نقد ادبي : موسم الهجرة الى الشمال للروائي الطيب صالح – بقلم : بكر السباتين

اصدارات ونقد ….
بقلم : بكر السباتين …..
الرواية ذلك النهر الجاري الذي يشق الغابة، ويأخذ من خصائص الطبيعة نكهة الحياة وتعدد المشارب وأخيلة الظلال وحواراتها مع زهرة النور، ومجسات الرواة وفي أياديهم عصيّ الترحال، وعلى رؤوسهم يحطّ السنونو، ليستمر النهر في الجريان عبر الزمن وصولاً إلى بداية الشلال قبل أن يقول المؤلف كلمته، وأبطال الرواية الذين يتشابكون في صراعاتهم هم من يحددون طبيعة الأحداث التي تشق مجرى النهر مُوْدِعَةً حكاياتِها المتوالدة وجدان المتلقي، الذي سيغوص عبر الصور الشعرية التي تشكل تيارات الوعي فنزبد عند جوانب الضفتين، قبل أن يتكون السؤال في ذروة الشلال المعربد بقلق شديد حيث تكمن في طياته الدهشة.. والأحداث المتداعية تنثال حتى أعماق المعنى كالسؤال الذي سينتهي به المطاف ليذوب في بحر النهاية ممتداًحتى آخر الأفق الذي لا بد ويستيقظ على الخاتمة، أما مصير الراوي فإنه سيحمل عصا الترحال مقتفياً أثر السندباد بينما شخوص الرواية تشيعه بعيونها المفتوحة على المجهول. فيما يتوارى المؤلف خلف جمهرة المتلقين وكأنه إنسان محايد.. وفي المحصلة فإن الرواية وإن كان الكاتب خارج النص فلا يتدخل بالشخوص فإنها مقابل ذلك ستمثل موقفه غير المحايد.. لأن الكاتب دائماً تحدوه نزعته وانحيازة لقضية ما إما إلى جانب الإنسان أو السلطة بكل أنواعها السياسية أو الاجتماعية في إطار العادات والتقاليد.. من هنا جاء موقف الروائي السوداني (الرُّبان) الطيب صالح وهو يقبض على طرفي دفة الأحداث في روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” التي كتبها وهو في غيبوبة التغيير حيث خرج بها كمحصلة صراع الحضارات وتفاعلاته مع مجتمع شبه منغلق على نفسه، ويفرض عليه الاستعمار ظروفاً أدخلته في أتون الصراع الجلي مع التغيير القادم من الغرب. إذْ تعتبر رواية “موسم الهجرة من الشمال” من الأعمال القليلة التي صدرت نهاية ستينيات القرن المنصرم، حيث ركزت على صراع الحضارات من خلال رواية مفعمة بمشاعر التغيير وذاكرة خصبة مليئة بالصراعات بين الحياة في لندن ونقيضها في السودان ليثبت الطيب صالح بأن النتيجة لا تتجاوز حقيقة أن الإنسان واحد في كل زمان ومكان.. فمصطفى الفاسد المنحل أخلاقياً والناجح عملياً عاد إلى السودان بشخصية لم تقدر على التأقلم الإيجابي مع المجتمع، هذا اليتيم الذي تفجرت طاقاته ليخالف مبادئ مجتمعه في الغربة عندما أتيح له البديل؛ جاءت شخصيته خلافاً لشخصية الراوي الذي عاد من ذات المكان، ومارس حياته في الغربة وفق متطلباته الغرائزية المضبوطة ليعود إلى السودان فيضع خبراته لخدمة بلاده.
اختيرت رواية موسم الهجرة إلى الشمال كواحدة من أفضل مائة رواية في القرن العشرين على مستوى الوطن العربي، ونالت استحسانا وقبولاً عالميا وحولت إلى فلم سينمائي. إجمالاً تتناول الرواية في مضمونها مسألة العلاقة بين الشرق والغرب. وتعد “موسم الهجرة إلى الشمال” من الأعمال العربية الأولى التي تناولت لقاء الثقافات وتفاعلها وصورة الآخر الغربي بعيون الشرقي والغربي بعيون الآخر الشرقي الذي ينظر إليه كشخص قادم من عالم رومانسي يسوده السحر ويكتنفه الغموض
تقوم الرواية على ذاكرتين مكانيتين الأولى في بريطانيا حيث كان يدرس بطل الرواية المتمثل بالراوي مجهول الهوية، والثانية في السودان وهو مكان تناما فيه الزمن المتراكم في الذاكرة القريبة حيث التقى بطل الرواية الثاني المتمثل بالراوي مع الشخصية الرئيسة مصطفى.
فبعد سبع سنوات قضاها لغرض الدراسة في أوروبا، يعود الراوي إلى قريته (ود حامد) الواقعة قرب نهر النيل في السودان وذلك بعد أن أصبح مستوعبا لعادات وأجواء الشعب البريطاني. لم يشعر الراوي بالراحة في بادئ وصوله القرية ولكن سماعه لأصوات الحمام وصوت الريح وهي تداعب أشجار النخيل جعلته يشعر بالهدوء والدفء. وبعد يوم من عودته لقريته وعندما كان يتناول الشاي مع والديه، تذكر الراوي رجلا في متوسط العمر لم يألف وجهه من قبل كان يقف بين الجموع المستقبلة صامتا وعند سؤال الراوي لوالده عن هوية هذا الشخص , رد الوالد بأنه (مصطفى سعيد) وهو غريب انتقل للعيش في (ود حامد) قبل خمس سنوات وقد اشترى (مصطفى) مزرعة وتزوج ابنة محمود ولكنه ظل منعزلاً ولا أحد يعرف عنه الكثير.
الرواية جاءت في وقت كانت العلاقة فيه بين الغرب والشرق استعمارية (كولونيانية) الطابع، يحكمها الشك وعدم الثقة.. قائمة على الاستكشاف والبحث عن مساحات للتلاقي الاجتماعي والفكري من أجل التفاهم على مسار إنساني لهذه العلاقة بعيداً عن المناكفات التاريخية، وقد نجح الطيب صالح في التمهيد لهذا المسار لتلاقي هذه الرواية قبولاً استثنائيا لدى الشرق والغرب من خلال روايته المدهشة ” موسم الرحيل إلى الشمال” وهي رحلة تأخذنا في المستويين الثقافي والاجتماعي من السودان الذي كانا يعاني مظاهر التخلف إلى بريطانيا التي تمتعت آنذاك بمظاهر التحضر والتقدم في كافة الأصعدة.

فقد تذكر الراوي – في سياق الفصل الأول للرواية- انه رأى مصطفى بين الحشود التي دفعها الفضول لسؤال الراوي القادم من بلاد الغرب اسئلة عديدة عن انجلترا, كانوا يريدون معرفة الطقس هناك وكيف يحصل الناس على المال, وهل الأوروبيون لهم سلوكيات غير أخلاقية ام لا. أجاب الراوي عن أسئلتهم بقوله أن الأوروبيين مثلهم مثل القرويين في كل مجالات الحياة فهم ينجبون ويحبون ويعملون ولديهم أهداف، وكان الراوي يرغب في أن يشرح أكثر للقرويين عن صفات الأوربيين ولكنه لم يفعل ظنا منه أن القرويين ليس أذكياء بشكل كافٍ ليفهموا قصده.
فبحث الراوي مدفوعاً بفضوله عن مصطفى في الذاكرة المكانية والزمانية دون أن يعثر عن تفاصيل جديدة تخصه إلى أن جاء ذلك اليوم الذي طرق عليه بابه.. فكان مصطفى بشحمه ولحمه.. قائلاً له بأنه هنالك أمراً ما يجب أن يخبره به وأن عليه – أي الراوي- أن يزور منزله في وقت لاحق. دفع الفضول الراوي للذهاب إلى بيت مصطفى, الذي استقبله قائلا بانه سيخبره الحقيقة عن هويته حتى لا يجمح خياله وحتى لا يخبر بقية القرويين شكوكه فيما يخص مصطفى وبعد أن أقسم الراوي بأن لا يخبر أحدا بما سيسمعه, قام مصطفى بإخراج شهادة ميلاده وجواز سفره المليء بأختام دول أوروبية وآسيوية عديدة وبعدها بدأ مصطفى بالرجوع بالذاكرة وتذكّر ماضي حياته ليدخلنا الراوي إلى فصل الرواية الثاني محملين بالدهشة والتشويق والخيال التي سيأخذ المتلقي إلى منطقة افتراضية تتأجج فيها الأسئلة بلغة سلسة غير متوترة انتهجها هذا الراوي الممتلئ بالتجارب القائمة على التغيير.
ففي الفصل الثاني بدأ ( مصطفى سعيد) بإخبار الراوي قصة حياته. مصطفى هو الابن الوحيد لتاجر جِمال من الخرطوم توفي قبل ولادة مصطفى. ترعرع (مصطفى) وحيدا برفقة والدته والتي كان يحسها بعيدة عنه ولكن علاقتهما كانت ودية وكان مصطفى أكثر استقلالية وأقل عاطفية من باقي الأطفال في سنه. وفي ذلك الوقت ( بداية القرن العشرين) كان العديد من السودانيين خائفين من الجهد الذي يبذله البريطانيون لبناء المدارس لأهل البلد فكانوا يخفون أطفالهم من رجال الحكومة الذي كانوا يجوبون البلاد لإقناع الأهالي بإخراط أولادهم في المدارس ولكن مصطفى تطوع للذهاب إلى المدرسة بعد أن رأى موظفا في الحكومة يرتدي قبعة جميلة أعجبته فأحب أن يصبح موظفا في الحكومة كي يستطيع ارتداء واحدة مثلها. وعدّ مصطفى هذه الحادثة بأنها مهمة لأنها أول قرار اتخذه بمحض إرادته. وبمساعدة ذاكرته القوية وموهبته في حل المشاكل سرعان ما أصبح مصطفى الطالب الأنجب في مدرسته محتقراً صداقة باقي أقرانه بسبب الاختلافات الذهنية بينهم. وشبه مصطفى نفسه بمدية حادة، وعندما بلغ من العمر اثنا عشر عاما, رتب ( مستر ستووك ويل) ل مصطفى الذهاب لثانوية في القاهرة لإكمال دراسته حيث لم يكمل في السودان في ذلك الوقت مثل هكذا مدارس غير أن مصطفى لم يشعر بأي امتنان نحو هذا الرجل. وبعد وداع بلا عواطف لأمه توجه ( مصطفى ) للقاهرة.
في القاهرة، اسُتقبل (مصطفى) من قبل( مسر روبنسون)، وهو مدير المدرسة التي سيلتحق بها مصطفى في محطة القطار برفقة زوجته ( مسز روبنسون). ويذكر مصطفى أنه اثير جنسيا عندما طوقته ( مسز روبنسون) بذراعيها أثناء تحيته، وذكر مصطفى أيضا أنها كانت صديقته الوحيدة عندما اعتقل بجرم القتل عندما أصبح يافعاً. وفي السنوات الثلاث اللاحقة أخذ ( مستر روبنسون) – والذي يتحدث اللغة العربية والمهتم بالحضارة الإسلامية – أخذ (مصطفى) لرؤية الأماكن الثقافية المهمة حول القاهرة أما ( مسز روبنسون) فقد ثقفته وقدم إليه كتاّب الغرب ومؤلفيه.
وبعد أن بلغ الخامسة عشر؛ قُبل مصطفى في جامعة لندن فحزم أمتعته للسفر إلى هناك وذكر مصطفى أن حياته في القاهرة لم تكن واضحة وأنه توجه إلى لندن لاكتشاف آفاق جديدة غير معلومة. وبعد وصله انجلترا اكتشف مصطفى الفرق الشاسع بين ضجيج القاهرة وهدوء لندن في كافة الأصعدة، فتحرر هناك من كبته الجنسي ليتحول إلى زير نساء فتعرف في ظل تلك الأجواء على ( جين) التي جذبته بسبب غرورها العالي وجمالها عندما دخلت الغرفة التي يجمع فيها عشيقاته.. رغم أنها قالت له في لقاء ثانٍ بأنه يملك أقبح وجه رأته على الإطلاق فقرر (مصطفى) أن يجعلها تدفع ثمن ما قالت، وذلك بتعرفه على فتاة إنجليزية عذراء تدعى (آن هنمد) ليفض بكارتها ويحولها إلى عاهرة والنتيجة كانت أنها انتحرت فوجدت الشرطة قصاصة ورق كتب عليها: “مستر سعيد، لعنة الله عليك”.
وفي مشهد محاكمته حين اتهم بعدة جرائم قتل، عزا محامي مصطفى أستاذه السابق ( ماكس ويل فوستر كين) جرائمه إلى صراع الحضارات وأن مصطفى غير الملام على موت الفتيات لأن الحضارة الغربية أقل تحضرا مما يجب أن تكون عليه. ومن خلال سطور الفصل نعلم بأن مصطفى أصبح محاضرا في الاقتصاد في جامعة لندن عندما كان يبلغ الرابعة والعشرين وأصبح مشهورا في دعوته لتحقيق الإنسانية في شؤون الاقتصاد.
وتذكر مصطفى أيضا رؤيته لامرأة جميلة ناضجة واسمها ( إيزابيلا سيمور) في زاوية في حديقة الهايد بارك وعند رؤيته لها تذكر ( مسز روبنسون) . دعاها (مصطفى) للقائه على شاطئ البحر حيث قبلت دعوته . وحتى يلفت انتباهها أخذ يلفق لها قصصا عن” صحراء ذهبية الرمال وأدغال تتصايح فيها حيوانات لا وجود لها”. وأثناء تسامرهما، سألته ( إيزابيلا) عن عرقه حيث أجابها بأنه مثل عطيل عربي افريقي” وأعطاها اسماً مزوراً.
لكنه بعد أن مارست معه الجنس أخبرته بأنها تحبه فتزوجها.
في هذا الفصل تعود الرواية لتروى من وجهة نظر الراوي ( الطيب صالح). يخبرنا الراوي أنه وفي شهر تموز يوليو وبعد فترة زمنية غير محددة من إخبار ( مصطفى سعيد) له بقصة حياته , اختفى مصطفى اثناء قيامه ببعض أعمال الحقل أثناء إحدى فيضانات نهر النيل. وكانت زوجة مصطفى منذهلة وشديدة الاضطراب بينما قام القرويون بالبحث عنه بشكل مكثف على شاطئ النهر ولكنهم لم يعثروا على جسد مصطفى فتوقع الجميع بأن التماسيح قد أكلته وفي أثناء حصول هذه الحادثة كان الراوي في العاصمة الخرطوم وقد سمع لاحقا من والده بخبر موت مصطفى.
وهنا يبدأ الراوي بسرد بعض الاختلافات بينه وبين (مصطفى سعيد) وعلى الرغم من أن الراوي قد عاشر نساءً انجليزيات وعاش في المجتمع الانجليزي إلا انه – كما يذكر-عاش معهم على السطح لا يحبهم ولا يكرههم.. وخلال فترة عيشه في انجلترا كان ملازما لبيته يستذكر ذكرياته في قريته العزيزة ( ود حامد) وتأكد حينها بأن لا فرق بينه وبين البريطانيين وحالما يعود سيستعيد أصله دون شوائب خلافاً لما جرى مع مصطفى.
وبعد سنتين من وفاة مصطفى اكتشف بمحض الصدفة بأن مصطفى كان في بريطانيا خبيراً اقتصاديا مشكوكا بأمره هذا ما قاله أحد معارف مصطفى ويدعى (ريتشارد) في أن مصطفى كان معروفا لدى الجناح اليساري لللبويهميين وأنه لو تجنب اليساريين وواصل العمل الأكاديمي لقام بفعل عظيم لبلده السودان الذي لازالت تحكمه الخرافات كما قال. أما الراوي فيقول بينه وبين نفسه بأن خرافات السودانيين وإحصائيات هذا الرجل الانجليزي ما هي إلا فروع مختلفة من عقيدة واحدة وان الاستعمار البريطاني كان مشهداً سيتحول مع مرور الزمن إلى خرافة عظمى بعد التحرر من سطوة الشخصية الاستعمارية المهيمنة على الثقافة والمجتمع لكنها ظلت عاجزة عن اعتقال الروح السودانية.
وقد جاء أسلوب الرواية ليمثل رشاقة السرد بجمله المسترسلة في بعض الأحيان، إضافة لبعض الصور الجميلة المدهشة.. مع التوظيف النسبي لتيار الوعي والذي أدخلنا من خلاله الراوي إلى ذاكرة مصطفى في بريطانيا منقباً عن ماضيه كي يظفر بالإجابات التي تفسر ما أحاط به من أسئلة ظلت تطوف بالراوي حتى آخرها.
ويحاول الروائي إثبات أنه مهما اختلفت طبائع الأمم فإنهم يتشابهون على صعيد الإنسان.
كذلك ليثبت أيضاً بمدى ذلك الفرق بين التقليد الأعمى للغرب الذي قاد مصطفى إلى المهالك‘ وبين أخذ زبدة الفائدة من ذلك المجتمع المتقدم لخدمة السودان كما فعل الراوي.. إنه كما وصفا الطيب صالح صراع الحضارات الذي ما فتئ الشغل الشاغل للمفكرين حتى عصرنا هذا..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة