مسمار صدىء في يوم الاستقلال – بقلم : شوقية عروق منصور

فلسطين …
بقلم : شوقية عروق منصور – فلسطين المحتلة ….
” هذا المسمار – الخاطرة – كتبتها منذ سنوات طويلة ، وفجأة خرجت من بين أكوم الورق ، في ذكرى الاستقلال ، في ذكرى النكبة ، لاشي تغير ، فما زال المسمار الصدىء يدق في عظامنا ” .
صوت فيروز ما زال يشد الخريف الباهي ، يزحف الى مساماتي منتصراً على حناجر ( الأمراض الغنائية ) التي تشحذ بأظافرها فوق جلد الغناء العربي تاركاً خطوطاً عبثية تثير الذعر في مساحات الفن ، أغنية فيروز تتوهم أن فضاء الغرفة سيبدد الحروف المتفائلة التي تعيد الزمن الى الوراء .
” سنرجع يوماً الى حينا  … ونغرق في دافئات المنى
سنرجع مهما يمر الزمان  … وتنأى المسافات ما بيننا ”
قال لي مشفقاً ، اتركي فيروز لجمعيات دفن الموتى ، ومستشفيات المجانين ، اتركيها لملاجىء الشعارات والمنصات ، ولم يستفزني تصرفه عندما أغلق المسجل .. فجثته التي تتحرك قد مزقت ذاكرة الوهم ومسحت قوافل الانتظار .
حين يتنهد الفجر ، أنظر الى وجهه الشاحب ، إيقاع يومه الجديد يزيد من سنوات عمره .. أشار الى رجله المقطوعة .. استعر الجنون في عينيه ، ورم نبت في بطة رجله اليسرى ، عدة أشهر وهذا الورم يصادق اللحم والعظم حتى تحول الى وجع لم يعد يتحمله … الطبيب أكد أن هذا الورم خطير ، لكن الخطورة التي لم يتوقعها البتر.
في المستشفى الإنجليزي في مدينة الناصرة كان البتر الذي حوله الى رجل يسعى طوال عمره بقدم واحدة ، وهيهات لقدم واحدة ان تعمل في زمن كان الركض هو الحالة الوحيدة للبقاء حياً .
منذ عمر النكبة وهو يسير على قدم واحدة .. لم يقل لأحد الأرض لم تعد صلبة تحت قدمه .. تهتز .. ترتجف .. لم يقل لأحد أن تركه لقريته أصعب من بتر قدمه ، لم يقل لأحد أنه يكره نظرات الشفقة ، حتى وهو لاجئ في الحارة الشرقية في الناصرة .
كان ينتظر خطابات القادة والزعماء العرب ،  الأكاذيب السياسية أسقته السم بلا رحمة ، غرس رمحه الأخير في بطن ثور الاستسلام ، وصرخ بملء الشرايين المتفجرة ، لا أريد العيش .. وكان يتمنى الموت حتى يتخلص من عجزه الذي تحول الى هروب
من زوجته وأولاده ومحيطه الذي كانوا يلقبونه بالأعرج .
قبل نكسة 67 بتروا قدمه الثانية بسبب ورم آخر استوطن بها  ، باركه الفتور واخترع قلبه حقولاً من الثلج ، وأقنعته الحياة ان خصوبة الضحك تنقر بيضة العمر حتى تتكسر ويخرج صوص الغربة .. حين يذوق طعم السخرية يردد للشاعر نزار قباني :
ما دخل اليهود من حدودنا
تسربوا كالنمل من عيوبنا
يكره نزار قباني لأنه لف المرأة داخل سيجارته ، وأخذ يدخن تفاصيلها على مهل ، لكن يعترف أن قصائده التي قادته الى الصرخة السياسية استطاعت ان تفش غله .
لوح بقبضته خلال زيارة السادات الى إسرائيل .. لم يصدق الاخبار التي تحدثت عن الزيارة .. ظل بين المصدق وغير المصدق ، بقي مثل شجرة أصابتها صاعقة برق فاشتعلت وبقيت تأكل ذاتها حتى تحولت الى حطب .. وخلال حصار بيروت أصابه مرض ” السمكة الضائعة ” لم يعرف كيف يفسر الصمت العربي وعاش منزلة بين المنزلتين ” الكبرياء والموت ” يجلس أمام شاشة التلفزيون يتابع نشرات الأخبار والتحليلات .. يتكىء عمره على زمن الفقد .
سنوات عمره في سباق مراثوني مع الانهيار العربي ، طعم الاندهاش ، كم هو مفجع أن يبلغ الانسان مرحلة يفقد فيها قدرته على تصديق أي شيء .
قامته تتلاشى .. يتنقل بالكرسي المتحرك.. استظل بالهروب وذاكرته التي أصبحت تذوب ويخرج منها رائحة عفن الصور القديمة .
سألني : ليش الأولاد رجعوا مبكرين من المدرسة ؟؟
قلت له بسرعة :
بكرة عيد الاستقلال !!
نظر الى برماد تكوم في عمق فراغ محير .. ابتسم .. تلصص بنظراته نحو المسجل .. قهقهة ساخراً :
شو اسمها هاي المطربة اللي بتغني على البسكليت ومؤخرتها تهتز ..!
ضحكت وقلت له ” روبي ” .
قال : آه فتشيلي في المحطات بلكي بتطلع وهي تغني .. منظرها يذكرني أن العالم كلو عبارة عن بسكليت والشاطر اللي بقدر يحرك رجليه .. ومؤخرته .
فتشت بين الفضائيات .. لم أجد المطربة روبي ، وجدت وجوهاً وسيقاناً ولحوماً معلقة، أجساداً بيضاء ناصعة في الواجهات تشد الحناجر ، وجوهاً مطبوعة على ورق ملون ، ملقاة في أسواق ممزوجة بوجوه السياسيين ، الذين يطلون بأقنعتهم المملة .
كمسمار صدىء أطرقه كل سنة في عيد الاستقلال ، ومع كل طرقة يزداد اقتراباً من البتر ، أبي الذي ما زال ينتظر عودته الى قريته المجيدل ، ما زال يحلم بالعودة أو يدفن في مقبرتها الى جانب قدمه  ، لأن قدمه التي بترت قبل النكبة يُقال قد أخذها جدي من المستشفى الإنجليزي ودفنها في المقبرة ، أما قدمه التي بترت قبل نكسة 67 لا يعرف في أية مزبلة القيت ، أو في أي أرض دفنت .
طلب مني اغلاق المسجل ..حدق بالمجهول .. وقال :
تعرفي صوت فيروز يذكرني أن هناك مسافة طويلة بين الكلمة والفعل ..!!
قال .. سنرجع يوماً ..!! ورأيت دموعاً تسيل من عينيه .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة