926:
” كانت مسيرة اللجوء مسيرة صعبة. عانينا الكثير الكثير. منذ اللحظة الأولى التي خرجنا فيها من صفد تجرعنا مرارة النكبة, ومرارة التشرد, بعد ما كنا في بلادنا معززين مكرمين. خرجنا من فلسطين مشياً على الأقدام, وكان عندي أربعة أولاد, أصغرهم لم يتجاوز عمره الشهر, حتى وصلنا بنت جبيل. أخذونا في القطار حتى وصلنا مدينة حمص, وسكنا فيها 9 سنوات. ثم ذهبنا إلى دمشق, إلى جبل قاسيون مباشرة. وكان ذلك أواخر 56. اشترينا قطعة أرض في الجبل بِ 700 ليرة, وكانت عبارة عن مجمع للصخور والحصى. بدأنا نْظفها ونغربلها حتى استطعنا تسويتها حتي تصبح صالحةً للبناء. كنا ننزل من الجبل حتى قبر الشيخ محيي الدين بن عربي, حتى نجيب ماي لجبل الطوب. بعد سنة أنجزنا البيت.
” بعدها أجوا قرايبنا والصفدية.”
——————-
هذا وقد نشر موقع  مجلة  ” العودة ” هذه الأبيات من الشعر الشعبي, دون ذكر القائل:

” كتبت كتاب الشوق مني إليكم
يوم فراقكم يا ما بكينا
يوم فراقكم صعب عينا
ويا فرحي إذا فيكم التقينا
قلت يا فلسطين وين أهلك غدوا؟
قالوا في سوريا صاروا لاجئينا
قلت يا دار أين المنتهى؟
قالت عند ما يريد رب العالمينا
سألت الله يجمعني بكم ونبقى
في محل واحد يا ربّي ساكنينا
ونِـمحي من الخارطة يا ربي اسم لاجئينا!”
—————-
تجد الصفدية مشتتين في بقاع وأصقاع العالم, يجمعهم شيء واحد- الحنين إلى فلسطين, وإلى صفد, لا يريدون عنهما بديلاً.
نشرت ” مؤسسة القدس للثقافة والتراث ” ومركزها دمشق, مقالة عن د. محمود صبح, بعنوان: ” طائر فلسطين وغريد صفد المهاجر”. ولد الدكتور صبح في صفد سنة 36, وحصل على الدكتوراة من جامعة مدريد, ويدرس الان في نفس الجامعة.
ترجم العديد من المؤلفات من الاسبانية إلى العربية, منها رواية ” دون كيشوت لسرفانتس”, ومختارات من الشعر الإسباني المعاصر, وكتاب عن لوركا, الشاعر الإسباني المقاوم.
له قصيدةٌ جميلةٌ تعبر عن مأساتين: فقدان الأندلس, وفقدان فلسطين. جاء فيها:
” أه يا غرناطة..!
لو تعطيني الثلج,  وأوتار العمر
أبداً قلبي على ابني
وقلب ابني على حجر
آه.. ما أقسى العمر فيك!
وما أقسى البصر
فلياليّ على أعتاب بابك
وأنا الملتقّي من جنات غابك
ودمي الأحمر أجر رحابك”
وتمضي هذه القصيدة المطوّلة:
” جئت غرناطة- شامي الألم
ناصري الجرح,  لوركي النغم
جئت لأُعطيكِ دمي
أه غرناطة لو تعطيني الثلج
وأوتار القمر
أه !.. ما أقسى البصر!
آه !.. لو أنك قلبي!
أه !.. لو أني حجر! “

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة