Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

الجراد يغتال الحديقة – بقلم : بكر السباتين

القصة ….
بقلم : بكر السباتين …
كان يعيش في سكينةٍ وهدوء.. يخرج إلى حديقة البيت.. يرسل قبلة صباحية إلى زوجته التي كانت منشغلة باحتساء قهوتها أثناء تأملها الزهرات في الأصص المركونة على الشرفة، فتستلهم طاقة البقاء من كبرياء القرنفل وضحكات التوليب وكأنها تستأنس بحواراتها العطرية مع النسائم العابرة، أو فيض الضوء الذي ترسله زهرة النور البازغة من بين أغصان السنديانة إليها.. أما هو، فينشغل في تقليم بعضَ الأغصان التي تعيق حركته الدورانية وهو يسقي الزرع في الأحواض المتوارية تحت كرمة العنب الدالية القطوف. هذا هو أحد أجمل طقوسهما الصباحية. وفي أحيان كثيرة تجده يداعب قطته الوديعة التي تملأ عليه فراغه كلما ذهبت زوجته إلى الطبيب للمراجعة الدورية. فهذه الحديقة جنتهما حيث يتواريان في ظلالها كل يوم بعيداً عن زيف الأصدقاء الذين هجروه حينما أحيل على المعاش. حتى الأخبار السياسية باتت لا تشغل باله كما كان دأبه معها أثناء عمله في الجريدة.. فبعد تكالب الأمراض عليه نتيجة مضاعفات مرض السكري لم يعد يقوى على القراءة ولا حتى الكتابة وثقل عليه السمع، وانتفضت خيالات الأشياء تعربد في مدى نظره الخافت.. وحينما تكررت الحال ذاتها مع زوجته لم تعد هي الأخرى تقرأ له أو تستنسخ أفكاره لتنشرها باسمه على موقع التواصل الاجتماعي.. لكنَّ الأمر قد تغير حينما تذكره أحد الأصدقاء القدامى في زيارة خاصة.. كأنه الجراد يغشى حياته فيحولها إلى هشيم.
كيف بدأ الأمر!!؟
لا باس.. فقد بدأ هذا الصديق الأنيق يسوي من ربطة عنقه.. مراعياً بصوته المجلجل حالة الرجل العجوز الصحية المتردية رغم سلامة روحه وجمال طلته البهية، الذي كور يده خلف أذنه مستجمعا بها بقايا طاقته السمعية.. مركزاً سمعه حتى تجمعت خطوط الزمن حول عينيه الواهنتين، وتهافتت فراشة الود على شعلتيهما المتخافتتين، وكأن الصديق أدرك تفاصيل اللحظة فهمَّ على الولوج من خلال وهنه إلى أعماق هذا العجوز المتقاعد.. فيباغته الصديق بعينيه الجائعتين، كي يستلب من حولهما روح المكان وهو يدور بهما في الحديقة أو يقيس بهما أبعاد البيت، ليبادر أخيراً إلى طرح أسئلة مفخخة بالدهشة والانبهار، ومرصعة بالمجاملات التي عهد بها أثناء عمله في العلاقات العامة وقسم الدعاية والإعلان في الجريدة التي ضمتهما ذات يوم، فيقابل العجوز المتقاعد تلك الأسئلة المراوغة بالصمت فيما الابتسامة مرسومة على محياه، كنوع من تكبير شأن الضيف من باب الأدب الجم وبذريعة أن الرجل في بيته!!.
لكن الصديق بدأ يميل بأسئلته التي لا تنتهي إلى شهية الإنسان ورغباته الطبيعية في تحسين الوضع لذلك راح يزوق له مستقبلاً يناسب ظروفه الصحية، حتى جعلت تلك الأسئلة اليقظة تتسلل إلى عقله الباطن، فتتفاعل أخيراً في رأس ذلك العجوز المتقاعد لتتحول إلى أفكار منطقية ومعقولة، حتى لمس الصديق السمسار بريقها في عيني العجوز المتقاعد الذابلتين، فقال وهو يربت على كتفه بحنان رافقه صوت أبوي خفيض آسر: “يا صديقي رعاك الله، ينبغي أن تدرك بأننا نعيش في زمن المصالح فلا حياة لمن لا يستفيد مادياً من وجوده”.
وكانت أسئلة الصديق على نحو:
” حديقتك ظليلة وجميلة! ولكن ألا ترى بأنها تحجب عنك الطريق!!
وقتك ثمين كما عهدته بالنسبة لك !لكنه يُبَدَّدُ هَدْراً في حديقتك الصغيرة..ألا يَصَعب ذلك الأمرَ عليك كصحفيٍّ قديم!!
ثم أنظر إلى كرمةُ العنبِ تلك.. ما شاء الله.. اللهم بارك لك فيها!! لو فكرت ملياً لوجدتها عبارة عن مشروع تجاريٍّ مربح يحاول أن يوقظ عقلك لكنك تشغله بالغناء ومداعبة الطيور.. نعم مشروع تجاري مربح لو أحسنت تدبيره واتفقت مع سمسار في السوق المركزي لبيع إنتاجها السخي.. أليس ذلك أجدى في حياة تقاس بالدنانير!! على الأقل هذا الأمر سيخرجك من عزلتك القاتلة”. أثناء ذلك يقوم العجوز المتقاعد ويقطف خصلة عنب دالية ويقدمها للضيف بعد أن غسلها بالماء الموجود في الإبريق الزجاجي.. ثم تستمر الملهاة.. وتستمر الزوابع في تجريد الحديقة الغناءة من أحلام العجوز وزوجته التي قدمت لهما القهوة ثم غابت بعد أن جاملها الضيف باحترام جم، والذي جعل يشير بيده إلى القطة الهرمة وهي تتمطى على الأريكة المركونة في زاوية الحديقة:
“قطتك هذه ألا تبعث على الخوف إزاءَ تقلبها على الأرائك في الممر تحت شجرة التين الهائلة!! حساسية القطط قاتلة للكبار! وبالمناسبة يمكن لذات السمسار لو رغبت بأن يسوق لك إنتاج تلك الشجرة من التين (البياضي)! خّّّذها مني نصيحة؛ لا تدع زوجتك تقضي جلَّ وقتها على الشرفة.. ألا تجد معي بأنها تسعل من البرد اللافح!؟”.
وتستمر الأسئلة في العربدة دون رادع وكأنها رسائل من شيطان الحظ الذي وضع السمسار في طريق أحلام رجل وجد جنته في ظلال هذا المكان. لقد أدخله الصديق في دوامة قضت مضجعه.. لكن أفكاره كما يبدو بدت ذات نفع وجدوى حينما تداعبها المصالح وتعطر زهورها الشهوات، فلا يدري كيف جعل الشيطان يعربد في رأسه الخالي من لغط المجاميع في سوق الجشع الذي فتح له باباً ضيقاً في هذا المكان المتواري عن الأنظار. وبدلاً من العيش في سكينة وهدوء، أصبح رأسه مسكوناً بدوامة لا تنتهي من المشاريع والأفكار العجيبة.. شيءٌ ما أعاده إلى حياة الشباب في الوقت الضائع.. كيف حول ذلك الشيطان كل موجودات الحديقة وأركانها إلى شيء ثقيل على النفس والروح!؟ ولا يدري هل هو الجنون الذي قادة للاستجابة إلى نصائح الصديق الذي تحول خلال زياراته المتعاقبة إلى جراد انتشر في رأسه، وحديقته ليقشَّ في طريقه كل محتوياتهما من كبرياء القرنفل وعبق الأحلام المخدرة بأفيون السماسرة! بعدما اكتشف أخيراً بأن صديقه اللحوح كان هو بعينه السمسار المقصود بالفكرة ” بدنا نخدم الحبايب .. الحبايب فقط!”!! لا بأس ما دام المشروع قد سيدر عليه دخلاً متواضعاً؛ وليس من المُعابِ أن يطوِّرَ العجوز المتقاعد مشروعَه الصغير مستنيراً بآخر عبارة قالها السمسار وهو يهم بمغادرته ذات يوم:” الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر حينما تجاوز عمره التسعين ظل متوقداً بروح الشباب”! ولو كان هو نفسه مكانك لفعل كما أشرت إليك”. لذلك استجاب العجوز المتقاعد لمقترح صديقه السمسار الأخير؛ بتأجير الجزء الأكبر من البيت لحزب سياسي معارض بعد أنه رفض فكرة بيع البيت. فيما اكتفى بالعيش مع زوجته في غرفتين بمنافعهما. لكن السمسار أيضاً لم يغفل من تحذير العجوز المتقاعد من استحالة طرد الحزب كون أعضائه من أصاب النفوذ.. وتمت الصفقة بصمت.
ولكن الرياح تجري خلافاً لأحلام السفن وتوقعاتها.. وهذا ما جرى مع صاحبنا المتقاعد، إذ شكل الحزب وأعضاؤه الدوامة الحقيقية التي أغرقته في الجحيم، فأدرك أنه جاء بالدب إلى كرمه، وخاصة أن بيته تحول في ليلة وضحاها إلى سجن خانق.. فلا يكاد يسمع عبر جدرانه الملتهبة إلا شجارات حزبية وقاذورات تلقى على ما تبقى من الحديقة التي بارت بضاعتها في السوق، كما أخبره السمسار الذي صار مقلاً في زياراته! وكان مجيئه العابر كما يبدو لزيارة العجوز المتقاعد فيما بعد، فقط لكي يعرج إلى مقر الحزب كي يحظى من أعضائه المرفهين بعمولات لقاء خدمات يقدمها لهم.. وكان يرفض أثناء ذلك الاستماع لشكاويه بحق الحزب مذكراً إياه” قلت لك هؤلاء رجال لا يقترب منهم”.
ومع مرور الأيام، راودت الرجل المتقاعد إزاء الخيبة التي اجتاحت كل تفاصيل حياته، أفكار جنونية، في محاولة منه للعودة إلى السكينة التي باعها بثمن بخس.. وعليه فقد قرر أن لا يستقبل أي فكرة جديدة من الصديق السمسار” اللعين”.. فأفكاره هدامة كالجراد.. وتساءل كيف يستعيد هدوء حياته وسكينتها بعدما وقع الفأس على الرأس. لا يدري كيف طاوع نفسه بطرح ذات السؤال على السمسار.. لكن الحلَّ كان طريفاً عند الأخير وكأنه مدرج في سياق أطماعه، قال له ما جعل الرجل المتقاعد يتبلم من هول الدهشة وكأنما على رأسه وقف الطير: ” بعني بيتك”
واضطربت مشاعر الرجل المتقاعد، قال في أعماقه ساخطاً: ” اللعين وضع عينيه على بيتي ونال من سكينتي! ولكن لا بأس إن كان هذا هو الحل.. سأبيعه المنزل” متذكراً آخر ما قاله السمسار: “علشانك والله يا صديقي.. سوق العقارات راكدة هذه الأيام.. ولن أبيعه لغيرك قبل أن تحظى بشقة تناسب وضعك على أن تكون ملحقة بشرفة كما اشترطت! لأن البيوت بحدائقها لا تقدر على ثمنها”.. الرجل المتقاعد تأفف من الغيظ.. وهمس في نفسه:”على الأقل الشرفة لن تتسع إلا لي ولزوجتي كي نعدَّ أيامنا الأخيرة’ في هذه الدنيا الفانية، ولن تتسع للجراد من أمثال صديقنا السمسار”.
أثناء ذلك، كان السمسار يطوف حول المنزل ويجري بعض الاتصالات مع عملاء له، فطرقت سمع الرجل عبارة أخيرة:” البيت لقطة … إلخ” فاستعاد الرجل رباطة جأشه متخيلاً كيف سيحتسي قهوته مع زوجته التي باغتته بفنجان قهوة، لم تعاتبه بشيء، بل ابتسمت وهي تستعيد ذكرياتها مع كبرياء القرنفل وضحكات التوليت في الشرفة، وفجأة استيقظت الهمة في رأس الرجل المتقاعد، وقرر أن يستعيد فردوسه المحفوف بالأخطار.. نعم.. البيت في نظر السمسار لقطة.. هذه مكيدة ولا بد للرد السريع عليها.. سيتحرر من أسوار المكان.. سيجأر بصوته أعلى حتى يسمع الجيران.. فلن يعبأ بعد ذلك لا بالحزب ورجالاته ولا حتى هذا السمسار الغادر. فوجئ الرجل المتقاعد بزوجته تحضر له الهاتف مبتسمة:”تصرف يا رجل، حررنا من نير ما كبلنا به صديقك السمسار”. تناول الهاتف وبدأ يلتقط صوراً لكل الأضرار التي يتعرض لها البيت من قبل رجالات الحزب، لا بل وأخذ يسجل مخالفات الكبار في الحزب كإجراء وقائي عن طريق برنامج تسجيل الصوت، واستعد الغضنفر المتقاعد للمواجهة بعد أن طرد السمسار أمام الجيران الذين استعدوا لمواجهة الحزب والوقوف إلى جواره.. ودخلت الأطراف في معترك إخراج الحزب من المأجور بكل السبل، فاضطر الحزب إلى الخروج كي لا يخسر قاعدته الجماهيرية وخاصة أنه كان مقبلاً على الانتخابات، وحسب بنود العقد أعاد المأجور إلى حاله وسلمه لصاحبه الذي استعاد شبابه. وهكذا اسْتَطَيَبَ الرجل المتقاعد وزوجته مع الضيوف من جيرانه طعم القهوة لأول مرة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة