تبَّت يدا أبي لَهَب! بقلم : عبد الله الفيفي

دراسات ….
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي …..
-1-
إذا كان انكسار علاقة النَّسَب بين (محمَّدٍ، عليه الصلاة والسلام) وبين قومه قد حَدَثَ من جهتهم بسبب عدم التزامه بالنَّسَق القَبَلِيِّ والتقليد الدِّينيِّ المتوارث، فقد كان انكسار تلك العلاقة من جهته بسبب عدم التزامهم بالقانون الفردي، الذي جاء ليرسيه، والحاكميَّة المطلقة من الأهواء والعلاقات الشخصيَّة والمصلحيَّة. فكانت (سورة أبي لهب) للعن العلاقة النَّسَبِيَّة، أو الاقتصاديَّة، حينما تكون على حساب قانون الحق، وللعن اليد الكاسبة للمال، ما دامت يدًا باغيةً ظالمة.  تَبَّت تلك العلاقة الأُسَريَّة والعشائريَّة والقَبَلِيَّة وتَبَّت، ولتذهب إلى الجحيم.  تَبَّ عمُّ الرسول، (أبو لهب)، فالعُمومة لا تُغْني من الحقِّ شيئًا، كما لا تُغْني الأُبُوَّة أو البُنُوَّة.
ولعلَّ هذا المعنى كان وراء اختصاص عَمِّ الرسول بتلك السُّورة، دون سائر المجرمين الذين أساؤوا إلى الرسول وآذوه؛ لا لأنَّ (أبا لهب) كان الأسوأ، بغضِّ النظر عن صِحَّة التفاصيل المرويَّة عن أفعاله.  وإلَّا ما الذي يجعل اللعن ينصبُّ على رأس أحد أفراد عائلته بالذات؟  بل هو عمُّه، وللعَمِّ التوقير عادةً، وإنْ قسا، وإنْ جهل، فهو بمنزلة الأب.  ثُمَّ إنَّ في فضحه فضحًا للذات، على كلِّ حال، بحسب التفكير العائلي والعشائري.
كلَّا، ليس لتلك الوشائج أيُّ اعتبارٍ حين يتعلَّق الأمر بالمفاصلة بين الحقِّ والباطل. فما جاء في (سورة المَسَد)، إذن، لم يجئ انتقامًا، ولا تشفِّيًا رخيصًا؛ فمحمَّد قد عفا عن (قريش) كافَّة، يوم الفتح، وقد ناله منها أكثر ممَّا ناله من عمِّه (أبي لهب) وعمَّته (أُمِّ جميل)، ولكن للتعبير عن القطيعة الجذريَّة مع ثقافة الماضي، من خلال نموذجٍ حيٍّ لاجتثاث شأفة المحسوبيَّات، وفكرة العائليَّات، والقرابات، والعُمومة، والخؤولة، والوساطات بين الناس، والتمييز بينهم في الحُكم، على أساسٍ طَبَقِيٍّ، أو نَسَبِيٍّ، إلى آخر هذه السِّلسة البائسة من روابط العواطف والرحم، الفاسدة المفسِدة، التي ما زالت تنخر في حياة العرب إلى اليوم، وهي عمود الخيمة في التخلُّف العربي، والتخبُّط السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
-2-
لقد كان محمَّدٌ مخلصًا للفكرة، لا للعائلة وتقاليدها وسمعتها بين العرب. نعم كان يُحِبُّ أهله بصورة فطريَّة، ولكن ليس على حساب مبادئه. ولذلك كان من أروع ما في سياسته أيضًا- بالمقياس الديمقراطي- أنَّه لم يُوْصِ بحاكمٍ من بعده، ولو أراد لاستطاع حسم الأمر، وبما لا يدع لقائل قولًا، بل ترك الأمر شورى؛ لأن هذه الآليَّة في «الأمر» كلُّه، وأعلاه أمر انتقال السُّلطة، مكفولة بنصِّ القرآن، لا بنصِّ النبي. وتلك فكرةٌ تقدُّميَّةٌ جِدًّا، لكنها صادمةٌ للعرب، لم يكن ليستوعبها منهم- بطبيعة الحال- ذوو العقليَّة المشيخيَّة البدائيَّة، والرؤية الدمويَّة الوراثيَّة الجاهليَّة. فظلَّ هؤلاء في صراخهم الاحتجاجي المتشنِّج عبر القرون، وسيستمرون إلى يوم القيامة، مضطرِّين إلى اختراعاتهم من غدير المرويَّات لحلِّ هذا المعضل غير المتوقَّع، ولا المعقول: كيف للحُكم أن يخرج عن الأسرة النبويَّة؟ إنْ لم يكن ابنٌ، ولا أخٌ، فابن عمّ! القرآن لا يسعفهم بحلٍّ نصِّيٍّ يشرعن هذه الشريعة القبَليَّة، بل هو يضخُّهم بما يناقض ذلك: ﴿قُلِ اللَّـهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ، وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ، وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وَاللَّـهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾! والأمر- بعد مشيئة الله- هو بالبسطة في التأهيل والصلاحية، وليس توريثًا، بالضرورة، لا في النبوَّة، ولا في الحُكم! وداخت الرؤوس النَّخِرات في تقبُّل ذلك، وأداخت الأُمَّة بهمجيَّتها، لأن التخلُّف يُنتِج أديانًا تاريخيَّةً لا تنقرض، وكثيرًا ما تتحوَّل العاداتُ في المجتمعات الطفوليَّة إلى عبادات ذات أوثان! وإذا ما اجتمعت العصبيَّة القَبَلِيَّة إلى تعصُّبٍ من تلك التعصُّبات الفكريَّة في قلب إنسان، فتلكم الطامَّة الكبرى. هنا تتحوَّل القِيَم، ويُصبِح لكلِّ موقفٍ لَبوسه، وتتعدَّد المعايير بحسب الحال؛ فيغدو الظُّلم- كما بيَّنتُ في كتابي «نقد القِيَم»(1)- نوعين: ظُلم البعيد، وهو قِيمةٌ عربيَّةٌ (إيجابيَّة)، وظُلم القريب، وليس كذلك. يقول حكيم العرب، وواحدٌ من أعقل عقلائهم وأعدلهم في عصره، (زهير بن أبي سُلمَى):
ومَن لا يَذُدْ عن حوضهِ بسلاحهِ * * يُهَدَّمْ، ومَن لا يظلمِ الناسَ، يُظْلَمِ!
وإنْ كان العرب قد رأوا في الظُّلم حين يصدر من «ذوي القربى» رأيًا نقيضًا، عبَّرَ عنه (طَرَفة بن العبد) في قوله:
وظُلْمُ ذوي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً * * على المَرْءِ من وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ
مع ما يفخر به طَرَفةُ نفسه، وفي المعلَّقة نفسها، من ممارسته الظلم والعدوان على الآخَرين. ولسان حال الشاعر، وحال العرب إذ ذاك، هو الخطاب المعبَّر عنه إلى اليوم، في المقولة الشعبيَّة: «أنا وأخي على ابن عمِّي، وأنا وابن عمِّي على الغريب»؛ أي أن مبدأ اتخاذ المواقف لا يدور مع الحقِّ حيثما دار لكنه يدور مع العصبيَّة والقرابة حيثما دارا. ولذا كانت قيمة «الغَدْر» قِيمةً عربيَّةً (إيجابيَّة)، هُجيت بانتفائها، في الإسلام، قبيلةٌ عربيَّة، هي قبيلة (بني العجلان)، من (بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة)، حين قال فيهم (النجاشي الحارثي، -40هـ= 660م):
قُـبَيِّـلَةٌ لا يَغْـِدرُوْنَ بذِمَّـةٍ * * ولا يَظلِمونَ الناسَ حـَبَّةَ خَـرْدَلِ
فوا عيباه.. ووا خزياه بين العربان أن لا يكون العربيُّ غادرًا…!
والربط بين القِيَم والقِدَم، وبين القيمة والعِرْق، هو قيمةٌ من قِيَم العرب العريقة، كما أخبر عنها «القرآن المجيد»: «إنَّا وجدنا آباءنا»، تؤدِّي في النهاية إلى ضروبٍ من العنصريَّة، و«الشوفينيَّة» الثقافيَّة.
تلكم قِيَمٌ طالما فتَّتتْ العرب، وما تزال، مجتمعًا وثقافة، من حيث إن دوائر الانتماء القيمي قابلة، بنزوعها الرافض للآخَر، لأن تضيق «ثوابتها»- كما تُسمَّى- زمانًا، حتى يلعن كلُّ جيلٍ لاحقه، ومكانًا، حتى تَرَى كلُّ دولة، أو إقليم، أو منطقة، أو شَعب، أو قبيلة، أو عشيرة، أو أُسرة، وبالجملة كلُّ عِزَة(2)، ذاتها صاحبة الفضيلة(3) الخالصة المطلَقة من دون الناس. ذلك أن العصبيَّة تُعمِي وتُصِمُّ حينما تُلابِس النفس البشريَّة، وتقلب موازين العقل والأخلاق؛ لأنها لا تَعمَى الأبصار ولا العقول ولكن تَعمَى القلوب التي في الصدور!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: (2005)، نقد القِيَم: مقاربات تخطيطيَّة لمنهاج عِلمي جديد، (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي)، 16- 17.
(2) العِزَة: الجماعة من الناس، قائمة بذاتها مستقلَّة. وهي «العِزْوَة»، في بعض اللهجات المعاصرة.
(3) وممَّا له بهذا علاقة بعض صيغ المخاطبات المستحدثة، كقولنا: «أصحاب الفضيلة». هذا «النيشان» الذي لم يُنْحَل في سالف الأُمَّة حتى صحابة الرسول. وكأن غير هؤلاء: «أصحاب رذيلة»، أو «أعداء فضيلة»! لأن هذا التعبير ينطوي على تمييزٍ قِيميٍّ أخلاقيٍّ، بخلاف صيغ المخاطبات الأخرى، التي إنَّما تميِّز في الدرجة، أو المرتبة، أو الوظيفة، كصاحب الجلالة، الفخامة، السمو، المعالي، السعادة.. إلخ. وقد لا يُخامِر الشكُّ في أنَّ مبتكر هذا الوسام الخاص، لنفسه أو لغيره، كأنما كان يستشعر أن غير هذه الفئة ليسوا على شيءٍ من الفضيلة. ثمَّ سار الترديد ببغائيًّا حتى تبلَّد الإحساس بما يحمله هذا التعبير من تزكيةٍ من جهةٍ وطعنٍ مُضْمَرٍ من جهةٍ أخرى. وإنَّما كان حقُّ هؤلاء أن يُخاطَبوا بـحسب مراتبهم العِلْميَّة أو العَمليَّة أو الوظيفيَّة، كما يُخاطَب سائر الناس، فيقال، مثلًا: «صاحب السعادة الشيخ»، أو «صاحب المعالي الشيخ»، ونحو ذلك، بعيدًا عن الزجِّ بالتمييز القيمي الأخلاقي في هذا المضمار. لكنَّها قَبَليَّات الألقاب بعد قَبَليَّات الأنساب.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة