حرب الإرادات.. : احتمالات الممكن والمستحيل بين ترامب وكيم جونغ أون – بقلم : بكر السباتين

دراسات ….
بقلم :بكر السباتين ….
منذ أن تم توريث كيم جونغ أون السلطة تحولت كوريا الشمالية إلى ما يشبه الثقب الأسود؛ تختفي فيه كل المعالم الطبيعية والإنسانية. بحيث أصبح الكوريون يعيشون في حالة ترقب دائم واستلاب إلى فكرة الزعيم الخارق الضامن لحياتهم والذي لا يقهر، فصار كل شيء محسوب بدقة، ربما حتى كمية الهواء الذي يتنشقونه.
فأصبح كل شيئاً تحت المراقبة المجهرية وتحت سيطرة الزعيم الملهم كيم جونغ الذي في نظرهم تنثني أمامه كل الصعاب، لذلك أنيط بوسائل الإعلام تعظيم الهالة الشخصية لكيم جونغ أون ووالده وجده. بالإضافة لبث خطابات مُعادية لأمريكا، والغرب، واليابان،والكيان الإسرائيلي، وخاصة كوريا الجنوبية التي ينظرون إليها كوصمة عار في جبين الأمة الكورية باعتبارها خائنة وعميلة للشيطان الأكبر في نظرها المتمثل بأمريكا.
ولد كيم جونغ أون، في الفترة بين عامي (1983-1984)، في بيونغ يانغ – كوريا الشمالية. وهو الابن الثالث والأصغر لوالده زعيم كوريا الشمالية السابق كيم جونغ إل، و حفيد أول رئيس لكوريا الشمالية الزعيم “الملهم” كيم إل سونغ.
هذا الرجل الذي يواجه ترامب لديه تركيبة نفسية مخيفة قائمة على تأليه الشخصية والتعامل مع البشر كجيفة من السهل التخلص منهم.. والذي تسلم سدة الحكم بالتوريث في الـ 15 من يناير عام 2009 تحت مسمى “الوريث العظيم” بعد وفاة والده في الـ 19 من ديسمبر عام 2011.
هذا الدكتاتور الذي يمتلك زمام المبادرة في الضغط على زر الصواريخ البلاستية والرؤوس النووية التي تهدد دول شرق آسيا والمصالح الأمريكية هناك؛ لا يمكن لأي خبير استراتيجي توقع ما سيفعل من خطوات إزاء أية أزمة تتعرض لها بلاده على الصعيدين الداخلي والخارجي، وقد عجز خبراء علم النفس من مستشاري دوناند ترامب من وضع خارطة سلوكية يمكن من خلالها توقع سلوكيات كيم جونغ أون في بلد يكتنفه الظلام والسرية المطبقة، فهو شخص مباغت لخصومه ولا يرحم أحداً، كأنه بركان خامد قد تتصاعد حممه في أي وقت.
فمنذ توليه منصبه رسمياً عام 2012، أراد أن يُثبت نفسه كملهم في كل نواحي الحياة، وصاحب جبروت إلهي، فتعامل مع شعبه بفظاظة لم يشهد لها التاريخ مثالاً، واستلبه حرية الإبداع والاختيار حتى منع عنهم اقتناء السيارات وأجهزة الهواتف النقالة في ظروف طارئة، وقطع عنهم خطوط النت، حتى وصل به الحد ليتخذ لنفسه قصة شعر شهيرة أطلق عليها اسم “الشباب أو الطموح” وكل من يخالف إرادته سيعدم. وأصبحت الأجهزة الإعلامية الخاضعة تحت سيطرته تصوّر أفلاماً للبيت الأبيض أو مدينة نيويورك مدمَّرَيْن أو الرئيس الأمريكي السابق أوباما وهو يحترق. أو الفلم الأخير الذي يصور خطة كورية شمالية افتراضية لأسر 150 ألف جندي أمريكي، وهي مؤشرات إلى أن رجل كهذا بوسعه لو حُشِرَ في الزاوية أن يحرك منصة الصواريخ باتجاه أهداف أمريكية موجعة، لذلك فإن كل حلفاء أمريكا في شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية واليابان حتى الصين يتصرفون إزاء الأزمة الأمريكية الحالية مع كوريا الشمالية بحذر شديد، وعليه فقد تعهدت الصين لأمريكا بمحاولة الضغط على كيم جونغ لثنيه عن الاستمرار في إشعال فتيل الأزمة المدمرة والتراجع عن البرنامج النووي الذي بات يشكل خطراً كبيراً على جيرانها. ولكن أن يقتنع رجلٌ يعيش كآلهة بالمبادرة الصينية، فهذا محال، وإن فشل الأمر سوف ينحرج موقف ترامب على الصعيدين الداخلي والدولي ما يجعل احتمالات المواجهة العسكرية حاصلة لا محالة، فكيم جونغ المصاب بحب العظمة كان قد أمر منذ توليه الحكم بوضع شعار بطول 560 متراً محفوراً على إحدى التلال الشاهقة وارتفاع الحرف الواحد فيه 20 متراً، و نص الشعار: “يحيا الجنزال كيم جونغ أون شمس كوريا الشمالية الساطعة”، فصاحب هذه الأنا المتعالية، والمصاب بفوبيا الانفتاح على العالم، من الصعب عليه التراجع في أتون هذه الأزمة الخانقة إلى منطقة الاستهداف الأمريكي؛ لأنه أيضاً يدرك المصير الأسود الذي ينتظره هناك، حيث كان دائم التذكير بخيبة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي قتل يوم تنازل عن مشروعه النووي، ناهيك عن إدراكه بأن الغطرسة والوحشية الأمريكية لن تتركانه يهنأ بحياته ما أن يسلم لهما أمره. وينبغي أيضاً إدراك أن التركيبة النفسية لكيم جونغ أون تقود المحللين إلى افتراض عدم استجابته لأي تنازلات محتملة أمام الضغوطات العالمية التي تقودها أمريكا وخاصة الصين لأن الدكتاتور الذي يهون عليه شعبه ويحوله إلى وقود ليعيش في رياش الأبهة الأسطورية، والذي سمح لشعبه في مجاعة 1990 تناول نشارة الخشب على موائد الطعام، فيما هو يتعامل مع معارضيه بالترهيب والقتل، فإن احتمالات أن يواجه أعداءه نووياً واردة تماماً، بعدما فشلت الأمم المتحدة في مقاطعة كوريا الشمالية اقتصادياً بانفتاحها النسبي على الصين. ويمكن أيضاً تقدير النوايا من تداعيات الموقف العسكري على الأرض، فقبل أيام أغلقت كوريا الشمالية مجمع كايسونغ الصناعي أمام العمال الكوريين الجنوبيين، ومنعتهم من الدخول إليه، رغم أن أكثر من 120 شركة كورية جنوبية تعمل في هذا المجمع الصناعي المشترك، الذي يرمز إلى التعاون بين البلدين، والذي يعمل به في المقابل أكثر من خمسين ألف كوري شمالي، وفي الوقت الذي كان وزير الخارجية الأمريكية يُؤكد فيه أن بلاده ستحمي كوريا الجنوبية وتدافع عنها، كان كيم جونغ أون يُؤكد على أن “السلام والازدهار يقومان على أساس قوة نووية منيعة، وعليها تتحقق حياة سعيدة للناس”. وفي تداعيات خطيرة وضعت كوريا الشمالية صواريخها ووحدات مدفعيتها طويلة المدى في حالة تأهب قتالي، لاستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في جوام وهاواي وداخل العمق الأمريكي نفسه، بعد أن نفذت قاذفات أمريكية طلعات جوية فوق الأراضي الكورية الشمالية، ما اعتبرته كوريا الشمالية تهديدًا لأمنها.
صحيح أن الولايات المتحدة بقدراتها العسكرية التي تتضمن أكثر من 7 آلاف رأس نووي، وبتحالفاتها الدولية، قادرة على حسم حربها مع كوريا الشمالية أو الحرب العالمية الثالثة كما يُشار إليها، إذا اندلعت، في حال توفّر شرط أن تنأى روسيا بنفسها عن الخوض في تحالف عسكري صريح مع كوريا الشمالية؛ ولكن القدرة النووية لكوريا الشمالية ستلجم الأفواه المحرضة على المواجهة مع كيم جونغ أون في بحر الصين، لأن العالم يدرك أن المواجهة ما زالت تتراوح بين التهديد والمناورات العسكرية، لكنها أيضاً تحولت إلى حرب إرادات بين الرئيس الأمريكي وخصمه الكوري الشمالي، فترامب يسعى لاستعادة أمجاد أحادية القطب الأمريكي، مقابل مبتغى كيم جونغ أون الذي حول بلاده بالفعل إلى قطب أسود بحيث أن الداخل إليه مفقود، ويتصرف كآلهة لا يجوز كبح جماحها ولو أدى به الأمر لتدمير بلاده، وهو ما يحدث فعلاً في بلاد أنهكها الاستلاب العقلي والمجاعات المتعاقبة وجبروت سلطة لا ترحم. وسنتوقف في سياق هذا المقال عند التحريضات التعبوية التي يُشَيِطِنُ فيها كل طرف خصمه التاريخي، وكأن الأرض لم تعد تتسع لكليهما.
وأشرف الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون على مناورة نفذتها قوة من الوحدات الخاصة، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية الخميس الموافق 13 أبريل 2017، مع تصاعد التوتر بين واشنطن وبيونغ يانغ.
أما عن القدرات العسكرية الكورية الشمالية، فقد أفاد معهد “نورث 38” الأميركي المتخصص بإجراء أبحاث حول كوريا الشمالية أن صوراً التقطتها أقمار اصطناعية يوم الأربعاء الموافق 21 أبريل 2017 أظهرت أن موقع بونغيي- ري المخصص للتجارب النووية في كوريا الشمالية بات “جاهزا” لإجراء تجربة جديدة.
وقال خبراء المعهد إن صور الأقمار الاصطناعية تظهر نشاطا متواصلاً حول البوابة الشمالية وأنشطة جديدة في المنطقة الإدارية الرئيسية وطاقماً قرب مركز القيادة. وفي وقت سابق من هذا الشهر اختبرت كوريا الشمالية صواريخ سكود النووية، وأمر الرئيس كيم جونغ أون الجمعة الموافق 14 أبريل 2017، بإخلاء العاصمة الكورية الشمالية من السكان، مُصرحًا بأنّ حدثًا ضخمًا سوف يقع في البلاد دون أن يعلمهم بتفاصيل ما يجري من باب التعتيم الإعلامي.
ورغم إحجام كيم جونغ وخلافاً لتوقعات المراقبين عن قيام بلاده بإجراء التجربة النووية السادسة تزامنا مع الاحتفالات بالذكرى الخامسة بعد المئة لولادة مؤسس النظام كيم إيل سونغ إلا أن القط الكوري المعربد لا يجب أن يحشر في الزاوية، لأنه من باب الإيحاء بالتهديد النووي فقد تم استعراضه “الاستفزازي” لترسانة الأسلحة النووية التي تتباهى كوريا الشمالية بقدرتها على ردع أي عدوان محتمل من أمريكا.
ما جعل الإدارة الأمريكية تشعر بضرورة التحرك تحسبًا لأي أخطار من قبل كوريا الشمالية العدو التقليدي منذ عقود،
ولكن في حرب الإرادات قد يضغط أحد الرجلين على زر السلاح النووي فتكون الطامة الكبرى قد أكلت الأخضر واليابس في بحر الصين الذي تطل عليه أعظم دول العالم كالصين وروسيا واليابان التي تخوفت بدورها من قدرة الترسانة الصاروخية الكورية الشمالية على ضرب اليابان خلال 10 دقائق، إذ حذّر رئيس وزراء اليابان من إمكانية تعرض بلاده لهجوم من قبل كوريا الشمالية، مع احتمالية قدرة كوريا الشمالية على وضع غاز السارين في رؤوس صواريخ بعيدة المدى.
من جهة أخرى كان ترامب يدفع الأمور باتجاه التصعيد الخطير وكأنه تسابق محموم إلى ساعة الصفر التي رهنت فيها المصالح والأنفس إلى قائدين من الصعب التكهن بأفكارهما المفاجئة ، فقد أصدر الرئيس الأمريكي قرارًا للمجموعة البحرية الأمريكية “كارل فينسن”، بالتحرك نحو المحيط الهادئ بالقرب من شبه الجزيرة الكورية، معربًا عن تخوّفه من الاستعدادات النووية المكثفة، التي تقوم بها كوريا الشمالية،لتوسيع دائرة مناوراتهما العسكرية مع كوريا الجنوبية الخصم اللدود لكيم جونغ، مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجددا استعداده “لحل مشكلة” كوريا الشمالية بمساعدة الصين أو بدونها.
وأكد ترامب على أنه سيقف بالمرصاد لكوريا الشمالية حال إجرائها اختبارات نووية أخرى، كما أنّه غرّد مُعربًا عن “ثقته الكبيرة” من أنّ الصين “ستتعامل بالشكل الصحيح” مع كوريا الشمالية، وهو ما أكّدت عليه الصين حين أعلنت أنها ستتخذ موقفًا مخالفًا لكوريا الشمالية حال أجرت اختبارًا نوويًا أو اختبارًا للقذائف العابرة للقارات، مُرسلة 150 ألف جندي من الجيش الصيني إلى الحدود مع كوريا الشمالية بالتنسيق مع كوريا الجنوبية في إطار صفقة بين أمريكا والصين، فقد ذكرت ديلي تلغراف أن ترمب عرض على الصين صفقة كبرى جريئة تتمثل بالوعد بإقامة علاقات تجارية مستقرة بين البلدين مقابل قيام الصين بتقديم مساعدتها لكبح جماح كوريا الشمالية وحصر برنامجها النووي والسيطرة عليه.
حتى روسيا فقد جاء موقفها وسطياً بعض الشيء من باب النأي بنفسها عن حرب مجنونة قد تحدث في أي وقت، ولا شك أنها ستكون وخيمة ومدمرة، والرهان عليها قائم على ما يخطط له زعيمان من الصعب التنبؤ بأفعالهما.. فهل يحدث المحظور في عالم تطوقه الأزمات وتعصف بأركانه حرب الإرادات المفتوحة على المجهول

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة