عبد الوهاب البياتي بين باب الشيخ والحلاج وابن عربي فمقبرته (ثلاث حلقات) بقلم : كريم مرزة الاسدي

فن وثقافة ….
بقلم : كريم مرزة الأسدي – العراق …..
في 21 ربيع الثاني 1420 هـ الموافق 3 آب 1999م توفي الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي ، وكان قد أوصى قبل وفاته أن يدفن قرب ضريح المتصوف الشهير محيي الدين ابن عربي (1) على سفح جبل قاسيون ،  إذ أقيم للشيخ الأكبر مسجد كبيرا حول ضريحه ، يزوره المسلمون من محبيه ومريديه وعاشقي طريقته التصوفية  (وحدة الوجود) التي تعتبر الله هو الوجود الحق  ، متأثرين بالفكر الحلولي  و التي استقر عليها البياتي أواخر حياته ، بعد أن تخطى فلسفة القناع الحلاجية ، كما جاء في دعوته للثورة في ( بستان عائشة ) 1989م ،  وما عائشة إلاّ محبوبته الأبدية ،  يستخدمها رمزا للحرية والثورة ، وأحياناً يستعير عشتار بدلا منها ، وذلك  بمدلولات عميقة ، و بإيجاز شديد ، ينعت الشهيد  :

يتوهج في نور المشكاة
متحداً في ذات الله
لا يفنى
مثل شعوب الأرضْ
يتحدى في ثورته الموتْ
ولا تفوت القارئ الكريم إشارته في ” متحداً في ذات الله ” إلى الفكر الحلولي وبيتي الحسين بن منصور الحلاج ( قتل 309 هـ / 922م) :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ***    نحن روحان حللنا بدنا

أدنيتني منك حتى  *** ظننتُ أنّكً أنّي

تأثر البياتي بالمتصوفين والزاهدين  الإسلاميين ،  كما يذكر هو في كتابه (تجربتي الشعرية) ،ومما أورده  في دواوينه ممن تأثر يهم  ، أمثال الجامي ، وجلال الدين الرومي ، والسهروردي ، والخيام ،  والشافعي ،  وأبي العلاء المعري ، إضافة إلى الحلاج وابن عربي وغيرهم  ، وسنمرُّ على قصيدة البياتي  الموسومة ” عين الشمس أو تحولات محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق “، وذلك في ديوانه ” قصائد حبٍّ على بوابات العالم السبع ” الصادر عام ( 1971م ) ،لنبين مدى تأثره بابن عربي   اقرأ معي  :

فكلُّ اسمٍ شاردٍ وواردٍ أذكرهُ ،  عنها أكني  واسمها أعني
وكلُّ دار ٍفي الضحى أندبهُ، فدارها أعني
توحد الواحدَ في الكلِّ
والظلُّ في الظلِّ
وولد العالمَ من بعدي ومن قبلي

يتكلم الشاعر بلسان ابن عربي ، بل يوظف عبارة له على سبيل التناص :
” فكلّ اسمٍ أذكره ، في هذا الجزء فعنها أكني ، وكلُّ دار ٍأندبها ، فدارها أعني ” (2)

فكرة الحلول ،  ورؤية وحدة الوجود السرمدي يتجلى في النص تماماً ،  وشاعرنا مرة يحقق التناص لأقوال متصوفيه ، وتارة يلمح بإشارات موجزة ، أو بإشعاعات موحية ، ولكن بإسلوب متجدد معاصر.
مهما يكن من أمر ،  نُفذت وصيته ،  سيان من قبل  عائلة الفقيد – ولا أعتقد أنها كانت  – أو السلطات السورية التي كانت تحيطه برعاية تامة  واهتمام خاص ، ولكن بدرجة أقل  مما حظاه الجواهري عندهم ، وهذا قد أغاض النظام العراقي الأسبق وسيده المطلق ، أما  السوريون فكانوا  يعرفون من أين تؤكل الكتف ! ومن الإنصاف والعدل  أنْ نذكر أنّ البياتي قد مدح الجواهري إبان مكوثه في دمشق بقصيدة سينية عمودية رائعة ، لا تتجاوز أبياتها اثنتين وعشرين بيتاً  – إن لم تخني الذاكرة –  و قد حضرت  تشييعه ، ومراسم دفنه في أراض وعرة خلف مسجد المتصوف  العربي ، إذ توجد مقبرة صغيرة  ، وإلى جوارها مقبرة (  زين العابدين ) ، ودعتني بعد ذلك وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية رسمياً لتقديم بحث أو قصيدة عن الشاعر الرمز في حفل تأبين عالمي للبياتي الكبير  ، وكنت قد كتبت عنه وعن شاعريته من قبلُ – ( 1994م) – عدة مقالات ،  ونشرت في الصحف  ، ولا سيما  – أيضاً- قد شاركت بحفل تأبين الجواهري العظيم من قبل في الحفل الذي أقامه المثقفون العراقيون بمشاركة عائلة الفقيد ، بمناسبة مرور أربعين يوما ً على وفاته ،   ولكن  في هذه المرة حدد الموعد بعد التاريخ الذي حددته هيئة الأمم المتحدة لهجرتي ، وظروفي وظروف عائلتي لم تكن تسمح لتجاوزه ،  ولا أعرف عن الأمر شيئاً بعد ذلك .
وعلى ما يبدو لي أن البياتي قد لبى الدعوة السورية للإقامة في دمشق في سنة ( 1997م ) ،  إمّا لضغوط مورست عليه لمدح رئيس النظام الأسبق في ظروف لا يحسد عليها العراق ،  وإن كان قد جعل  رئيسه أسطورة التاريخ في قول عابر له  أيام الوجد  ” هو الذي رأى كلّ شيء ” ، لكن سرعان ما قلب السحر على الساحر في (قصيدة العراء ) ، لمّا عرّى الشعراء المخصيين، وهتف  ” يموت الديكتاتور ، ويبقى ا الشعراء” !

ومَنْ نعته بـ (الدمية ) ،  كان الأجدر أن يعرف نفسه ، وينعت بها غيره وغيره ، فهذا ظلم لأن دواوينه لا تتسم بهذا الوصف ، وإنما بالواقعية  والواقعية الاشتراكية والإسطورة والصوفية والعولمة الإنسانيه ،  ووظف العشرات من قصائده لنصرة المظلومين والفقراء والمعدمين والكادحين  ، هذا الغالب الأعم ،  أقول قولي هذا وأنا غير ملزم بقبول كل ما يراه ويرتأيه  متفلسفاً أو متصوفاً أو مفكراً ،  المهم وجد نفسه في وضع حرج ، وهو رجل كثير التوجس ، شديد الإحساس  ،  قلق الشعور ، شأنه شأن معظم الشعراء الكبار، أو وجّه وجهه شطرالشام لينهي حياته فيها  جنب إمام متصوفيه ، بعد أن قدم إليها من بغداد  قاضياً فيها ثلاثة أشهر ، إثر عودته من عمان الأردن ، على عكس الجواهري الذي تشبث بالعودة إلى العراق أواخر حياته ليدفن في وطنه ، ولكن لظروف غامضة لم تتحقق رغبته، وأهله أدرى بالأمر مني  ،  وبياتينا قد ألمح  منذ 1971م بدون  وعي منه إلى قبره   في دمشق و قاسيونها ، وابن عربيّه ورحلته الأبديّة قي قصيدته السابقة (عين الشمس) ،  وصدق حدسه في قوله :

عدتُ إلى دمشق بعد الموت
أحملُ قاسيون
أعيدهُ إليها
مقبلاً يديها
فهذه الأرضُ التي تحدها السماءُ والصحراء
والبحر والسماء
طاردني أمواتها وأغلقوا علي باب القبر
وحاصروا دمش.

وليست غريبة على شاعرنا عبد الوهاب أحمد البياتي  هذه الأجواء ،  فلقد كانت ولادته سنة (1926م / 1345هـ ) في محلة باب الشيخ قرب ضريح الشيخ المتصوف الشهير ( عبد القادر الكيلاني ) (3) ،  وهي من محلات بغداد الشعبية، ويقول البياتي نفسه عن حيّه ” كان  الحي يعجُّ بالفقراء والمجذوبين والباعة والعمال والمهاجرين من الريف والبرجوازيين الصغار ، كانت هذه المعرفة هي مصدر ألمي الكبير الأول ” ،  والحقيقة  أن الرجل كان يشعر بالأضطراب والخوف المرضي وتفاهة الحياة والكآبة والحزن، ولكن الحزن لا يسكبه على شكل آهات ودموع كما تصبه نازك الملائكة ،  وإنما يجعل من نفسه شهيداً حلاجياً ، كما أسلفنا ،  أو يتخذ من سيزيف رمزاً للجهود الإنسانية الضائعة :

الصخرة الصماء للوادي يدحرجها العبيد
” سيزيف “يبعث من جديد من جديد
في صورة المنفي الشريد

التراكمات اللاشعورية  الطفولية التي خزنت في عقله الباطن أخذت تتجلى أفعالاً وأقوالاً ، نلمسها في سلوكه وكتاباته ، بالرغم من أنّ عائلته كانت متوسطة الحال اقتصادياً ، إذ كان أبوه يبيع المواد المنزلية في دكان له في  سوق ( الصدرية ) ،  كما سمع زميله في الدراسة الأستاذ فؤاد التكرلي، وذكر ذلك  في صحيفة ( الشرق الأوسط  ) (4) ، ومما يؤكد خبر التكرلي ما ذكرته الدكتورة ميسون البياتي ،  وهي ابنة أخيه السيد عبد الرزاق – في مقال لها في  (الحوار المتمدن )  بأنّ والدها (تولد 1928م) وعميها الآخرين عدنان (الأصغر) وعبد الستار (الأكبر) ،  كانوا تجار مواد غذائية ، بل تزيد أنّ عمها الأخير عميد أسرتهم كان نائباً لرئيس غرفة تجارة بغداد  ،وله أختان وهما السيدتان مريم وخديجة ،  وزوجته السيدة هند نوري ،  وابنه علي , وابنته نادية التي توفيت في امريكا عام 1991 م والأخرى اسمها أسماء  والبقية لم تذكرهم، ولم تخف أن عائلتهم كانت  ذات ميول شيوعية، والدليل إسقاط الجنسية العراقية عن الشاعر عام 1963م عقبى رفضه العودة من موسكو(5) ،  ربما الميول تغيرت من بعد ، لأن الشاعر وبعض أقربائه المخصوصين تسنموا عدّة مناصب تعتبر للمحظوظين    في الدولة والمجتمع … على العموم أنا لا يهمني هذا كثيرا ،  ولا تهمني العلاقات   والميول والأتجاهات والمشاحنات والقيل والقال  والسلوك الشخصي للمبدع ، إلا إذا أثرت هذه الأمور على مسيرته الإبداعية ،  وحق المجتمع ، أو الضرر بالشعب ،  وهذا ما سرت عليه في كل بحوثي عن العباقرة والشعراء الملهمين قديماً وحديثاً  ، فالمصالح الشخصية  من طبيعة البشر ،  (وأين عن طينتنا نُعدّي ؟) ! كما يقول ابن الرومي  ، وقد ذكرت في مقال سابق أنّ العبقرية حالة غير مستديمة في الفرد ، إذ سرعان ما يعود المتميز إلى حالته الطبيعية وسلوكه المعتاد ، والناس الذين لا يدركون هذه الحقيقة يندهشون  ويختلفون حولهم ،  وما  أنا بمندهش ،  ولا أتعب نفسي بنبش خصوصيتهم   لعلمي أنهم بعض الأنام ، لهم  محاسنهم  ، وعليهم مثالبهم .
ولم أرَ أنّ البياتي قد وظف شعره ضد مجتمعه لمصالح شخصية ،  في مجتمع اختلطت فيه الثقافة  بالسياسة جبراً، فالرجل عاش معظم حياته مغترباً متنقلاً حاملاً راية الثقافة بدليل شهرته –  مع علمي بالمناصب الوظيفية التي شغلها  – واستطاع بذلك أن ينقل الشعر العربي إلى آفاق عالمية ، ووثق علاقاته مع شعراء عالميين كبار ، وتذكر الدكتورة ميسون ،  قد أطلق اسمه على شارع ومكتبة في مدريد .
نعود والعود أحمد ،  والحديث شجون  البيئة الطفولية بشموليتها وبمراحلها الثلاث، هي التي تعكس بعض ملامح شعر الشاعر ، لذلك ترى مثلاً اختلافا بيّناً بين شعري السياب والبياتي ، بل بين سلوكيهما أيضاً ، وهذا أمر  بديهي  ،  لقروية الأول  ببساطتها الطيبة ، وطبيعتها الخلابة ، وجداولها الجارية  ، وبساتينها الثرة ، وتبغدد الثاني بجوها الصاخب  وتعقد علاقاتها ،  ومجد تراثها ،  ونيران حرّها ، يقول وهابها فيها :

ولدت من زبد البحر
ومن نار الشموس الخالده
كلما ماتت بعصر بعثت
قامت من الموت وعادت للظهور
أنت عنقاء الحضارات
وأنثى سارق النيران
في كل العصور !

وإذا أردت المقارنة بين شعري الشاعرين الخصمين في فرض الوجود على الموجود ، إليك ما يقول السياب وتأمل ولا تفضل  ،  فالعراق  هو الأفضل !

بويب
بويب
اجراس برج ضاع في قرارة البحر
الماء في الجرار ,والغروب في الشجر
وتنضح الجرار اجراسا من المطر
بلورها يذوب في انين
بويب يا بويب
فيدلهم في دمي الحنين
اليك يا بويب
يا نهري الحزين كالمطر

2 – في تعليق على تعليق لما كتبته سابقا  ، ذكرت أنني لست بدارس لشعر البياتي الكبير ، ولا بباحث في تعلقه بمتصوفيه ، وفلسفته ،  وتوجهاته ،  ولكن مرّت ببالي خاطرة من خلال قراءتي لـ ( مذكرات رجل مجهول )، ولتجديد دعوة للشعراء العراقيين سبقني إليها من سبق ، سنأتي عليها في الحلقة الثالثة – بإذن الله –  وكنت قد كتبت عن القصيدة وشاعرها من قبل   ، ولا بد للتجديد من تمهيد ، و بياتينا يستحق المزيد ، فشرعتُ بحضوري تشييعه ومدفنه يوم وفاته – رحمه الله – ووصيته  ،  وحدسه في أنْ يقبر بدمشق ،  ولا ريب من الضرورة بمكان أن أستشهد لماماً بأشعاره الصوفية  ،  وشعره في حدسه ،  ومما يحزّ في القلب أن يدوس ممن يحسب نفسه من كبار الشعراء – واستلم أوسمة الإستحقاق الممتازة من دول – على هامة عملاق من عمالقة الشعر العربي المتجدد ،  بل العالمي  بعد وفاته ،  كلمات ثعوزها المروءة والأخلاق ،  و للعلم أنا لا أعرف البياتي شخصيا ولا واحداً  من مخصوصيه   وكأنما الرجل  يستصغر عقول القراء الكرام ومتعدياً على مروءتهم ، ومعرفتهم بخفايا الأمور  ، فيريد أن يفهمنا قول المتنبي العظيم دون أن يتفهمه :

ويدفنُ بعضنا بعضاً وتمشي  ***  أواخرنا على هام الأوالي !!

ولو جاء هذا الأمر من عامة الناس لما أوليته هذا الاهتمام ، وكاتب هذه السطور قد ألف محاولة بسيطة عن العبقرية وأسرارها مستشهداً بعباقرة الدنيا ببعديها الزمكاني ،  وضمن كتابه عن ضرورة تمجيد أفذاذنا   قول العقاد العظيم ” فماذا يساوي إنسانٌ لا يساوي الإنسان العظيم شيئاً لديه ،  وأي معرفة  بحقٍّ من الحقوق  يناط بها الرجاء إذا كان حقّ العظمة بين الناس غير معروفة ” (6) ،  ومرادي من التكرار  تذكير  المأمول في العقول ، ولأنّ دنيانا تسير بالمقلوب ، وكلّ  جهدنا مسلوب، وتقع المسؤولية التاريخية لتصحيح المسار المطلوب على عاتق المثقف الموهوب ، والسياسي المرغوب ! ، وليس على كاتب هذه السطور المغلوب   ….!! ولأن – مرة ثانية – الإشارة لا تفعل فعل الحجارة ! والنيل من عبافرة العراق ورجالاته الأفذاذ في جميع المجالات ، لا يجوز السكوت عنه مطلقاً، بل تعتبر جريمة أخلاقية وتاريخية ووطنية  لمن يفقه سبب تخلفنا الرهيب واقتتال أبنائنا ،  و يعرف الوطنية الحقة المقلوبة ، وتعب الأيام ، وسهر الليالي ، والإصرار والتفاني والتضححية والأخلاق ، فناهيك عن قدمائه . خذ من معروفه وسيابه وشبيبه ويعقوبه وعبد جباره وسليم جواده ومقتل بدريه وذبح السيد صدره  حتى بياتينا وجواهرينا…  نعم  نتذكرهم بعد مماتهم – والحمد لله – بمقالات عاجزة ، وبحوث غير نافذة  !! وفي يومنا الحاضر هنالك  العشرات من الفنانين والاكاديميين والتقنيين والعلماء والشعراء يجوبون هذا العالم …وهذه الدنيا… في داخل العراق وخارجه ، لا يسأل عنهم سائل ، ولا يبالي بهم عارف ،  وهم ممن لا يحتاج إلى تعريف…

والأمم  ،  بل الإنسانية جمعاء ،  لا تنهض شامخة عامرة إلا بعظمائها الكبار ، يقول  رالف والدو إمرسن (1803-  1882 ، وهو من أكابر أساتذة   الحكمة  والفلسفة وأعلام الأدب في التاريخ الحاضر (امريكي) في كتابه الشهير   ( ممثلو الإنسانية ) ” ربطتْ الإنسانية مصيرها  في جميع العصور بأشخاص قلائل ، كانوا جديرين بأن يكونوا قادة أو صانعي قوانين وشرائع ،  ومع كل عقل جديد يتجلى سرّ جديد من أسرار الطبيعة … ويكفي وجود رجل عاقل حكيم بين جماعة من الناس ليصبحوا جميعاً عقلاء حكماء ،  فأن العدوى حين ذاك سريعة، والرجال العظماء قطرة تزيل من عيوننا عواشى الأنانية … ” ولا تتخيل الذي مات منهم قد فات، فيواصل إمرسن  – وهذه المعلومات لم أدرجها في كتابي عن العبقرية لتكثيف مواضيعه – قوله ” والعبقرية الإنسانية هي وجهة النظر الصحيحة في التاريخ ، فالصفات  تبقى مرتسمة على جبين آخر، وإن رحل أصحابها ، وقد وجد الرجال العظماء ليكونوا مدرجة لظهور رجال أعظم منهم …” وببساطة البقاء للنوع  لا للفرد ، والنوع بعظمائه القلائل ، فلا تبخسوا رجالكم حقوقهم  يارجال ، ويقول جلّ شأنه ” ولا تبخسوا الناس أشياءهم …” ( الأعراف  10) ، بمعنى أخر لا تثبطوا العزائم ،  وتضعوا العراقيل أمام عقول الوطن .  وأفكارإننسانه، وإلا سنبقى آخر الأمم … قليلاّ من الوفاء والحياء  يا مسؤولي العراق في حميع عهوده..!! ولو أن الله منح العبقرية عزيمة لا يزعزها مزعزع، والرياح لا تجابه الجبال ، ولكن وقفوا لها بالصيد والمرصاد !  ربما تقول كلّ هذا عن البياتي ..نعم بكل تأكيد عن البياتي كأحد رموز للعبقرية ،  ومثله مثلهم ، وللتوعية  والتذكرة !
نعود لبياتينا  الكبير ، دخل الصبي مدرسة (باب الشيخ الأبتدائية) في  في منطقة  (شيخ رفيع )  ،وفي سنة 1939 م ، كان في السادس الأبتدائي (7) ، يذكر هذه  المعلومة  الأستاذ فؤاد التكرلي الذي يذكر أنّ مدفنه في مقبرة السيدة زينب بدمشق  ، وهذا المعلومة  غير صحيحة ، بالرغم من أنها حديثة العهد وشهيرة، وعلى أغلب الظن وردت سهواً ، ولكنها تجعلني  غير مطمئن تماما لتواريخه ، ويستطرد التكرلي أنه في سنة 1943 م كانا في الثالث المتوسط  في ( متوسطة الرصافة للبنين ) بمحلة السنك ، ويلمح  أنه كان انعزاليا منطويا على نفسه  قليل الأصدقاء(8) ،  وهنا يجب التأمل قليلاً ، فالمرحلة حساسة في كبت العقد النفسية في العقل الباطن  ، هل هذا الانطواء والانعزال جاء عقبى اشمئزازه من أصحابه كردّة فعل لتصرفاتهم السيئة ضده ، أم لزهوه واستعلائه عليهم ، لأن هنالك كلمات هجائية قاسية وردت بشعره على صيغة شتيمة وسخرية ( خصي …كلب …ضفدع …بوم …إلخ) ، بل كان مشاكساً مع زملائه من الشعراء الكبار ،  ويرى يجب فرض قصائده بالقوة ، ويدافع عنها بشدة – مهلا سنأتي على السبب –
وعلى ما يبدو لي مما ذكره التكرلي ، إنَّ البياتي ، أمّا دخل المدرسة متأخراَ بسنة لظروف مرحلة  بديات ثلاثينات القرن الماضي ، أو لحالته المادية التي لم تساعده ، وإما تأخر سنتين في مرحلتي الأبتدائية احتمالاً والمتوسطة حتماً ،  تخرج من (الإعدادية المركزية ) ، الفرع الأدبي سنة 1945 م ، ودخل الكلية العسكرية ، ولم يمض ِفيها سوى ثلاثة أشهر ، وخسر سنة ثالثة ،  لإنشغاله بالشعر همه الأول والأخير ، والشاعر بطبعه لا يميل إلى الالتزام ، لأنه يحدد من حريته ،  والحرية أساس الإبداع والإلهام ، وتخرج من دار المعلمين العالية (1950 م) فرع اللغة العربية مع زميلته الشاعرة لميعة عباس عمارة ، وكان هو والسياب ونازك وبلند الحيدري من الرواد الأوائل للشعر الحر ( شعر التفعيلة ثم انشقت منه قصيدة النثر  حتى وصلت للومضة )  (9)، وفي سنة تخرجه أصدر ديوانه الأول ( ملائكة وشياطين) ،  واشتغل مدرساً  بعد تخرجه لثلاث سنوات ،  ثم اشتغل بالصحافة والإعلام ، ونقف عند هذا ،  لأنّ لنا موقفاً بعد هذا !

وأرغب أن أعرج على العنوان الذي صدّر الأستاذ التكرلي به مقاله  ”  شاعر لم يكن يهمه شيء سوى بناء اسطورته الشخصية ” (10) ومن وجهة نظري كان الأجدر أن تبدل كلمة (الشخصية ) بـ (الشعرية) ،  لأن الأولى ربما  مثلبة ،  والثانية حقّاً منقبة .

وهنالك خيط رفيغ  للفصل بين تمازجهما ،  وعلينا أن  نميز بين العباقرة ،  ومن العباقرة الشعراء الملهمين  ،  وبين الأبطال ،  ومن الأبطال الديكتاتوريين ،  فالفرق أحياناً  كبير في السبل التي يسلكونها لتحقيق غاياتهم، يرى العقاد في ( تعريفه بشكسبير ) : ” وكلا البطل والعبقري معذور في عنفه وإصراره وانطلاقه إلى الغاية التي لا محيد عنها، لأنهما يطلبان ما ينفع الحياة والأحياء، ولا ينفعهما إلا بمقدار ما يحققان من تلك المنفعة الباقية،  غير أن البطل والعبقري قد يتفاوتان في هذه الخميلة ، فإن البطل قد ينحرف عن الجادة الكبرى مرضاةً لكبريائه وسلطانه ،  ولا يكترث العبقري لجاهٍ أو سلطان إذا حادا عن غايته ، وهي خلق الأمثلة الجديدة والقيم البديعة في أحلام الناس ،  ثم في واقع الحياة ” (11) ، وهذا ما يعبر عنه البياتي في قصيدته ( الموت و القنديل ) :

صيحاتي وأنا أتسلق أسوار المدن الأرضية
أرحل تحت الثلج أواصل موتي (…) حيث
الموسيقى والثورة والحب وحيث الله .

استطراد لتلطيف الأجواء ، وهذا ديدني …!! :

كل شاعر وعبقري يصارع من أجل أسطورته الأدبية وأكثر ،  وأتينا الآن على ما فات من أسباب ، والموضوع يتجلى في تاريخنا ، وتاريخ الأمم الأخرى ،  بالقخر وهجاء الأنداد ، والمساجلات والمعارك الأدبية ، والأدب يتسع للجميع  ، وينادي هل من مزيد ،  وسناتي بالأمثلة ، لتلطيف الأجواء  ، وزيادة الإثراء  ،  ثم نعلق  هل نسيتم تناقضات الفرزدق وجرير ،  يقول أولهما للثاني :

يا ابن المراغة كيف تطلبُ دارماً *** وأبوكَ بينَ حمارةٍ وحمارِ ِ

فيجيبه الثاني على سبيل الفوز والغلبة ، والدافع  الصراع  :

هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا *** مداخل رجس ٍبالخبيثات عالم ِ

ومات الفرزدق 110هـ على رواية ، فرثاه جرير أشجى رثاء ، والسبب انتهى شعره المتجدد ، والصراع  – وبكلمة أرقى التنافس –  تفرضه الحياة على البشر ، وهذا البشرالطامح للخلود السرمدي ، ينظر إلى الأبعد والأبعد ، ويتوجس بغريزته من الندّ ليس على مستوى الحياة فقط ،  بل وعلى طول  الممات ، وما درى هذا العملاق الأدبي – وإن درى يتنافس ويغبط – أن الشعراء والفنانين غير العلماء ، فالفن والشعر مجالهما الخيال ، والخيال يتسع للجميع ، والعلم تراكمي مؤسَّس جهداً على جهد ، لذلك الشعراء والفنانون :
لا يدفن بعضهم بعضا، ولا تمشي أواخرهم على هام الأوالي
مع الاعتذار للمتنبي العظيم ، لذلك جميع العمالقة في الشعر العربي والعالمي بقوا خالدين ، فهذا امرئ القيس والشنفرى وعنترة وزهير والتابغة والأخطل وجزير والفرزدق وأبو نؤاس وأبو تمام وابن الرومي والبحتري والمعري والمتنبي والجواهري وشوقي والقباني ودرويش  والسياب والبياتي ونازك ……..وطاغور وشكسبير والشيرازيان وشارل بودلير ودافنشي وأنجلز ووووووو، نرجع إلى الأمثال مستطردين .

والبحتري  وصل إلى قصور الخلفاء ، وأصبح شاعر القصر الجعفري في سامراء  ( والأصح لغوياً سرّ من رأى) ، وكان يجالس الخليفة المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان ،ومن جاء بعدهما ، وكان معاصره ابن الرومي موسوساً فقيراً مسكينا متطيراً ، هجا البحتري بقصيدة ،لأنّ الأخير كان يحط من منزلته وشأنه وضعفه ، قال ابن الرومي من قصيدته :

الحظ ُّ أعمى ولولا ذاك لم نرهُ ***  للبحتري ّ بلا عقل ٍ ولا حســب ِ
وغدٌ يعافُ مديح الناس كلهمُ ***  ويطلب الشتم منهم جاهدَ الطلب ِ

البحتري على سمو رفعته الرسمية والإجتماعية وشهرته – ابن الرومي اشتهر بعد موته – لم يغفر لهذا المسكين البائس ،  أرسل إليه تختاً يحتوي مواد غذائية وملابس وكيس دراهم ، وفي داخل التخت بيتان من الشعر تنمان عن اللؤم والحقد :

شاعرٌ لا أهابهُ *** نبحتي كلابهُ
إنًّ مَن لا أعزّهُ *** لعزيز ٌ جوابه
ُ
والبحتري على أغلب الظن كان يهابه شعرياً ،وهذه فلتة لسان لا تعبر على اللبيب .
دعونا عن طغيان المتنبي لبناء اسطورته  بالليل والخيل ، وأيّ محل ارتقي ، والدهر من رواة قصائدي ، وأبي العلاء المعري ، وإني وإن كنت الأخير زمانه ، والا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ  , لنصل إلى  حافظ إبراهيم وصراعه مع أحمد شوقي ، فلم تـُعطَ الإمارة إلى شوقي حتى نال حافظ شهادة شاعر النيل ، ولو أنّ الأخير أول من بايع الأول !!  ، ومن الطريف أنّ حافظ هجا شوقي بتورية :

يقولون : إنَّ الشوقَ نارٌ ولوعة ٌ ***فما بال (شوقي ) اليوم أصبح بارداً؟ !

وما أراد الشاعر شوقه ،  وإنّما أراد (شوقيه ) ، فرد شوقي الصاع بصاعين بتورية أقسى  :

حمّلنا الإنسان والكلب أمانة ً***فخانها الإنسانُ… والكلبُ (حافظ ُ)

أما المعارك الأدبية والشخصية  بين الزهاوي والرصافي  ، و التي أشعل  فتيلها أحمد حامد الصراف  ، فليست ببعيدة عن الأذهان  ، قد استمرت حتى وفاة الزهاوي 1936م .

نرجع لبياتينا  والعود أحمد …!! والبياتي من هؤلاء بالطبع يريد أن يبني اسطورته الشعرية والأدبية من أجل الخلود ، وما عساه أن يفعل ؟! هل يدور خائباً يلاحق الشمس أنـّى تدور ، بلا دور سوى التقصير والقصور ؟ ويكون كما يقول المثل الجاهلي الذي استشهد به الجواهري مرتين ( كحامل التمر من جهل إلى هجر ِ) ، أم أنّه يسابق الريح ، ليأتي بجديد مريح ،  فليسرق النار من الألهة  كسارق نبيل ، ويقدم الحكمة والعلم  والرؤية الصائبة  للأجيال والأنام  ،  وليلعنه من يلعن من الأباء  في الظلام  !! كما فعل الإله الجبار (بروميثيوس ) الأغريقي المحب للبشر ، فغضبت عليه الألهة في أسطورته !  هذا التنافس والصراع بين العملاقة لسرقة النار – وإن كان فيها نرجسية –  يخدم الأدب والإنسانية ، وإلا فالسكون جمود خمول ، والجهد الضائع نتاجه تراب مبذول , وقالها البياتي في قصيدته ( سارق النار ) :
داروا مع الشمس فانهارت عزائمهم
وعاد أولهم ينعي على الثاني
وسارق النارِ لم يبرح كعادته
يسابق الريح من حان إلى حان
ولم تزل لعنةُ الآباء تتبعه
وتحجب الأرض عن مصباحه القاني
وحدي احترقت ! أنا وحدي ! وكم عبرت
بي الشموس ولم تحفل بأحزاني
إني غفرت لهم إني رثيت لهم
إني تركت لهم يا رب أكفاني
وما علي إذا عادوا بخيبتهم
وعاد أولهم ينعى على الثاني

ولعلك تسألني ، ألم تقل أن الأدب والشعر والفن  يتسع للجميع ، فلماذا التنافس والصراع لسرقة النار ، وبناء الأسطورة ؟!
عزيزي – القارئء الكريم – هنالك خصائص للعبقرية والشعراء الملهمين و الفنانين الكبار ،  ذكرتها في كتابي ( للعبقرية أسرارها   …) ، وهي تنطبق على معظمهم ،  أنا لا أحتاج ألى معرفة الجواهري وذويه ، ولست ملزماً بصداقة البياتي والتقرب إلى متعلقيه ،  لأكتب عنهما ،  وأحلل نفسيتهما , واتفهم سلوكهما ، وإلا لحتاج الناقد أن يخترق كلّ الأزمنة , ويجوب جميع الأمكنة للكتابة عن أفذاذ العالم ،  العقاد والمازني كتبا عن ابن الرومي ، وقد جاءا بعده بأكثر من ألف ومائتي عام ،  والدكتور طه حسين كتب عن المتنبي بعد ألف عام ،  وذلك لأن الشعر هو الشاعر نفسه ، والكلام صفة المتكلم . إضافة لما تزودنا به علوم النفس والاجتماع والتاريخ ،  نعم قد نحتاج المتعلقين بالقصائد الضائعة ،  والمعلومات الخصوصية عن البيئة  والسلوك الشاذ عن شذوذ العباقرة لاستنباط أشياء جديدة ، ومعلومات مفيدة ، يفهمها من يفهمهم  بعد تطابقها أو مقاربتها لسلوك عباقرة آخرين .
التسابق للسعي وراء بنا الأسطورة ، تقف وراءه ( الأنانية ) التي تبدأ مع ولادة الوليد بشكل غريزي لاستمرار الوجود ، ثم عندما يتطور الأحساس غير المدرك إلى الذاتية المدركة ، تتمركز الأنانية حول ذاته ، وأخيراً تخفت تدريجيا كلما ازداد تصادمه مع إرادات الأخرين حتى يندمج مع المجتمع ويصبح جزءًا من كيانه ،  أما الشاعر الملهم والعبقري الفنان تبقى غريزة الأنانية قوية لديه ، فلا تستغرب عندما يبالع في نتاجه ،  ويزهو بنفسه ، ويشتد عناده ،  ويتمسك بأصراره ويبحث عن مراده  لبلوغ أسطورته ، لا يلتفت إلى يمين أو شمال سيان على المستوى الفردي أوالمستوى  السلطوي بأتجاهاته المختلفة  !  ولكن متى وقع تحت وطأة الآخرين ، وقسوة الأقدار تنحرف عبقريته عن مجالها الإنساني الشمولي  (12) ،  لذلك يقول دافيد ديتشير ” التعبير عن الذات في الفن لا قيمة له إلا إذا أضاء الفنان في التعبير عن نفسه بعض التجارب الإنسانية ، أي يجسد تجربة ما مرتبطة بالتجربة العامة للناس وبالتالي ذات قيمة موضوعية ” (13) وت . س . إليوت يذهب أبعد من ذلك ،  فهو يرى ” الشعر ليس إطلاقاً لعنان الانفعال ، بل هروب ، وليس تعبيراًعن الشخصية ،  بل هروب منها ” ثم يزيد قائلاً ” إنّ تقدم الفنان ما هو إلا دأبه على التضحية الذاتية  ،  أي دأبه على محو شخصيته ” ،  وهذه المقولة قد تتبناها بعض المدارس الشعرية الغربية ،  ومال إليها عدة شعراء عرب كبار ،  المهم  متى ما استطاع الشاعر الملهم أن يوازن تماماً بين الحقائق الخارجية والوجدان ، وهذا ما يطلق عليه بالمعادل الموضوعي (14) ، استطاع أن ينبثق ويشق طريقه نحو الخلود ،  وهذا ما تأثر به شاعرنا الكبير البياتي الذي جاب الدنيا مشرداً ومنفياً ومتنقلاً ومتأثراً بشعراء عالميين كناظم حكمت وروفائيل ألبرتي وبابلو نيرودا وغيرهم ، ومعجبا بنضال وإصرار وتضحية الشاعر الأسباني الكبير عارسيا لوركا حتى القتل على يد  قوات الديكتاتور فرانكو، لذلك يعتبره الناقد المصري المعروف رجاء النقاش شاعراً عالمياً يكتب باللغة العربية ،  ورشحه لجائزة نوبل  ،  وهو محق في رأيه ،  وفيما أحسب أنـّه أكثر الشعراء العراقيين ،  وربما العرب ،  ترجمت أشعاره للـّغات الأجنبية ،  ولكن أرى السياب وقباني  والجواهري ونازك  أقرب للأذن العربية ،  بسبب ضعف الإيقاع الموسيقي عند البياتي إلا عند الحداثويين ، والناس أجناس , يقول شاعرنا  في قصيدته ( الموت في البسفور، التي نظمها في اسطنبول بتاريخ 4 / 11 / 1973 ،  إلى ذكرى صديقه ناظم حكمت :
بعدك كان الموت والفراق في استامبول
يمارسان لعبة المنتظر المخدوع
(منورٌ ) تزوجت ورحلت
والآخرون أحرقوا الجسور (15)
توفي ناظم حكمت في 3 حزيران 1963 في موسكو ، ومنور زوجته الأولى ، تزوجت بعد وفاته ورحلت .
ومن أسرار العبقرية الملهمة للفنان والشاعر ، بقدر ما تكون الأنانية عنده قوية لأبراز الذات في سبيل الخلود ،  وتراه يفخر بعمله ، ويزهو بنفسه  ، ولا يكترث لغيره  كما أسلفنا ،  تدفعه للإصرار والتفاني لتكملة المشوار ،  أناء الليل والنهار ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود ،  إذا اقتضى الأمر في سبيل الحق العام ، والعدل التام ،  ربما لا تحدّه حدود ، ولا تصده سدود إلا الحنان  على الأبناء ، فلا يستطيع تجاوزه ، فهو خط أحمر ،  لايستطيع تجاوزه لتعلقه بحياة الأقربين ،  والبياتي ناضل نضالاً مريراً في سبيل الشعر ، وهذا أكسبه شهرة كبيرة عربياَ ولعله فاق الشعراء العرب عالمياً. ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ!!

3 – الدكتورصلاح خالص ودعوته أواخر 1953م … والدعوة  الجديدة لمدرسة واقعية أخرى حسب الظروف الموضوعية الحالية   !! :
أسرار الحياة عجيبة غريبة ،  واللبيب من يكتشفها ، ويشير إليها ليسجل نقطة لصالح الإنسانية ، وهذا شأن العباقرة التي بنيت الحضارة على عاتقهم في جميع المجالات المهم أنّ الأمور عابرة عليك وتعرفها ، فمن منا لا يعرف ” على قدر أهل العزم تأتي العزائم ” ومن منا لا يعرف ” لكلّ جديد لذة ” ومن منا لا يعرف ” لكلّ امرئ من دهره ما تعوّدا ” ومن منا لا يفقه ، وهم قلائل في التاريخ البشري، ولا أريد أن أضرب الأمثلة والمشوار قصير ، ولكن كم من  مليارات أفراد النوع الإنساني مثل أرخميدس وحمامه ،  والخوارزمي وجبره ،  وابن خلدون ومجتمعه ونيوتن وتفاحته ،  والمتنبي وحكمته  ،  هنا  أرغب أنْ أنوّه عن الشعر و أود أنْ أشير ليس ” أمس الذي مرّ على قربه ….يعجز أهل الأرض عن رده ” ولكن العبقرية تكمن في الإشارة إليها ، وتسجيلها ، والمضحك أننا ننبهر بها ونصفق لها ،  ونقول : إننا نعرفها ونتوهم بساطتها  ، نعود لشكسبير ولغته ، وابن رشد وديكارت …و شكهما المنهجي  وآدم سمث واقتصاده الذي بناه على التنافس والأنانية ، والأنانية إحدى ألعوامل الرئيسية لنجاح رجال الأعمال الكبار ، ولفرض هيمنة دول على دول أخرى ، وفي الوقت الذي نادى في عصر التنوير توماس هوبنز بدكتاتورية السلطة لتحقيق العدل والمساواة على أساس الإنسان شرير بطبعه ، ولولا السلطة الصارمة لسادت شريعة الغاب ،  و ذهب جون لوك وجان جاك روسو إلى أن الإنسان خير بطبعه ، وكانت الأخلاق سائدة في عصر المشاعية الأولئ في القدم  ، وطالبوا بالحرية الشخصية للفرد ، و يجب وضع عقد اجتماعي بين الفرد والدولة لتطبيق القوانين ،  وتحديد الحرية الشخصية بحيث لا تؤثر على حرية الآخرين  ،وعلى فلسفة جون لوك ومريديه سارت آمريكا ، وعلى آراء وفلسفة جان جاك روسو وأشياعه خطت فرنسا خطواتها ، أما الإسلام سبقهما  مذهباً وسطاً ،  وإن قدم الفجور على التقوى، ولكن أعطى الإنسان عقلاً ليتحكم في سلوكه ، ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس 7 – 8)،والعقل نادى به العرب والمسلمون قبل غيرهم من المعتزلة حتى أبي  العلاء  المعري ، والشيعة رفعوا علم الأجتهاد لا القياس ،  لعلمهم أن الزمان يتطور  وما هذه المقدمة البسيطة إلا لكي نصل إلى أن العبقرية أنانية تحتاج إلى الحرية والعقل  للإبداع ،  إذ أن العقل  يتدخل ا للتوازن المقبول اجتماعياً حين الأنحراف أو التمادي ،  ومن دراسة الغرائز الأساسية في علم النفس على  الكائنات الحيوانية ومنها الإنسان   ،  وجد( بافلوف) ترتيب االغرائز من الأقوى للأضعف تأتي كما يلي : 1 – الأمومة  2 – العطش 3 – الجوع  4 – الجنس ،   (ومنهم من يضع الجوع قبل العطش ) ، وهذا لايهمني ، تهمني الغريزة  الأولى : الإمومة  وتقابلها الأبوة عند الذكر ، وتتولد عقبى إفراز هرمون  البرولاكتين من الفص الأمامي للغدة النخامية، ودافعها تلبية حاجات الأبناء والحفاظ عليهم ورعايتهم ومن هنا يتشكل الحنان المفرط ، ويزداد طردياً بازدياد إفراز الهرمون المذكور , أما غريزة الجنس الأخيرة دافعها التملك ، وحاجتها تلبية اللذة ومن ثم الإنجاب، والدليل على أن غريزة الأمومة (الأبوة)  أقوى، إذا تعرض الأبناء إلى المخاطر ينسى الوالدان غريزة الجنس ، وتضعف لديهما غريزتا العطش والجوع ، ومن الجدير ذكره أن الطاقة الجنسية عند الشعراء الملهمين والعباقرة قوية ، كأنما تريد الطبيعة أن تعمم صفاتهم الفذة بين البشرية من باب الصراع ، والبقاء للأقوى ، ولكن (فرويد) يذكر يمكن تحويل الطاقة المتحررة الفائضة للقيام بأعمال أخرى واستغلالها لصالح الفرد كالرياضة وسرعة العمل …أو إلى جهد فكري أو فني ، ومن الفنون الشعر .
وخلاصة القول :إنّ العباقرة والشعراء الموهوبين  – ومنهم البياتي – يتمتعون بصفات منها البساطة والطفولية  ، وإياك أن تعتبرهما سذاجة أو سهولة ،  بل هم أشد الناس صلابة وإصراراً وتحدياً وتفانياً وزهواً ، والأنانية والشرود الذهني أحياناً أمام الأفراد ، ولكن تراهم أكثر الناس تضحية في سبيل الحق  العام (النوع) ،إضافة إلى أمتيازهم بقضية الفوات ،أي لا يحملون الحقد وينسون الإساءة إليهم ، كأنها مسحت بيد ماح ٍ، وهذا  لا يعتبر ازدواجية  في الموقف كما يتوهم البعض ،  بل هو تسامح الكبار ،  وربما يكونون سريعي الغضب في لحظات معينة ،  والمعادل الموضوعي للإصرار والتحدي والتفاني في الظروف الأجتماعية أو السياسية الصعبة هو الحنان والعلاقات العائلية ، يستطيع الشاعر التضحية بنفسه ، ولكن لا يستطيع تجاوز  حدوده ليصل إلى التضحية بأفراد أسرته ، واستغلت الأنظمة هذه النقطة لصالحها ، مظفر النواب انتبه لهذا الموضوغ من باب الترحال والتنقل  وسرعة الهروب خفيفاً، ولكن لم يذق طعم الأبوة ، ومثلما بررنا للجواهري سكوته في زمن صعب وأتينا بأمثلة  تدعم موقفه ، وبيّنا مدى تعلقه بأهله:
ســـــــــلامٌ كلـّه قبلُ ***كانّ صميمها شعلُ
سلاماً أيّها الأحباب *** إنَّ محبــــــة ً أملُ

وصدر كتابه ( ذكرياتي ) الجزء الأول  :” أُهديه إلى من هم أعز علي من صفو الحياة …”.
تأمل في الكلمة  ملياً فأهله أعزّ عليه من صفو الحياة ، وبثّ ما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس ليريح  ويستريح  ، والشاعر رغم التشكي والتبرم والتشاؤم في شعره حيث يصعب التوازن بين الحق العام  ومتطلبات الطموحات العائلية ، فنراه  يشير إلى ذلك في  قصيدته  المرسلة  للسيد جلال الطالباني الذي حثـّه على النضال بعد الحرب العراقية بثلاثة أشهر قائلاً :

يا صاحبي – ويموت المؤمنون غداً – *** وخالدٌ صدقُ قــــــولٍ ناصفٍ زَمِنِ ِ
حتـّى كأنّي – وأشبـــالي – بعيدهـــــمُ  *** عُفـْرُ الأضاحي من المنحورةٍ البُدُن ِ
وكنتُ منهم كمصلوبٍ على وثــــــن *** **ضحى على ربّــــــــهِ يوماً ولم يدن ِ
فلـــنْ أغني بأعـــــراس ٍ مهلهلــــــةٍ *** ** ولنْ أنوحَ علــــــى موتى بلا ثمن ِ

والبيت الأخير واضح  ومبين ، فلا تضحية بلا ثمن ثمين ، يعود  مردوده للشعب والملايين ، هذا رأيه ، والسياب في قصيدته ( مرحى غيلان)  تطغي عليه غريزة الأبوة :

بابا بابا
ينساب صوتك في الظلام إليّ كالمطر الغضير
ينساب من خلل النعاس و أنت ترقد في السرير
من أي رؤيا جاء ؟ أي سماوة ؟ أي انطلاق
و أظل أسبح في رشاش منه أسبح في عبير
فكأن أودية العراق …

فلماذا إذن نتساءل عن سكوت البياتي وصمته ، بل يرميه البعض – كما رُمي الجواهري والسياب – بالوصولية والانتهازية ؟!!، أنا لست بحاجة للاستفسار من أهله والمتعلقين به عن صمته  ، وجبره على السكوت أو المغازلة البسيطة ، ومدى صعوبة التوازن بين حنانه وتعلقه المفعم بالحب لعائلته ، وقوة غريزته الأبوية الفطرية  وبين التعبير عن آمال المجتمع وتطلعاته ومآسيه وأمانيه ، وربما هذا السر لا يبوح به إلى أقرب مقربيه ، فللعواطف المباحة حدود غير متاحة ، أنقل إليك من قصيدته ( أغنية إلى ولدي علي ) ، وتخيل مدى عمق الحنان الأبوي المخزون في حنايا القلب المفعم بالغربة والشوق لفراق ابنه ووداع زوجته   إبان منفاه في لبنان 1955م  :
وَلدي الحبيب
ناديتُ باسمك ، والجليد
كالليلِ يهبطُ فوقَ رأسي ، كالضباب
كَعُيونِ أمكَ في وَداعي ، كالمغيب
ناديتَ باسمك
في مهبِّ الريحِ
في المنفى
فجاوَبَني الصَّدى :  ولدي الحبيب

نداء موجع من قلب أب حنون ، وحزن رجل لفراق زوج وعيون،جمدت الحياة بوجهه كالجليد،ومستقبل مجهول بين ضباب وسراب ، والريح القاسية العاتية لا ترحمه ، تعمق غربته ، ولم يرد عليه ابنه الحبيب سوى الصدى يجيب ليعصر قلبه ويدمع عينه ، ولا تغيب عليك التشبيهات المتتالية المرسلة بوجود أدوات التشبيه ( الكاف) . والأستعارات المكنية كالليل الهابط والصدى المجاوب ، ونواصل ونعقب :

والقاتلون
يُحْصون أنفاسي ، وفي وطني المعذَّب يَسجنون
آباء أخوتك الصغار
ويبشرون بالعالم الحر، العبيد

في هذا المقطع ومنذ سنة 1955م، وكانت الأمور أخف كثيراً مما جاء بعدها من عهود اتسمت بالذبح والقتل وهتك الحرمات واغتصاب المحصنات والتهجير القسري والأغتيالات والحروب والأخذ على الشبهة ، بل لمجرد تخويف الآخرين،أقول ومن تلك الأيام نعت البياتي الحكام بالقاتلين ، ويحصون الأنفاس كالنقود، ولا تخفى الأستعارة المكنية هنا ، ويستخدم الأفعال كلها بالمضارع دلالة على استمرارية النهج والإصرار عليه ، ويختم المقطع بخداع المسؤولين بهذا الطباق بين الحر والعبيد ،هذه الصراحة برسم واقع الحال ، والتبشير بحرية المآل لتحقيق الطموح والآمال ، وعدم الخوف على الأهل والابن والمال , مقدمة لما تسمى بالمدرسة الواقعية .
وكان الشاعر قد مهد  لهذا المنهج عبر تراكمات التجارب الوجدانية الجماعية لرفع المستوى التطوري للمجتمع من الناحية الثقافية والاقتصادية والطبقية ، وشرع للوقوف مع الفقراء والكادحين والمستضعفين بأسلوب قصصي ، وبعبارات  تفهمها العامة ، وترضى بها الخاصة معتمداً على دقة الملاحظة  والمتابعة لجزئيات  المشاهد المتتالية كمصور يرسم الأحداث بريشته الناطقة ، والدافع الحرب العالمية الثانية ، والحروب الذرية ، زالوعي القومي بعد 1948م ،والفروق الطبقية ، وحدوث ثورة مصر1952م والأحتكاك بالتجارب العالمية …إلخ ، حفزت البياتي لنظم قصيدته الجميلة ” مذكرات رجل مجهول ” :

8 نيسان
أنا عامل ، أدعى سعيد
من الجنوب
أبواي ماتا في طريقهما إلى قبر الحسين
و كان عمري آنذاك
سنتين – ما أقسى الحياة
و أبشع الليل الطويل
و الموت في الريف العراقي الحزين –
و كان جدي لا يزال
كالكوكب الخاوي ، على قيد الحياة
13
مارس
أعرف معنى أن تكون ؟
متسولاً ، عريان ، في أرجاء عالمنا الكبير!
و ذقت طعم اليتم مثلى و ضياع ؟
أعرف معنى أن تكون ؟
لصاً تطارده الظلام
و الخوف عبر مقابر الريف الحزين !
16 حزيران
إني لأخجل أن أعري ، هكذا بؤسي، أمام الآخرين
و أن أرى متسولاً ، عريان ، في أرجاء عالمنا الكبير
و أن أمرغ ذكرياتي في التراب
فنحن، يا مولاي ، قوم طيبون
بسطاء ،  يمنعنا الحياء من الوقوف
أبداً على أبواب قصرك ، جائعين
13 تموز
و مات جدي ، كالغراب ، مع الخريف
كالجرذ ، كالصرصور ، مات مع الخريف
فدفنته في ظل نخلتنا و باركت الحياة
فنحن ، يا مولاي ، نحن الكادحين
ننسى ، كما تنسى ، بأنك دودة في حقل عالمنا الكبير
25 آب
و هجرت قريتنا ، و أمي الأرض تحلم بالربيع
و مدافع الحرب الأخير ، لم تزل تعوى،هناك
ككلاب صيدك لم تزل مولاي تعوي في الصقيع
و كان عمري آنذاك
عشرين عام
و مدافع الحرب الأخير لم تزل .. عشرين عام
مولاي … ! تعوى في الصقيع
29 أيلول
ما زلت خادمك المطيع
لكنه علم الكتاب
و ما يثير برأس أمثالي من الهوس الغريب
و يقظة العملاق في جسدي الكئيب
و شعوري الطاغي ، بأني في يديك ذبابة تدمى
و أنك عنكبوت
و عصرنا الذهبي ، عصر الكادحين
عصر المصانع و الحقول
ما زال يغريني , بقتلك أيها القرد الخليع
30 تشرين 1
مولاي ! أمثالي من البسطاء لا يتمردون
لأنهم لا يعلمون
بأن أمثالي لهم حق الحياة
و حق تقرير المصير
و أن في أطراف كوكبنا الحزين
تسيل أنهار الدماء
من أجل انسان ، الغد الآتي ، السعيد
من أجلنا ، مولاي أنهار الدماء
تسيل من أطراف كوكبنا الحزين
19 تشرين 2
الليل في بغداد ، و الدم و الظلال
أبداً ، تطاردني كأني لا أزال
ظمآن عبر مقابر الريف البعيد و كان إنسان الغد الآتي السعيد
إنسان عالمنا الجديد
مولاي ! يولد في المصانع و الحقول

هذه الأمور دعت   الدكتور صلاح خالص بتحريض من جماعته أن  يشرف على تحرير مجلة (الثقافة الجديدة ) مع الدكتور صفاء الحافظ وقد صدر العدد الأول منها في تشرين الثاني سنة 1953م ربما ما زالت تصدر حتى اليوم ، وكان البياتي يشرف على الجانب الأدبي منها بعد فصله من وظيفته كمدرس ، وهي مجلة اهتمت بالثقافة القومية للعرب والأكراد ، وبالهموم والمعاناة الشعبية ، وكانت تحسب على اليسار التقدمي ، لذلك غلقت عدة مرات  ولكن لم تهيمن عليها جهة سياسية معينة ،  ولو أنها حسبت على الشيوعيين  وإنما تقدمية وطنية قومية إنسانية شعبية  كتب فيها الشيخ الشبيبي والدكتور المخزومي والدكتور صلاح خالص  والدكتور إبراهيم السامرائي ، والدكتورة نزيهة الدليمي والدكتور فيصل السامر والدكتور محمدمهدي البصير والدكتور حسين قاسم العزيز ،  ومن الشعراء السياب والبياتي وكوران  إضافة إلى القصاصين  فؤاد التكرلي والدكتور شاكر خصباك وعبد الملك نوري، وفي المسرح يوسف العاني …(16)  بحوث رزينة ،  ومقالات رفيعة , وأشعار رائدة  وقصص هادفة  لشخصيات كبيرة وشهيرة ومعروفة، ثم أصبح د  خالص رئيسا لتحريرها ( 1954- 1969 م) إضافة لتأسيسه مجلة (الثقافة) ، ورئاسة تحريرها بين السنوات (1971 – 1987 م ) بعد وفاته ،  والرجل من مواليد البصرة (1925م ) ،  ولا يهمني في بحثي عن البياتي إلا مقال الدكتور خالص الذي نشر في العدد الأول المذكور تاريخه آنفاً تحت عنوان ( المدرسة الواقعية في الفن والأدب) ،  كما عرض الدكتور صلاح خالص كتاب الدكتور صالح أحمد العلي الموسوم: ” التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة  ” ،
وعلى إثره تصارع البياتي والسياب على أيّهما أكثر فناً لتفهم المدرسة الواقعية ، والتقرب منها  حتى تطور الأمر إلى كتلتين متصارعتين حولهما من القوميين والشيوعيين  ،  أما نازك الملائكة فقد وقفت ضد تسييس الشعر ،  وكتبت مقالاً تحت عنوان (الشعر والمجتمع (17)  ،  ونظم السياب ( أطفالنا ، ونظم  البياتي (السجين المجهول ) ،  أما كوران فقدم قصيدة ( مصير العشاق ) ونشروها  في المجلة الجديدة ،  من قصيدة البياتي:

عبر السجن عبر الظلمات
كوخنا يلمع في السهل
و موتي و النجوم
و قبور القرية البيضاء و السور القديم
…….
عبر السجن غنوا يا رفاقي
يا رفاقي و النجوم
يا رفاقي في الطريق

و مسرات ليالينا العميقة و الطواحين العتيقة
من المفرادت يتبين لنا توجهاته السياسية حينذاك ، وفي العدد الثاني قدم البياتي الشاعر بابلو نيرودا كشخصية العدد ، والسياب نشر قصيدته (البغايا في الليل )، وسار الشاعران في بداية حياتهما الشعرية على طريق المدرسة الرومانسية  التي تعتمد على الوجدان والإسلوب الفني والذاتية ،  ومن روادها خليل مطران وإيليا أبو ماضي ،  وخصوصاً في مرحلتهما الجامعية ، ولا ننسى الجواهري في بداياته ، وجاءت المدرسة الرومانسية – التي خفتت 1945م – على أعتاب المدرسة الإتباعية ( البعث والإحياء الكلاسيكية ) الني أحياها البارودي ومن بعده شوقي.
ولكن السياب انشق  عن الخط الماركسي واتجه نحو التيار القومي  وبالرغم  من مدحه عبد الكريم قاسم الذي لم ينصفه ، ثم هلهل لحركة 8 شباط  بقصيدة  فنال الصاع صاعين !! وحدثت مشاحنات ومقالات قاسية بينه وبين رفاقه السابقين ، وكانت نازك محقة إلى حد ما  في توجهاتها الفنية وأبعد نظرا ، نظراً لإنتكاسات الشعراء من بعد ووقوع الشعراء تحت وطأة الطغاة إلا من هرب ونجا بجلده ، وبقى خائفاً أن يعلن عن رأيه الصريح بالنظام وبررنا الأسباب إلا السيد مصطفى جمال الدين من المشهورين خصّ النظام بالهجاء المرير بعد أن سحب كل عائلته والمتعلقين به من مخيم رفحاء ، ولا أعتقد أن مظفرالنواب  نظم عن النظام الفاشي بشكل خاص ، وإنما عممَّ  هجاءه على جميع الحكام باستثناء القذافي  ،وهذه من وجهة نظره ليس منقصة له بل كان ذكاء منه لديمومة نضاله ، ولكن شمولية الهجاء تخفف الضغط عن مخصوص بعينه ( يا ستة سويت الستين ! ) ، وربما عنده هجاء قاس ٍ مخصوص بالنظام الفاشي ولم أسمع به  ،والحقيقة أنا  أخترت النواب من بين عباقرة الدنيا الأولين والآخرين على أمتداد الزمان والمكان لدراسة خصائصهم وكيفية تشكل العبقرية بدراسة مقارنة ( مجرد محاولة ) ، لأنه أكتسب شهرة عظيمة في الوطن العربي ، وفرض الشهرة  مكملة للعبقرية   .
المهم أخذ الكتاب والشعراء  يتهافتون على توعية المجتمع العراقي في عصر متخلف تسوده الإقطاعية المنهارة  والفقر المقذع ،  والجهل المتفشي ، والأمراض الأجتماعية السائدة ، فلا تستغرب حين ينظم الجواهري مستبقاً تنويمة الجياع ( نامي جياع الشعب نامي ) ، والمصير المحتوم (أيا ابن سعيدٍ يلهب الناس سوطه ) ، وبعد المقال نظم قصيدة الراعي ( لفّ العباءة واستقلا) ،  والسياب سبق بالمومس العمياء وحفار القبور والأسلحة والأطفال وأنشودة المطر  ومزج مابين الواقعية والرومانسية – كالبياتي – ووظف الأسطورة والرمز للوصول الى غايته  ، والحقيقة هذه من سمات الواقعية التي تعتبر الأنسان هو المحور  وتعرية الزيف  الأجتماعي ، أما أن تنتهج منهجاً سريالياً غامضاً صعب الفهم والأدراك من العامة بإستخدام أساطير ورموز عربية أو غير عربية مفتوحة أو مغلقة ! ما أشبه الليلة بالبارحة  ،  ولكن هذا لا يصلح للمرحلة الحالية ، فلكلّ زمن خصوصيته ، فبعد احروب وغسل الأدمغة بثقافة موجهة  ، هنالك أسلوب واضح بسيط عفوي بدون إسفاف أو تساهل في  استخدام اللغة وقواعدها ،  يقول الشاعر السوري ممدوح عدوان ” البساطة لا تتناقض مع العمق إذ يمكن للقصيدة أن تكون بسيطة وعميقة بآن واحد ، ولكن هناك التباساً بين البساطة والسطحية  والغموض المقصود بين المباشرة السياسية وبين التعامل الواضح مع الموضوع ” (18) أما الشاعربلند الحيدري في صحيفة بغداد فيقول :  ” حين يكون  المتلقي ابن الشارع العراقي فأنا أتحدث بلغته وبسطاته ، أما في قصيدة (حوار عبر الأبعاد …الثلاثة ) فهناك متلق آخر يدرك أبعادها من خلال الإنسان في المطلق كما يقول (هيغل) وهي قصيدة ذات أبعاد فلسفية بحاجة إلى قارئ من طراز أخر يدرك لمعرفة جوهرها الفعلي ،  في الأعوام الأخيرة يحس القارئ أن بلند الحيدري يتعامل مع القصيدة ببسهولة وبساطة ملفتين ، ويرى بعض هؤلاء ، بأني قد تخلفت عن تجاربي السابقة  ، وهذا حق لا أنكره وهو الحق الذي وجهه بعض النقاد إلى (بابلو نيرودا) حينما سألوه لماذا تكتب شعرا بهذا المستوى ؟ فأجاب ” تعالوا وأنظروا الدم في الشوارع  ثم أسألوني  لماذا أكتب هذا الشعر ليكفي أني أكتب شعراً ،  أرخت به حياتي وما أثير به أبناء شعبي …” (19)   وما أحوجنا إلى هذه النهضة لتوعية المجتمع للوحدة الوطنية ومحاربة الجهل والمرض والفقر بعد عقود من الحروب والصراعات والتكتلات ، بشرط عدم تسييس الشعر والإنحياز إلى جهة معينة ، والحث على الكراهية  والفرقة والبغضاء في زمن حرج وصعب وحساس   بمعنى ما يشبه التزواج بين أراء نازك وتخوفها من الإنجرار إلى ما لا تحمد عقباه وبين أراء وتوجهات المدرسة الواقعية المنفتحة البليغة  المستقلة والتي تصب في مصلحة العراق كله ، هل نحن مدركون أم غافلون،الوطن في خطر شديد بإعاقاته الداخلية ، وتكتلاته في جميع الأتجاهات ، ومخاطره الخارجية ،  والشعب العراقي حيوي لا تعوزه العبقرية ولا الرجال الوطنيون المخلصون، هل أنتم تتذكرون وعاملون ؟ !كان الله في عون شعبنا وعونكم  وعون الجميع ،  وعون البساطة العميقة الهادفة المجهولة !  وهذه تحتاج لدراسة موسعة مركزة ،  فعذراً للإشارة الخاطفة العابرة . شكراً لكم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)هو محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي  الحاتمي الطائي، وإن كان أندلسياً ، إذ جاء أجداده إليها منذ زمن الفتوحات الإسلامية، فهو من سلالة عربية عريقة  ، يطلق عليه الشيخ الأكبر ولد العربي في مرسيه الأندلس عام (558 هـ /1164م ) ، وتوفي في دمشق (638 هـ /1240  م) .
(2) ترجمان الأشواق  : محيي الدين ابن عربي ط 3 صنة 2003 م المقدمة دار الحصاد
(3) هو عبد القادر الجيلاني ( الكيلاني) ابن أبي صالح موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد ، بعضهم يرجع نسبه إلى الإمام الحسن (ع) ، فقيه حنبلي متصوف ، تنسب إليه كرامات ، ويلقبه مريدوه بتاج العارفين ،  وشيخ الشيوخ ،  ولد في كيلان  (470 هـ / 1077م) ،  وتوفي بعد ميلاد  محيي الدين ابن عربي بسنتين ، وذلك في ( 561 هـ / 1166م) .
(4) صحيفة الشرق الأوسط :  مقال بقلم الأستاذ فؤاد التكرلي تحت عنوان : شاعر لم يكن يهمه شيء سوى بناء أسطورته الشخصية .
(5) الحوار المتمدن : العدد 2069 بتاريخ 15 / 10 /2007 مقال بقلم د . ميسون البياتي
(6) العبقرية الإسلامية : عباس محمود العقاد – المجلد الأول  -دار  الكتاب اللبناني .
(7) الشرق الأوسط : سمبتمبر 2003 الأربعاء
(8) المصدر نفسه .
(9) ولدت عمارة  1929م ترزق الحياة  في (أمريكا ) ، و تخرج السياب 1948 م من فرع اللغة الإنكليزية , وتأخر سنة دراسية في الجامعة , لدخوله بادئاً فرع اللغة العربية , والسياب أيضاًًً من مواليد سنة 1926م ،  توفي قي (الكويت ) أواخر 1964م  ،  وبلند الحيدري ولد في السنة نفسها 1926م ، حياته كانت مضطربة بادئ الأمر ،  لم ينهِ دراسته الثانوية ،  ثقف نفسه بنفسه في المكتبة العامة ،  نوفي في (نيويورك )1996 م   ،  بينما نازك الملائكة ولدت 1923م ،  وتخرجت من دار المعلمين فرع اللغة العربية 1944م ،  وتخرجت من معهد الفنون الجميلة ، فرع الموسيقا 1949م  من بغداد ،  توفيت في (القاهرة) 2007م  ،  أما الجواهري (ت 1997م) ،والسيد مصطفى جمال الدين (1996 م) ،  والبياتي ( 1999م) مكانت وفياتهم في (دمشق الشام) ،  تأملوا رجاء دقيقة  بصمت ،  رحمهم الله في الآخرة   ،  ورحم الله العراق في هذه الحياة و ألم أقل لكم الحياة في العراق مفلوبة على أعقابها  ،  وهذا سبب رئيسي لتخلفنا ؟!!
(10) التكرلي : المصدر السابق.
(11)التعريف بشكسبير : عباس محمود العقاد  عصر شكسبير – 1976م – مؤسسة المعارف للطباعة والنشر.
(12)  للتوسع راجع كتابي ( للعبقرية أسرارها     تشكلها …خصائصها…دراسة نقدية مقارنة) : كريم مرزة الاسدي  – دار فجر الغروبه  1996م دمشق .
(13)الأدب والمجتمع : دافيد ديتشر ترجمة عارف حديفة .
(14) راجع حول إليوت : إليوت : الدكتور فائق متي  طبعة 1966م
(15) سيرة ذاتية  .. سارق النار : عبد الوهاب البياتي  ، ط 2 ،  1985م  ، دار الشروق
(16) موقع النور : مجلة الثقافة الجديدة : فصل من تاريخ العراق المعاصر – أ. د .خليل إبراهيم العلاف
: ديوان ” أباريق مهشمة ” والطريق إلى الأدب الحديث  : سامي مهد gehat.com (17)
(18)  صحيفة السفير : 29 / 9 / 1994م  ص .
(19) صحيفة بغداد :العدد (197) ص الشاعر بلند الحيدري في حوار

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة