عرض انطباعي بسيط عن مجموعة الشاعر ” جاسم الدوري ” بقلم : د . باسل مولود يوسف

اصدارات ونقد ….
د . باسل مولود يوسف – العراق ….
تدرس هذهِ المقالة عدداً من قصائد الشاعر جاسم محمد الدوري من مجموعته الشعرية (صمت الأقاويل), المنشغلة بشتى المواضيع, وهي تجارب شعرية منخرطة بالحياة على نحو صريح.
النص شعرياً كان أو سردياً هو بناء يطلب بعضه بعضاً, يبدأ ببنية دُنيا تتوالد ثم تؤول إلى بناء أعلى تبين ملامح كائنات سردية شعرية قابلة للوصف والتصوير والتحريك ضمن الزمان والمكان. وهذا المستوى يؤول إلى مستوى أعلى من هذهِ الموضوعات أو التيمات حيث يمكن الإمساك ببنية سردية ذات كائنات متصارعة وتتبادل المنافع والأضرار.
لكنها لا تزال في طور تجريدي لم يُبين بعد عن وجوهه الواقعية بل يقتنع بالعموميات فلا يمكنه أن يسفر عن أسماء أو أماكن أو زمان إلا بعد أن ينتقل الكلّ إلى مستوى آخر, هو مستوى التصوير. وهنا يغدو الكل قطعة من الوجود المتخيل. إذن فالموضوع هو البؤرة التي يجتمع فيها (الوصف والسرد).
على الرغم من تعدد الموضوعات في المجموعة الشعرية (صمت الأقاويل), فإن هذهِ الموضوعات تتشابك وتتلاحم تلاحماً شديداً؛ لتكوّن نسيجاً واحداً على قدر واضح من التجانس, يضفي على الرؤية الشعرية في المجموعة كلها لوناً من الوحدة النفسية. ذلك أن قصائد المجموعة قدّمت صورة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته لتفاصيل حياة المواطن العراقي المكبل بقيود الحياة العصرية, وقد حاول الشاعر وهو يكتب تلك التفاصيل التعبير عنها بلغة شعرية شفافة تتحول فيها الصورة الشعرية إلى نوافذ يطلّ من خلالها القارئ ليس على الخارج فقط بل إلى أعماق الشاعر ذاته.
ومن أهم الموضوعات التي كانت محطّ اهتمام الشاعر:

الحزن
الحزن مكوّن أصيل من مكونات الوجدان العراقي بشكل عام, ويزداد الاحساس بهذا الحزن عمقاً ورحابة بمقدار ما يتمتع به الوجدان من حساسية ورهافة. ولهذا نجد الحزن ملمحاً أساسياً من ملامح رؤية جاسم الدوري الشعرية في مجموعتهِ (صمت الأقاويل).

نحن نرى أن الشاعر جاسم محمد الدوري أكثر شعرائنا المعاصرين حديثاً عن الحزن وما يتخلل قصائده عن الحزن, من مشاهد حيّة, ومن مواقف إنسانية يتجسم فيها الباعث على الحزن, فإنّ قصائده الأخرى هي أبعد في دلالتها وأشد التصاقاً بالذات, ثم يقول أحد الكتاب: (أمّا أحزان شاعرنا المعاصر الحقيقية فمصدرها المعرفة).
في حين نجد أن الشاعر يفرد للحزن قصيدة خاصة تحمل عنوان (جنون الماء) يجعله فيها موضوعاً للتأمل الشعريّ, كما يحمل المقطع الأول من إحدى قصائده (لابد أن نكون) عنوان (أشجار في الظل), في هذا المقطع يقصّ الشاعر حكاية حزينة عن حياة إنسان كان يعيش هانئاً في بيته مع عائلته الصغيرة, وفي مساء حزين حطّ من عالي السماء أم من أفضل أطراف الأرض, ليشرب الدماء, ويعلك الأشلاء. ويسرق الأفراح ويحجب ظل الشمس الجميلة ليعطي لنا صورة الحزن التي تخيم على أرض المدينة.
ولكن الحزن لا يطالعنا دائماً من مجموعة (صمت الأقاويل), بهذهِ المباشرة والوضوح, بل يلتبس بأشكال كثيرة, ويطالعنا حتى من أشدّ اللحظات بهجة وإشراقاً في المجموعة.
ففي مقطع (قصيدة الشمس) الذي يصوّر لحظة انتصار الشاعر واقتناصه اللحظة الشعريّة المنشودة يختلط الإحساس بالزهو بملامح حزن خفيّ. وفي القصيدة نفسها (غناء الصبح) التي تصوّر لحظة من أشد اللحظات النفسيّة في الديوان إشراقاً وبهجة, وهي لحظة اقبال الصبح بكل خيره وأفراحه. إن الحزن يطالعنا بوجهه الخفيّ من خلال ملامح الاشراق التي تفيض ببهجة الانتصار.
المآذن استعادت صوتها

والمؤذن صوت صار له صدى
وقف هنا… وغنى… الله أكبر الله أكبر
غالباً ما كنت أَقف هناك
حملت ضعفي وسرت مع الحشود
كنت أرفع المشاعل

وهكذا لا ينثني الحزن من مطالعتنا بأشكاله الصريحة تارة والخفيّة تارة أخرى من بين ثنايا هذه المجموعة. وتعدّ كلمة الحزن ومشتقاتها ومرادفاتها والألفاظ التي تدور في فلكها الشعوريّ من أكثر الألفاظ دوراناً في معجم جاسم محمد الدوري الشعري في هذا الديوان.
ويقترن الحزن بالألم في كثير من القصائد, فالحزن في قصيدة (دموع راقصة): (يولد في المساء, لأنه حزن ضرير). ولكن ليس معنى ذلك أنّ الليل مرتبط دائماً بالحزن واللوعة, بل نجده في قصائده الأخرى من المجموعة ليلاً رومانسياً جميلاً, وصديق الشعراء وملاذهم الروحي الحاني, فهو في (تجليات وطن) مثلاً أخو الشاعر وصديقه وملاذه الحاني الذي يرتمي في أحضانه الرحيمة قريراً.
هم ينقشون على الورد أسمائهم

يدونها للقادمين
يوشمونها فوق الأوراق
يدجنون أوجاعهم
فوق بياض القصائد
فتبتل القوافي
المجموعة: 84.

الموت
الموت ملمح أساسيّ آخر من ملامح مجموعة (صمت الأقاويل). ويدهش القارئ مدى اتساع الرقعة التي يحتلها الموت من مساحة الرؤية الشعريّة, فهو يكاد يطالعنا من كلّ قصيدة من قصائد الديوان. إنّه قدر يتربص بكلّ الأشياء الجميلة والنبيلة في رؤية الشاعر. في قصيدة (وللموت نهر) يلقي الموت بظلاله القاتمة على أكثر من مقطع من مقاطع القصيدة, فيطالعنا عنوان المقطع الأول (المزامير تهذي) ويتربص في المقطع الثاني (والموت نهر من العشق) وفي (أصوات فارغة) يعود الموت في نهاراتنا لينشر ظلاله السوداء على المدينة العريقة الآمنة؛ وفي (أعمدة للريح أعمدة للدخان) يطالع شبح الموت الشاعر, وفي قصيدة (علامات قابلة للتأويل) فهذهِ أزمنة يموت فيها كل شيء… وكل شيء فيها مستباح. وفي (تنهدات عراقية) ينعى الشاعر شهداء جسر الأئمة الذي كان تربط أخوة الوطن بالشاعر, وصلات روحانية عميقة والذي كان الصلة بين قلب الشاعر اللجوج وبين السماء, وبموتهم تصرفت أواصر الصفاء بينهم.
من أوسع أبواب الجنة … من باب الفردوس

كان يراقب عن كثب ما يجري
والعالم مذهول يراقب من حزم

الحبّ
الحبّ في مجموعة (صمت الأقاويل) حبّ رومانسيّ شفاف, يهيم في آفاق روحانيّة رفيعة, ويكاد المحبوب يتحول إلى معنى تجريدي يندّ عن التحديد الملموس والتجسّد الواقعيّ. والشاعر ينادي الحبيبة دائماً بألفاظ التقديس والإجلال مثل: يا صديقتي, يا امرأةً يا قمرا ً, يا سيدتي, يا امرأة ً جميلة قوم, يا فتنتي, يا أملا, يا قداح غريب, النجمات.
وحتى حين يحاول الشاعر أن يضفي لونا من الواقعيّة على ملامح الحبيبة, تظل الصورة التي يحاول تكوينها من مجموعة من العناصر الماديّة أقرب إلى التجريد منها إلى التجسد الواقعي. ففي قصيدة (أمي):
وتحت عباءتها… سرب من الضوء
ينساب من غبش…
فيقتل عتمة الليل الطويل
يفتح في المدى باب النهار

المجموعة: 240.
وفي (يا أيها المنادي) يكون لرسالة الحبيبة تأثير سحريّ خارق, حيث تشفي آلام الشاعر وأوصابه, وتقترن في رؤيته بأحلام الطفولة وتجليات أحلام الصبى.
يا أيها المختال تيهاً
لم يزل شجن العيون
يؤرق الأحلام ينذر بالفجور
وأذوب تحت جوانح العشق
طفلاً متيماً

المجموعة: 52.
الوطن
الوطن مكوّن بارز في موضوعات مجموعة (صمت الأقاويل). ويُلاحظ في القصائد التي تجسّد هذا البعد في المجموعة أنّ الشاعر كان مفتوناً بفكرة (الاستشهاد) وهذهِ الفكرة تملأ عليه أقطاب نفسه إجلالاً وإكباراً, فنجده يتغنى باستشهاد عدد من المواطنين في (جسر الأئمة) وقصيدة (تنهدات عراقية).
وفي القصيدتين (تنهدات عراقية وصهيل الجرح) يمتزج الاحساس الذاتي بفقدان الصديق, وبالشعور القومي امتزاجاً شديداً يصعب معه الفصل بين البعدين, ويختلط بكاؤه على الشهيد اعتزازاً باستشهاده, وتذوب ملامح الشهداء في ملامح الشهيد المظلوم, فينساب غناؤه الشجيّ على هذا النحو:
ما زالت عقاريها تتوظأ بالدم
وأجراسها تدق
فوق باحات جوامعنا
ولم يكن لنا قوت
فنسجنا للردى يحفناً

الديوان: 49.
وإذا تأملنا بداية شاعرنا في مجموعته (صمت الأقاويل) ووقفنا مع القصائد التي تناولت قضايا الحقبة ونبضها الوطني وموقفها البطولي أو انهزامها أمام قوى البطش والاحتلال وجدنا الكثير من القصائد التي تتناول المباشرة بمضمون هذهِ القضايا مثل: (بعد أعوام وما زال العراق وصهيل الجرح, المدن المضيئة بالسؤال).
وإذا بحثنا عن الشكل الاجتماعي ونبض الشعب ومناخه الفكريّ وجدنا هذا المناخ وهذا الشكل في قصائد كثيرة, منها: (عطر الماء, لوحات ملونة, صهيل الأمان, صفحات مطوية).

الفكر
يلفت النظر في هذا الديوان أن البعد الفكري التأملي, الذي سوف يصبح أكثر الأبعاد في رؤية جاسم الدوري الشعرية وضوحاً في هذهِ المجموعة, يبدو في هذهِ المجموعة شديد الخفوت, ويكاد يتوارى خلف الملامح الأخرى للرؤية الشعريّة, فقد كان إحساسه في هذهِ المجموعة يغلب فكره, وكان ينجح في تحويل الهموم الفكرية إلى أحاسيس نابضة. ولكننا- مع هذا- لا نعدم أن نجد قصائد قليلة يغلب عليها التأمل الذهنيّ, والانشغال ببعض الهموم الفكرية العامة انشغالاً عقلياً, كما في قصيدة (تمهلْ يا من لعبة) مثلاً, وقصيدة (وللعمر منك بقية) وبعض القصائد الأخرى. ولعلّ مما يتصل بهذا البعد الفكريّ في المجموعة انشغال الشاعر ببعض الأفكار والرؤى الوطنية, وإن كان جاسم محمد الدوري في الغالب يوظّف في مجموعته (صمت الأقاويل) هذهِ القيم الوطنية توظيفاً فنياً للتعبير عن أبعاد رؤيته الأخرى أكثر مما يجعل هذهِ القيم موضعاً لتأمل ذهني. وهذا واضح في قصيدة (تنوح المزامير) التي جعل فيها من تجربة (الأمنيات) معادلاً فنياً لتجربة المعاناة الشعرية, وكذلك في قصيدة (أعمدة للريح أعمدة للوطن) التي استغل فيها أصداء تجربة الوصول النقي والديني عن تلك النشوة الروحية الباهرة التي يحسّها.
وفي ختام هذهِ القراءة نقول أن المفارقة المدهشة التي قدمها الشاعر جاسم الدوري في مجموعته (صمت الأقاويل) كانت مقنعة وعززها ورسم صورها بصيغة إنسان مدجج بالعجز في مواجهة هذا الواقع القاسي, يتقن جاسم الدوري في توليدها وتفجيرها حتى غدا نصهُ مفارقة جميلة.
د. باسل مولود يوسف
تكريت: 17/3/2017

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة