جُوْرِيّة من كوكبٍ آخر – بقلم : ابراهيم يوسف

فن وثقافة  .,…..
بقلم ك إبراهيم يوسف – لبنان …
“يستحيلُ أن يكونَ تقديرُ الغبيّ دقيقاً
لأن الغبيّ يلجأ من حيثُ لا يدري
بتحويرِ ما يسمَعُه
إلى ما يمكن أن يفهَمَه.. ويتمسَّكَ به”
برتراند راسل
توقّفتُ حِيناً عن متابعةِ الصحيفة، ومعاينة بريدي على شاشة الحاسوب؛ بسبب عملٍ طبيّ بسيط خضعتُ له، ألزمني الانقطاع أياماً عن ممارسة القراءة والكتابة، ومواكبةِ ما يُنشرُ في الصحيفةِ من جديد. *”قد غِبْتُ عنهم ومالي بالغيابِ يدٌ .. أنا الجناحُ الذي يَلْهو بِهِ السَفَرُ – يا طَيِّبَ القَلْبِ يا قلبي تُحَمِّلُنِي .. همَّ الأحِبَّةِ إنْ غابُوا وإن حَضَرُوا”.
لكنّ إيناس الصديقة الذكيَّة الأمينة الطيِّبة، أشعرتْني “بجوريةٍ أزهرتْ” في حديقةٍ على أرض فلسطين، وحرّضتني بقولها: هذه الجورية تستحقُّ العناية والتعليق، وإيناس؛ أو شهرناس صديقة كريمة ومحبوبة؛ لا تتمنّى وحسب.. بل تأمرُ وتنهى، لا سيّما وأنّ الجورية التي أشارتْ إليها جديرة حقاً بالقراءة والتعقيب.
لستُ منحازاً ومتعصبا للنصوص الناجحة الجميلة فحسب، لكنني كَلِفٌ ومتعصبٌ وشديدُ  الإعجاب بالوَردِ يقتلُ نفسَه، ويلقي دماهُ في الوجنتين، على لسانِ “الأخطل الصغير” بشارة الخوري؛ الشاعرُ الغنائيُّ الرقيق، شاعرُ “الهوى والشباب”، وصاحبُ المفردة المختارة بدقة عالية، بل شديد الاعتزاز به لبنانياً، استحقَّ بجدارة عالية، إمارة الشعر والشعراء.
كرَّموه؛ وبايعوه؛ وتوَّجوه خليفة على الإمارة بعد شوقي، في الرابع من حزيران العام 1961، في قاعة المهرجانات الكبرى، في قصر الأونسكو في بيروت، برعاية المغفور له رئيس الجمهورية اللبنانية اللواء فؤاد شهاب، وحضور جمع غفيرٍ من رجال الفكر والسياسة والأدب في لبنان والأقطار العربية.
ومن الشعراء ممن قدموا وشاركوا يومئذٍ في المهرجان؛ صالح جودت موفداً من الجامعة العربية، وعمر أبو ريشة باسم الجمهورية العربية المتحدة بين “مصر وسوريا”، “وذكرى انفصالهما يثيرُ في النّفسِ الغصّة والعتبَ والتقصير”، وعن العراق محمد مهدي الجواهري، وأمين نخلة من لبنان؛ طيَّب الله ثرى الجميع.. ولذلك فإن بشارة الخوري لا يحتاجُ أبداً إلى دَعْمي ونصرتي وشهادتي.. أو تعصبي.
قَتَلَ الوَرْدُ  نَفْسَـهُ حَسَداً مِنْـكِ  وَألْقَـى دِمَـاهُ فِـي وَجْنَتَيْـكِ
وَالفَرَاشَـاتُ مَلَّـتِ الـزَّهرَ لَمَّا حَدَّثَتْـهَا الأنْسَامُ عَنْ شَـفَتَيْكِ
سَكِـرَ الرَّوضُ سَكْـرَةً صَرَعَتْهُ عِنْدَ مَجْرَى العَبِيـر مِنْ نَهـْدَيْكِ
بشارة الخوري لم يعشْ روعة الحياة في الدَّساكرِ والأرياف؛ بل قضى معظم حياته داخلَ أسوار العاصمة بيروت. لكنّ المدينة الصاخبة التي لا تنامُ ولا تستريحُ أو تهدأ، لم تحجبْ عبقريته أو تنلْ منها، ولم يكن بحاجة إلى العيش في الطبيعة، لتتجلى شاعريتُه في معظم قصائده الساحرة، المغناة كأبدع ما تكون القصائدُ والأغاني والتغاريد.. وأقتطفُ منها على سبيل المثال:
“جفنه علّم الغزل، والصبا والجمال، ويا ورد مين يشتريك”..؟، مما غنّاه محمد عبد الوهاب. ثم قد “أتاك يعتذر ويا عاقدَ الحاجبين”، إلى أن “يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً”.. مما غنّته السيدة فيروز، ومما غنّاه فريد الأطرش وأسمهان: “أضنيتنى بالهجر” “وعش أنت”، “واسقنيها بأبي وأمي”.. وبعد هذا وذاك ألا يحق لنا..؟ أن نفاخر العرب والعالم أجمع بالأخطل “الكبير” الشاعر الملهم، الذي عاش جماليّة المرأة والخمرة والوجود..؟ بكل ما تعنيه روعة الكلام المنصف الموزون.
والجورية التي أشارتْ إليها شهربان وأشعرتْني بها العزيزة شهرناس، لازمتْ وواكبتْ كثيراً من شعر بشارة الخوري، فتفتّحتْ وتضوّعتْ في أرض الحديقة؛ وردة من صنفٍ مختلف. حملها “الأميرُ الصغير” من غياهبِ الكون، ونقلها على متن المركبة التي حطّ بها على كوكب الأرض، ووزّع بذورها في بلادِ فارسَ والشّام، وفي القدس ونابلس، والناصرة والخليل، وسائرِ الأرض المقدسة في فلسطين.
لقَّحتِ البذورُ نفسَها بنفسِها في عملية استنساخٍ نباتيٍّ حديث، لتتكيّف وتتأقلمَ مع التُّربة والمحيطِ الأرضيِّ الجديد، وصاحبة الهايكو كانت محظوظة، حينما حصلتْ على بذرةٍ من البذور المؤصلة، التي وزّعها “الأميرُ الصغير”على أهلِ الأرض في فلسطين.
فغرستْها في الحديقة بجوار منزلها، واعتنتْ بها وداومتْ على ريِّها، وانتظارِ ما تسفرُ عنه هيأة الوردة بعد عملية التهجين..؟ حتى تفتّحتْ عن وردة زكيّة الرائحة بديعةِ اللون، يترددُ سحرُها وعطرها من بعيد.. لكنها تسلَّحَتْ بأشواكٍ حادة وقاسية كالمسامير.
عندما كانتِ النبتة الجديدة على كوكبِ الأمير الصغير..؟ كانت وردة متواضعة شديدة البساطة، ذات صفّ واحدٍ من البتلات والأوراقِ القليلة، تتمايلُ وتتغنجُ تحت تأثيرِ النّدى والرّيح، يكفيها القليلُ من أشعة الشمس الخجولة على كوكبها القديم، لتورقَ وتزهرَ؛ وفي أمانٍ تعيشْ، وكان خصرُها خالياً تماماً من الأشواك، فلم تكن تتميّزُ عن سواها من الزّهرِ وأصنافِ الورود.
هكذا عاشتْ في موطنِها الأول منذ بدايةِ الخلق، تشغلُ حيِّزاً ضيِّقا على كوكبِ الأميرِ الصغير؛ دون أن تزعجَ أحداً في الوجود، وهذا ما دأبتْ عليه الأزهار والنباتات الرقيقة الأخرى، تتألقُ في الصباح بين الحشائش والمروج، لتتكورَ على نفسها فتضمحلُّ وتتلاشى عند الغروب. بعضها يعيشُ يوماً وليلة، ويحيا متفائلاً وسعيداً خلالَ هذا العمر القصير.
أنهيتُ كتابة الفقرة السابقة يا صديقتي، وتناهى إلى سمعي؛ وأبصرتُ بعيني على إحدى قنوات التلفزة؛ مجزرتيّ أحد الشعانين في مصر، ورأيتُ أشلاءَ الضّحايا تعانقُ الثرى، وتَسْبحُ في نهر من دماءِ الناس الأبرياء المسالمين: “يـا نفسُ، دنيـاكِ تُخْـفي كـلَّ مُبكيـةٍ … وإِن بــدا لـكِ منهـا حُسـنُ مُبتسَـمِ”..؟
هذا الإرثُ الحضاريُّ المجيد وهذه الأرض الطيبة؛ التي اجتاحَها الإرهابُ من جديد، فلم يكدْ يمضِي يومٌ وليلة على تفجيريّ “طنطا والاسكندرية”؛ حتى قتلوا الله في خلقِه في “الفوعة وكفريّا”، وقتلوا بالأمس الأرمن ، واستباحوا دماء الكلدان والأزيديين والأكراد، وخلق الله في صبرا وقانا وشاتيلا؛ ومن أجل إنعاش الذاكرة فحسب؛ قتلوا دير ياسين وخان العسل وبحر البقر، وغداً لا أدري في أيِّ أرضٍ يَقتلون..؟ فعلامَ تعيشُ في دنيانا الزهور..؟ ولماذا في سمائنا تطيرُ العصافير..!؟
على الكوكب السابق يا صديقتي، حيث تَكَوَّنَ أصلُ وردتكِ، من بذرة أتت إليه من حدائقِ النّور وبديعِ الخلق العظيم، توقّفتْ قليلاً عن النمو، وقد طفِقتْ تتأهبُ لولادة زهرتها الأولى. وكان مالكُها “الأمير الصغير” يشهدُ تكوين برعمها الرائع ويتوقّعُ أن تتخمضَ عن هذه الرؤيا؛ معجزة خلقٍ.. بلا مثيل.
والوردة كانت تتمهّلُ وتطيلُ التأهُّب لكي تتفتحَ، وتظهرَ أحلى من عروسٍ تنتقي ألوانها بدقّة، وتتأنّى في ارتداءِ أثوابها المبتكرة الجديدة، وترتِّبُ أوراقها خشية أن تبرزَ للنور بثوبٍ فقير، داكنِ اللون أو رخيصِ النسيج. ما الحيلةُ وهي مدلّلة تحبُّ الثيابَ الأنيقة. وأين العجبُ أن يطولَ انتظارُها للخروج، بأبهى حللٍ يزيِّنها المرجانُ والياقوت..؟
وحينما أبصرها الأميرُ الصغير أذهله سحرُ لونِها ورائحتِها الزكيّة، وقرَّرَ أن يحملها معه إلى أهلِ الأرض، لكي لا يكون أنانياً فيستأثر بها على كوكبه، ويحرم منها سائرَ مخلوقاتِ الكون الآخرين، لعلَّ جمالها يأسرُ قلوبهم أو يعتبرون..! لكن النبتة بفعل التهجين؛ تحوّلتْ إلى وردة مليئة بالأشواك لكي تدافعَ عن نفسها، على كوكبٍ امتلأ بكل أصنافِ المظالمِ والتعذيب.. وهكذا للمرِّة الأولى برزتِ الأشواكُ على سيقانِ الورود.
وهكذا شجَّعتِ البذرة أشواكها على التكاثر، حتى تتمكنَ من الدفاع عن نفسها من الأيدي العابثة، على هذا الكوكب المضطربِ الحقير، فلا تتحول إلى مدفعٍ أو سكِّين، ولا تتحول إلى زهرةٍ سوداءَ حزناً على ما جرى في “الفوعة وكفريّا”، وعلى الأرضِ المصريِّة في أحدِ الشعانين.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة