الأرض في جيب شلومو – بقلم : شوقية عروق منصور

فلسطين ….
بقلم : شوقية عروق منصور – فلسطين المحتلة ….
كنا نراهم يتسللون في عتمة الليل ، وعندما تسأل أمي صباحاً جارتنا أم سليم عنهم ، تجيب بألم :
–         أبوهم طردهم .. ما بدو يشوف حدا منهم .. !!
وتغرق أم سليم في الصمت الذي لا يتنازل عن الغضب ، بل يتحول في صدرها الى جبل من الآهات يرتفع وينخفض ، ثم تنفث آهة نارية ، نشعر بحرارة خروجها فيخيل الينا أن الغرفة قد ضاقت رغم اتساعها ، وان الوسائد والفرشات الملقاة على الأرض ، قد خجلت من ترتيبها ، الآن لا مجال للترتيب ونظرات الضيوف التي تسعى أمي لأن ترى بريق الاعجاب ، لأن فوضى الحزن والتعب تتغلغل في ثنايا الوجع الذي يتراكم في تجاعيد وجه جارتنا    ..!
ننسى قصة الزيارة المتسللة تحت جنح الظلام  ، ننسى الأبناء الذين قدموا الى بيتهم وهم يعلمون أن والدهم قد يطردهم ، لكن اصرارهم  على الزيارة بين كل فترة وفترة كانت تثير زوابع الأصوات العالية ، وغالباً ما تنتهي الزوابع بصراخ الأب :
–         اطلعوا برة .. لما أموت أعملوا شو بدكوا ..!
ومع خروج الأبناء ، تلجأ أم سليم الى بيتنا  المقابل لبيتها ، باكية ، حزينة ، تجلس على أول كرسي تجده أمامها ، وأحياناً كانت تجلس على عتبة البيت شاردة ، تنظر الى بعيد  ، ولا ترد على أمي التي تحاول اقتحام شرودها  ،  وعندما تضع أمي صينية القهوة أمامها ، تأخذ بدق الفناجين مع بعضهم البعض قائلة – وحدوا … وحدوا – تنتبه أم سليم لأمي وتدفن وجهها بمنديلها الأسود – الأوية – الذي تدلت منه بعض الأزهار الصغيرة  الملونة المشغولة بالصنارة ، وتنخرط بالبكاء .
ومن بين الدموع تشهق أم سليم .. وتقول لأمي :
–         شو أعمل أنا بين اولادي وبين ابوهم .. قولي لي .. ؟ فش غيرك اشكيلوا همي زوجي بقولي أنا ما في عندي أولاد ..  ماتوا !! وأنا كيف أنسى انو هدول أولادي؟
تصمت أمي التي لا تجد غير الربت على كتف أم سليم ،فهي تعرف أن رأس الجار ” أبو سليم ” قاس كالصخر ، لن يلين  ، فقد قالها مرة واحدة :
–         لن أقوم بتصفية أرضي حتى لو مت من الجوع ، اللي بتخلى عن أرضوا بتخلى عن عرضوا وعن دينو وطنيتو ..!!  أولادي شياطين ، لو مش أم سليم شريفه لقلت هدول أولاد حرام ، شو بدي أعمل ؟؟  لما أموت يصفوا .. يبيعوا ، المهم وأنا طيب ، حي  مش راح أوقع على تصفية أرضي  ، أبيع أرضي لليهود ؟؟ ويأخذ بالدق على صدره ، فيرجع صدى الدق خافتاً ، لكن ينتشر في أنحاء الصدر مخترقاً الشرايين ، مستقراً في قلب الرفض .
تنهض أم سليم عن الكرسي  للعودة الى البيت ، تمسك المنديل الذي هبط على عنقها ، تفرده ثم تطويه على شكل المثلث وتضعه على رأسها ، تغطي به شعرها الذي بدأت الحناء تزول عنه وتظهر الشيب الذي بدأ يبزغ ويطل معسكراً في كل مكان ، وقبل أن تغلق الباب ، تهمس لأمي :
–         شو بدي أعمل .. قدام الأب وأولاده ، صرنا قصة بلسان الكل ..!
في احدى المرات قالت أم سليم متفاخرة أمام الجارات :
– احنا ملاكين أراضي  ، أكثر من مئة دونم النا في بيسان ، مع بيت مثل القلعة ،  لكن يلعن اليوم اللي صارت فيه النكبة ، حتى اطلعنا من بلدنا ولجئنا للناصرة ، وقعدنا في بيوت مستأجرة ، كانت بيوتنا عمرانه – خير وخماير – غرف وأثاث وصالونات ، كله.. كله  أخذوه اليهود ..! تركونا على الحديدة .
عرفنا أن أولاد ” أبو سليم ” الأربعة ، واكبرهم سليم ، قد بدأوا يعملون سراً  لتصفية وبيع المئة دونم في بيسان ، فقد اتصلت بهم عدة جهات يهودية وعرضت عليهم البيع مقابل  أمولاً طائلة ، وقد أقنعهم المعلم ” شلومو” الذي يعمل سليم في مصنعه ، فقط على الوالد ” أبو سليم ” أن يوقع على التنازل وبيع الأرض .
جمع سليم أخوته معلناً أنه سيحل أزماتهم المالية عن طريق تصفية الأرض ، فوافقوا جميعهم ، فقد فتحت لهم طاقة الفرج ، عليهم فقط اقناع والدهم  العجوز الذي يعيش في فقر ويتمرغ بالجوع .
لم يتوقعوا رد والدهم وغضبه وطردهم من البيت ، لكن بعد أن طردهم في المرة الأولى ، كان اصرارهم على إتمام الصفقة ،لذلك كانوا يتسللون الى البيت ليلاً ، يحاولون إقناعه ، لكن بقي الأب مصراً على رفضه البيع وتصفية أرضه  .
اهل الحارة يعرفون ان أبناء ” أبو سليم ” ينتظرون موته ، لذلك عندما صرخت ام سليم وهرع سكان الحارة الى بيت ” أبو سليم ”  وقد وجدوه ميتاً في سريره الحديدي الذي تآكلت أطرافه من الصدأ ، همس البعض وقالوا :
–         الفرصة حانت الآن للأولاد ، يبيعوا ، يصفوا ، يقبضوا .. !
جلس الأبناء الأربعة في الديوان يتلقون التعازي بوالدهم ، وبقدر ما كانت الكراسي قريبة الى بعضها البعض ، كانت هناك متاريس التساؤل  بين الجالسين  ، والعيون ترش الهمسات ، كيف سيتصرف الأبناء بالأرض  بعد أن تنتهي أيام الحداد ؟
لم يعد الليل يفتح جفنيه على الأصوات القادمة من بيت ” أبو سليم ”  الهدوء يخيم على البيت ، حتى أم سليم اختفت من الحارة ،  فقد أخذها ابنها سليم  الى مدينة  حيفا حيث سكنت مع عائلته ، وبقي البيت مغلقاً ،  ونسينا قصة الأب والابناء ، حتى كان اليوم الذي جاء سليم راكباً سيارة فارهة والى جانبه والدته ، نزلت أم سليم من السيارة متوجهة  الى بيتها  حاملة حقيبتها ، وما أن رأت أمي حتى هرعت وحضنتها ، ساعدتها أمي بفتح باب البيت وترتيبه ، وعندما سألتها أمي عن الأبناء وعن عودتها ، قالت وهي تكفكف الدموع :
–         الله يرحمك يا أبو سليم .. الأولاد صفوا الأرض ، باعوها ، كل واحد أخذ حصتوا .. اشي اشترى سيارة واشي سافر للخارج لشم الهواء ، واشي ببعزق في المصاري على اليمين والشمال  ، حاول ابني سليم يلبسني  اساور ذهب ، انا رفضت .. شعرت انها افاعي بتلتف حول ايدي ، واني بخون أبو سليم ..!! لما شافتني زوجة سليم  مصممة على الرفض  قالت لي :
–          على شو زعلانه ،  فلسطين كلها راحت .. وقفت على ارضنا .. بيسان ضاعت مثلها مثل غيرها !  علشان هيك قررت ارجع لبيتي !!
فتحت أم سليم النوافذ ليدخل الهواء النقي الى البيت ، ثم أخذت تمسح الغبار عن صورة ” أبو سليم ” وتردد – الله يرحمك يا أبو سليم كنت على حق !! اللي كنت خايف منه حصل !!  اولادك وارضك بيد شلومو .. شلومو اللي أقنع اولادك بتصفية الأرض ، لعب بعقولهم ، وبعدها  أخذ من ابني سليم  العمولة على التصفية ، آخ يا أبو سليم  اليوم اولادي والأرض في جيب شلومو .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة