وصيتي: أن أدفن في ساعة رملية لأكون مفيداً – بقلم : هايل علي المذابي

فن وثقافة ….
بقلم : هايل علي المذابي ….
أتوقع أن أكتب إن وهبني الله حفنةً من حياة تستمر حتى أبلغ الثمانين أو التسعين أن أكتب في وصيتي:
لقد عشت كل هذه السنوات و اكتشفت الآن في أرذل العمر أن أجمل أيام حياتي التي عشتها هي تلك التسعة أشهر التي قضيتها في بطن أمي.. أحنّ إلى بطن أمي.
كم سأكون ممتناً للسماء لو “فقط ” ضمنت أن سيكون لي تلك الحفنة من الأيام أو الساعات أو الدقائق سأعيشها..، أن سيكون لي غد فيه غير من أضاعوني وحفظتهم، غير من كرهوني و أحببتهم، غير من خذلوني و وفيت بعهدي لهم، غير من تركت بضعةً مني عاريةً لديهم ففرطوا فيها، فأُجهضت عزيمتي واختلت موازيني ..
” فقط” يا إلهي لو ضمنت تلك الحفنة وذلك الغد لحرصت كل الحرص على أن أكون الذي لم أكنه، على أن أكون الذي أشتهيهِ، على أن أكون مُفيداً..
لعل هذا يبدو محالا او لعله احتمالاً ربما لقلة الحيلة، لولا أنّي سأجتهد في نقل المحال والاحتمال إلى الحتمية التي لاريب فيها، وسيكون لي ذلك بعون أحبتي وهذا الغد الذي أؤمله، سأوصيهم وهو ما أفعله الآن، لأني أجهل الغد الذي سأكون فيه، فإن كان حظي عظيماً وقدري رؤوفاً فسيكون غدي جسدُ و روح، وإن كنت من المختارين المصطفين في العالم الآخر فها أنذا قد أوصيت أحبتي بأن يحرقوا جثتي لايدفنوها وسأحرص قبل هذا أن أكون قد طهرت هذه الثلة الباقية مني من كل وزر وخطيئة فعلتها أو لم أفعلها حتى أصير صرخة روحٍ بدائية لا تشوبها شائبة ، إذ ذلك وبعد أن يحرقوا جثتي، وليس هذا لأني كما قد يخال أحدهم أخشى الدود أو ظلام التوابيت، أو الوحدة، كلا فلطالما كنت غريباً ووحيداً، ولكن “فقط”، لأني أرغب بجدية وأشتهي في أن أكون مالم يستوعبه هذا العالم الضيق، ويتقبله، أن أكون ” مُفيداً ” حتى ولو بعد موتي، إذ هذا لن يبقى مني سوى رماد ورفات وأطلال روح، وبطريقة عصرية مواكبة للمتغيرات سيأخذون هذا الرماد ليضعوه من ثمّ في ساعة رملية/ رمادية ومن ثم يضعونها في المكان الذي يقضون فيه جُلّ وقتهم، ولعل الوقت الذي سيعرفونه بفضل هذه الساعة الرمادية، هو ما سيجعل مني مفيداً بامتياز، – كما يفترض بالساعة في حياة الإنسان – سيعرفون قيمة الوقت بفضل رمادي، وسيكون كل هذا هو الضريبة التي سأكون قد دفعتها على المكان الذي سأشغره، مثلما الساعة على الحائط تزكي على نفسها بالوقت الذي يعرفه الناس بفضلها، نعم لا أريد أن أكون مخالفاً لقوانين الحكومة أو عالةً على المكان الذي سأشغره، لا أقصد اقتصادياً ولكن معنوياً وفائدةً ، أليس كلما رأى أحبتي هذه الساعة التي أسكنها سيقدرون كم أن الوقت ثمين، أليست هذه الساعة أيضاً ستجعلني في أذهانهم على الدوام، لأن كثير من البشر لو ظلوا طينا لكان نفعهم أكثر من نفعهم بشراً على الأقل قد يعرف أحدهم بهم الوقت أو يزرع فيهم بذرة تنفع الناس و تسد فم جائع أو فقير..
أعرف و أعرف جيداً أن الأمر مثير للشفقة بيد أن تحقيقه سيجعلني في غاية الابتهاج والسرور والسكينة ، فقط لأني صرت الذي لم أكنه وصرتُ الذي أشتهيهِ ، وكفى المرء نُبلاً وخلوداً بعد موته وليس في حياته أن يترك شيئاً يُفيد الناس من بعده ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة