الموروث البشري في التدين – مقاربة نقدية (2) بقلم : د . سمير أيوب

فن وثقافة ….
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن ….
ضوابط وقواعد لا بد منها للحوار فيه
حقائقُ القرآن الكريم مُطلقةٌ محفوظة . لا يجوزُ فيه التكذيبُ في أي حالٍ من الأحوال . وما دون ذلك ، من موروث بشري في التدين ، غير قطعي الثبوت ، فهو حقائق تاريخيةٍ نِسبية ، يجوزُ فيها التصديقُ والتكذيب ، والأخذُ والردْ . فلا معصومية علمية لقائليها أو ناقليها أو مفسريها . ولا قُدسِيَّةٌ لبشرٍ لم يَصِلْ الى مرتبة رُسُلِ الله وأنبيائه عليهم صلوات الله وسلامه . فدينُ الله لا يُشرَّعْ من الجماعات ولا من الحكومات بل بالوحي وحده .
قبل الخوضِ فيما قد يَرِد من مُفرداتٍ خِلافيةٍ في هذه المقاربات ، أرى أن من الضروري الإشارة الى بعضِ الحقائقِ الهامة كمقدمة . حتى لا يتبرع عابرٌ ما ، مُتعجلٌ في فهمه او قاصرٌ فيه ، او ذو غرضٍ ، فيحكُمَ على كاتبها بالكفرِ وبالزندقة ( والعياذ بالله ) .
آمن الكاتب بالله سبحانه ، بعقله وبقلبه معاً . وبكل مُقتضيات وأركان الإيمان الحق . وآمن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم ، هو خاتم أنبياء الله ورُسُلِه . وأن رسالته هي آخر الرسالات السماوية . يعبد الكاتب خالقه ، كما أوضح الله في كتابه العزيز. وكما أبانه رسول الله تفصيلاً ، وعَلَّمَنا به من سُنَنٍ مؤكدة ، مُفَصِّلَةٍ لما جاء مُجْمَلاً في كتاب الله سبحانه .
ولكن ، إَيمان الكاتب بالقطع بِلا مذاهب . وليس بَيْنَهُ وبين الله أيّ وسطاء ، مُعَمَّمين أو غير مُعَمَّمين ، سِوى عَقله وقَلبه وما وَقُرَ فيه مِن تَقوى .
وعندما يصفع سمعي أوبصري ، سَقَمٌ في روايات مُتخمة بالأسرائيليات ، مما لا يُعقَل ولا يُصَدق ، يترزق بأغاليطها ألموهومةِ ، مُفسِدونَ في الأرض ، يُمَوِّهونَ بها على الناس ، ويجعلون منها أصناماً تُعبد من دون الله ، وتُشْعِلُ بالكراهيةِ والبغضاء ، حروباً غيرَ عادلةٍ بين عُبّادِ الله ، أخجلُ ساعَتَها من رب غيرَ محدود ، معبودٍ على الأصول . يحصرونه في ما يظنونه ، دِيناً لهم او مَذهباً ، او حتى في ما يُسمونَهُم شيوخَهم او أئمتهم او طُرُقَهُم او خَلْواتِهم او صوامعهم او بِيَعِهم . فأناجيهِ سبحانه : يا ربَّ كلِّ الناسِ ، أثق بأنك لست لهم وحدهم . وما لِمِثْلِ هذا خَلَقتَنا وإسْتَخْلَفْتَنا في الأرض . ولكن ، ما بالهم إذا قيل لهم : ( إتبعوا ما أنزل الله ، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا ، أوَلَوا كان أباؤهم لا يعقلون ولا يهتدون ) ( البقره 170 ) .
تُناقِشهم مُحاجِجاً ، سرعان ما تجد أكثرهم قد هاج وماج . وإتهمك بالكفر وبالتطاول وإزدراء الدين .
في كل نص من نصوص هذه المقاربات ، نداءٌ للتفاعل بالحوارالصابروالهادئ والجاد والإيجابي. وهي ليست جدلا أو مُبارزة أو مُناظرات . وليست إعجابا بفريقٍ او بمذهبٍ دون آخر . وليست دفاعا عن مذهبٍ آخَرَ مُسْتهَلَكٍ . بل هي حوارات مُحاجِجَةٌ مُشبَعَة بإخلاصٍ مُطْلق . لإستبانةِ ما نَظنه حقاً في المعتقدات الإنسانية الموروثة . وَلِنُمْسِك به ونُرَجِّحُه خِدْمة للمؤمنين . بعيداً عن تعصب المُفْسِدين في الأرض هنا وهناك . فالتكفيريون والشتامون وأصحاب الإتجاه الواحد لا يحاورون في العادة إلا انفسهم .
تنطلق هذه المقاربات ، من الأيمان بأن التعددية الأيجابية ، هي مصدر من مصادر الإثراء في الأمم الحية .
في هذه المقاربات ، لن أقول ما ليس لي به عِلْم ، حتى لا أؤثَم . إلتزاماً بأدب الحوار الربَّاني ( ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم ، إن السمع والبصر والفؤاد او كل اؤلئك كان عنه مسؤولا ) ( الاسراء 36 ) .
قضايا هذه المقاربات ومفرداتها ، لها أجنحةٌ مُلتبِسة ، تشبه الى حدٍ ما ، أعشاشَ الدبابير وحقولَ الألغام . تتسع لِكَمِّ هائلٍ من طَنينٍ ومن أنَّاتِ التكفير والتخويف المُغالية.
ما أتمناه وأرجوه من ضيوفي في هذه المساحة من الحوار ، الإلتزام بحزمةٍ من الضوابط ، ليُنْتِجَ القولُ الكَيِّس واللطيف ، ثِماراً مَذاقُها حُلوٌ طَيِّب . يُصَحِّحُ ويُوَضِّح ويَهدي ويُرشد كالسراجِ المُنير .
دَقِّقْ بِنورِ العِلم وتَأنّى ، قبلَ أن تَرُدَّ او تُحاسِبَ أو تُهاجِم . لِتَفْهَمَ ما أقولُ أنا هُنا ، لا ما تظن أنت أنه قَوْلي ، إقرأ جيدا ، ولا تَتَغافَل لأسبابٍ في نَفْسِك ، لا يعلمها إلا الله وأنت ، أو لأعتباراتٍ خاصةٍ لديك ، عن أي مُكَوِّنٍ مما أقول به صراحة . فالكل فيما أقولُ مُتسانِدٌ مُتكامِل . ولكن ، من فضلك لا تَضع قولاً على لِساني ، او نواياً في صدري . فلا يعلم إلا الله ، ما تُخفي الصدور .
وأعَدِكُم أن لا أعْتَني بتعليقاتِ الأغبياء ، الذين يُلوِّثون القَوْلَ ، بِشتمٍ مُتطاوِلٍ لا يُثري ، بل يختزلُ الرؤى ويُشتِّتُ الأهداف . او بِشَخْصَنَةٍ باطلةٍ تُوغِرُ الصدور. فالحوار هنا لن يكون إلا لأهلِ العقلِ والعلمِ والأدب .
فهناك أحيانا ، من هو أسوأ من كافرٍ . ذاك الذي لا يُريد ان يَسْمَعَ ويُنْصِت ، أو أن يَتَبَصَّرَ ويَفْهَمَ لِيُفْهِمْ .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة