الموروث البشري في التدين – مقاربة نقدية ( 5 ) بقلم د. سمير ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د.. سمير ايوب …
فهم النصوص ، بلا إبتداعٍ واهِمٍ أو تفريطٍ مُخِلٍّ
خلصنا في النص السابق ( رقم 4 ) من هذه المقاربة المتصلة ، الى أن : ويلات الصراع القديم الجديد المحتدم ، بين ما هو نازلٌ بالوحي من السماء ، وما هو بالعقل نابعٌ من الأرض ، أُسسه وقضاياه ، موهومةٌ وذات هوى . فهما متلازمان بلا نِديَّةٍ او ضِديَّة . وأن مُؤهلات الانسان لحمل ألأمانة والدين ، هي فطرته وعقله . وأن العقلَ بملكاته وقنواته ، بِحاجةٍ ماسة ، الى التثقيفِ والتفعيل المتصل  . فكلما إتسع أفق العقل البشري ، تطور وإرتقى فهمه للنصوص .
وخلصنا أيضا ، إلى أن المرويات عن دلالات النصوص ، ما هي إلا أفهام يقول بها ويتداولها ، أناس غير معصومين  . وأن العقل السوي ، لا يختلف مع النصوص قطعية الثبوت والدلالة . ولكن دلالات معظم النصوص ، تحتمل أكثر من وجه . فلا يكاد يوجد في الفقه مسألة ، إلا وفيها خلاف ، بإختلاف الزمان والمكان والضرورات .
فكيف نفرق بين القطعي والظني من النصوص ؟ وكيف نملأُ الفراغ فيما لا نص فيه ؟ كيف نفسر الأشياء الكلية ؟ وحتى ما نص علية بصفة تفصيلية ؟ بالمحصلة ، كيف نوظف العقل ، في خدمة النقل ، بعيدا عن فِخاخِ المُبْطِلينَ ، اوالمُغالين أوإنجراف ذوي الهوى ، دون إبتداع واهِمٍٍ او تفريط مُخِلٍّ ؟
كمدخل لا بد منه ، اقول : لا يمكن لحقيقة عقلية قاطعة ، ان تتعارض مع حقيقة شرعية ثابتة . فليس في المنقول ما يخالف المعقول . لأن الحق لا يناقض الحق أبدا . ولأن الذي خلق العقل ، هو الذي أنزل له النقل . وإذا حدث مثل هذا ، فلا بد أن الخلل ، يكمن في ان ما ظنناه دينا او شرعا ، لم تثبت دينيته أو شرعيته بطريق صحيح . أو أن ما ظنناه عقلا سويا أو علما ، لم تثبت عقليته او علميته بطريق صحيح
ومن ثم أقول : أن النصوص تنقسم ، لمن حيث الدلالة والثبوت ، الى أقسام رئيسية عدة ، منها : قطعية الثبوت والدلالة ، ظنية الثبوت والدلالة ، قطعية الثبوت ظنية الدلالة ، وظنية الثبوت قطعية الدلالة .
القرآن الكريم ، منه ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، وهي ألآيات المُحْكَمات . مثل ( قل هو الله أحد ). ولكن منه ما هو قطعي الثبوت ظني الدلالة ،  يحتمل التأويل في مواضع ظنية الدلالة . وهي من إختصاص العقل .
والسنة النبوية ، تنقسم نصوصها الى قطعية الثبوت والدلالة ، وقطعية الثبوت ظنية الدلاله . البحث والأخذ والتأويل والتفسير ، في مواضع ظنية الدلالة ، هو من عمل العقل .
وإذا وجدنا تعارضا ما ، بين النص النقلي الظني ، مع النص العلمي القطعي ، فإننا نأخذ بالنص العلمي . واذا وجدنا تعارضا بين النص النقلي الظني ، والنص العلمي الظني ، فإننا نختار أوْفَقَهُما .
إن الدلائل القطعية العقلية اذا قامت على ثبوت شئ ، ومن ثم وجدنا ادلة نقلية ، يشعر ظاهرها بخلاف ذلك ، فلا يُردُّ النص . وإنما البحث عن معنى آخر للظواهر النقلية ، غير ما يبدو منها لاول وهلة . لأن الظواهر النقلية ظنية الثبوت ، تحتمل اكثر من معنى آخر غير الظاهر .
وهناك منطقة العفو ، وهي منطقةٌ ليس فيها نصٌ تشريعي . كما قال النبي المصطفى : ( ما أحل الله من كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو . فإقبلوا من الله عافيته . فإن الله لم يكن لينسى شيئا ) . ثم تلى قوله تعالى : ( وما كان ربك نسيا ) . إذن ، كيف نملأ هذا الفراغ التشريعي ؟
بالعقل طبعا ، عن طريق القياس على المنصوص . او الأستحسان ، او المصالح المرسلة ، او عن طريق مراعاة العرف . وما قد نصل اليه في هذا الشأن ، هو في جوهره اجتهاد عقلي ، لأستنباط احكام من ادلة تفصيلية ، وفق اصول وضوابط وشروط ، تُبعِدُ العقل عن إتباع هوى ، او عن مَشْيٍ أعمى وراء ظنون .
أخلص ، الى أن الوحي من الله سبحانه . ولكن الفقه عمل العقل في فهم النص ، أو في ملأ الفراغ فيما لا نص فيه ، وحتى ما فيه نصٌ ، عندما يكون النص بطريقة كلية مثل : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة