الموروث البشري في التدين – مقاربة نقدية (3) بقلم : د . سمير ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د . سمير أيوب – الاردن …
إستهلالٌ لا بُدَّ مِنه
الله سبحانه ، مُنزهٌ باقٍ لا يَتبدلْ ولا يَتَغير . وفِطرةُ التديُّنِ عند خلقِ اللهِ من الناس ، ثابتةٌ لم تَنقطِعْ . مع أن الكثيرمن أبجدياتِ ومفرداتِ وتطبيقاتِ التديُّنِ ، قد  تَشَوَّهَتْ . تشوهت بِما إسْتوطَنَها من أغراضٍ مشبوهةٍ ومصالحَ آنيةٍ ضيقةٍ ، أو بالعجزِالمُقَصِّرِ ، او بإختزالٍ مُخِلٍّ مُعيبٍ . سَلَبَتْ وضَيَّقَتْ معانيَ التديُّنِ ومراميه . أحْبَطَت أو أضاعَت الكثيرَ من عِبادِ الله وأعمالِهم ، هباءً وسُدىً .
لِمَنْ يقولُ أن زمن الجاهليةِ ، قد ولَّى ومَضى إلى غيرِ رجعةٍ ، أقولُ تلفَّتْ حولَك . فإن فعلت بِبَصيرةٍ مُشْرَعَةٍ ، سترى في كل ما نَعيشُ ، مُتوالياتٍ من الظلامِيَّة . تتجسدُ بالتكفير الطائفيِّ والمذهبي والفِرَقِيِّ البَواح ، وبإرهابٍ يُبَرَّرُ بِحُجَجٍ واهيةٍ . إيحاءاتُه وتطبيقاته تُحاصرُنا في كل الأديان والمذاهب ، برياحٍ عاتيةٍ سريعةُ الأيقاع ، لا رؤيةٌ لها ولا مشروع . تعصفُ كالزوابع الهوجاء بِكلِّ شئٍ ، ولا تُرتِّبُ لِشئ .
جاهليةٌ مُمتدةٌ ومُتطاوِلَةٌ . تُحاصِرُ وتكادُ تُطبقُ ، على أغلب العقول إلا من رحم ربي . وتمتلك بالتوارث ثقافةً مُستبِدة . يَجْتَرُّ نُصوصَها المَوْهومَة ، مُغتصبون أو مقاولون أو مُتعهدون ، بِعَلْكٍ أسْهَلُ من مَضْغِ اللِّبانْ ، او التَّلاعب بأزرارِ الهواتفِ الجواله .
وأقولُ لِمَن يَظُن أن الجاهليةَ في إنحسارٍ : يا سيدي لو إستجابَ اللهُ سبحانه ، لدعاءِ الأئمةِ والأتباعِ ، من أصحابِ التكفيرِ والتدميرِ في كل الطوائفِ والمذاهبِ ، لأنقرضَ جميعُ أبناءِ الله سبحانه ، من كل الديانات السماوية ، وليس من المسلمين فقط . لأنهم جميعا ، بِلا كَلَلٍ وبلا مَلَلٍ ، بِلا طيبَةٍ وبِلا تسامحٍ ، خِدمَةً للمصالحِ التفصيلية التفضيلية ، لِمَرجِعِياتِهِم السياسية ، بِفجاجَةٍ يرجون الله سبحانه ويتوسلون اليه ، عبرَ مِنَصّاتٍ ووسائل وأدوات ، بِثَرْثراتٍ مَليئةٍ حَدَّ التُخْمَةِ ، لا بِدَعواتِ الهداية والأصلاح ، بل بالحِقد والكراهيةِ المُتجَوِّلَةِ والمُتَحوِّلَة ، أنْ يُهْلِكَ بعضَهُم بَعْضا .
في هذه الجاهلية المُعاصِرة ، يتعرض عُبَّادُ الله ، في كل لحظة من لحظات حياتهم  لِتحدياتٍ ، يُقارِبونَها بمواقف ذهنيةٍ متفاوتة . وبِخياراتٍ عَمَليَّةٍ متنوعة . تكشفُ كلها عن إنحيازاتٍ مُسبقةٍ دون أن يَعْلَموا . ودون أن يملك الكثيرُ مِنهم ، مساحاتٍ واسعةٍ من الأرادةِ العقلانيةِ الحرة تِجاهَها . مِما يوقِعُ الكثيرينَ في شِباكِ المتاعِب ، مع النَّفْسِ إبْتِداءً ، ومع الشركاء إتباعاً ، وعلى الأخص في تطبيقات وتبعات التدين لله ، وفي أشكالِه وسَيروراتِه وكيفياتِه وفي مسؤولياته ، في كل مدارج الحياة ومعارجها .
جُلَّ ما نُعانيه من تهويلٍ في التكفير وتبعاته ، هو وليدُ فَهْمٍ قليلٍ قاصرٍ ، لِمَواريثَ إجتماعيةٍ وثقافية ودينية ، مُهَيمِنة بالتقادُمِ المُتَداوَلْ . جُل أئمةُ مَرْجِعياتِها وتابعيها ، لم تَنْهل بإرتواءٍ ، من رأس النبع وروافِدِه . بل إبتعدوا عنها كثيرا ، وبِتعَمُّدٍ يَشي بالغَرَضِ الآنِي ، الى البِرَكِ الساكنة بما أسِنَ فيها ، من قَولِ بَشَرٍ يُصيبُ بعضُهم ، ويُخطِئ بعضهم ، ويُمَوِّهُ آخرون منهم بِمُقابِلْ . مرجعياتٌ كُثْرٌ ، وتُبَّعٌ أكثر ، ضاقَتْ عقولها وصدورها . او قصرت أفهامُها لِعيبٍ في الأدواتِ وفي المناهج وفي الفِطْنَةِ المُدْرِكَة ، او شُبْهَة الأغراض والتوظيف .
يا ناسُ الله المؤمنين برب كل الناس ، المعرفة القليلة في أي أمرٍ ، خَطَرٌ مُستَطيرٌ . وهو أشدُّ خطورةً في قضايا المَوروث ، وعلى الأخص المُكَوِّنِ الديني فيه . فنحن في مواطِنِ أمة إقرأ ، لا نُؤمِنُ بأن كُلَّ من فتح فَمَهُ تَكَلَّمْ ، ولا كل من تَكَلم بَلَّغَ . ومع هذا ، فكثرة هنا وهناك ، تبيعُ العقولَ بما حَوَتْ من أفهامٍ ، على الأرصفة المُتَّسِخَةِ ، وتبيع الأحذيةَ الفِكريَّة في محلاتٍ مُعطرةٍ مُكيفة . وكل هؤلاء هم أبناءُ وأحفادُ أولئك ، بالنَّسَبِ أو بِعُصبَة الدم أو بِرِباط المصالحِ المُتشابِكة .
يحتاجُ الأيمانُ لأكثرمن لِسانٍ وشفتين ، مَهْما تَفاصَحا . والأستخلافُ في الأرض ، يستلزم تحريرَ العقول كمُقدمةٍ لِتحرير الأفعال .عقولٌ تُبْصرُ وتتفهم ، قبل ان تنطِقَ بما لا تفهم . ويحتاج الأستخلافُ لِساقينِ قَوِيَّين ، لِتَنفيذِ تَبِعاتِ التعبد في الارض ، إعمارا وتطويرا . يُواكِبُ تطوراتِ ومَناخاتِ العقل في العالم المُعاشْ . فما يجري الآنَ هو حالةٌ غريبةٌ من إنفصامٍ وشعوذةٍ ، لن يُكتَبَ لها البقاء ، لأنها نَبْتٌ غيرَ مُناسبٍ ، غَيْرَ ذي ثَمَرْ .
من هنا ، الى أينَ في هذا الأفُقِ المَلغوم ؟
هذه وقفةٌ ايمانيةٌ مُحاجِجَةٌ ، في مُواجَهَةِ التكفيروالتدمير . عَلَّها بِضَوابِطِ الحوار الايجابي ومُقْتَضياتِه ، تُسْهِمُ في البناءِ على جُهودِ من سبقوا . وقفةٌ تَتنَصَّلُ من الصمتِ الواهِمِ ، ولا تِوِدُّ المُشاركة فيه . وقفةٌ تَخْبِطُ بقدميهاعلى أديمِ الأرض . ولا تُحلِّقُ في أحراشِ الوَهْم ، عبر مُقارباتٍ – مُراجِعَةٌ تتوالى ، مُخلصةٌ لله ، نابعةٌ من الواجب ومن العقل ومن القلب . تعملُ من أجل يومٍ ، نحتفلُ فيه بِتحررمَفاصِل حياتنا ، من عُنْفِ الجهل والتخلف الأعمى ، الذي يَذروه المُتَعصبون ، من مُتَعهدي النصوص ، في فضاءات حياتنا المُعاشة .
فالموقفُ الصامتُ ، واللعْنُ والتكفير لن يَحُلاّ أي مُشكلة ، بل يُفاقِماها . وسُيحاسَبُ القادرُ مِنّا ، أمامَ الله وناسه ونفسه ، على الصمت المُسْتَكين . فإنْ كان من يَعْمرونَ بيوت الله كَفَرِةٌ كما يقولُ التكفيريون الجُدُدْ ، فَمَنْ هُمْ إذنْ عَبيدُ الله ؟

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة