بعد نضوب النفط – قصة : وليد ربـــــاح – نيوجرسي – الولايات المتحدة الأمريكية

القصة …
بقلم :  وليد رباح – الولايات المتحدة الامريكية ….
هذه آبار تنعق على حديدها الغربان.. وفي الركن بوم يصطلي في ليلة باردة بلهب (عود الثقاب) الذي ما زال مشتعلا.. فبعد ان كانت الحياة جاء الموت..
ربط الشيخ نعسان بعيره في وتد الخيمه.. وعلى مقربة من البعير تكاثف غبار الصحراء على سيارة من نوع المرسيدس تقف غير بعيد عن المكان.. فرغ خزان الوقود فيها فغدت حديدا لا تنفع ولا تشفع.. واستخدمها الصغار عند وهج الشمس حامية لرؤوسهم وجلودهم.. اما الصحن اللاقط الذي تغنى نعسان بمحطاته الفضائية الجميلة والرذيلة معا فقد اصبح وعاء ماء يعب منه البعير ويرسم صورته بتموجات تزيد ه نشوة وفرحا.. فها هو يعود سفينة الصحراء بعد ان اهمله نعسان زمنا طويلا.. وعندما اطبق الظلام على رمال الصحراء.. سمع نعسان صريرا كأنه عزيف الجن فادرك انه قد اصبح أو في الطريق الى ان يصبح شاعرا.. اذ اعاده (عبقر) الى ذكريات جدوده.. وفي لحظة هدوء قال البعير لسيارة المرسيدس التي ازف موعد دفنها بعد ان شبعت موتا.. غدا نحتفل بالجنازه.. ولسوف تتآكلين تحت الرمال فتصدأين مثل علبة من الصودا بعد امتصاص رحيقها.. فقالت السيارة رفقا بي.. فقد كنت في سالف الزمن زاهية اللون ارتدي حلة قشيبة واذرع الطرقات المسفلتة واطوي المسافات في غمضة عين.. أما أنت يا صاحبي فسوف تظل جملا معوج الرقبة ولا تأكل غير الصبير والشوك والفضلات.. سكت البعير وانتابته موجة من البكاء.. وفي بهيم الليل سمع البعير شيخه النعسان يغني اغنية حزينة.. فسرى ما به من حزن ثم ضحك..
اما نعسان فقد استطاب الذكرى بعد ما غنى.. كان متزوجا من اربعة.. طلق ثلاثة منهن واحتفظ بالرابعة خادمة لجملة الاطفال الذين انجبهم.. استخدم البعض منهم كرعاة في الفيافي للعمل بلقمتهم.. اما البعض الاخر فقد كلفه باستحضار الماء من مسافات بعيدة لسقاية البعير وحفظ الحياه..
وعلى مقربة من (المستعمرة) التي بناها نعسان بعرق جبين النفط سرحت النعاج والخراف والجمال.. اخذت تتناقص بفعل نضوب الماء حتى غدت اعدادا.. لا يكفي لبنها لاطعام الجياع من الاطفال.. لكنه بين الحين والاخر يمد بصره الى حديد بئر النفط القريب الذي أكله الصدأ فغدت اعمدة الحديد فيه بؤرة لاعشاش الطيور الصحراوية.. وتنعق على اطرافه البوم التي كانت تتلذذ فيما مضى بنقر بعض فضلات المعلبات الامريكية التي كانت تلقى في حاوية القمامه.. وعلى اطراف البئر كانت هناك شعلة ضئيلة الحجم مثل عود الثقاب لم تزل تمور فيها الحياه..كان الغاز يتسرب منها مثل صنبور قارب الجفاف.. تتجمع على اطرافها الوان الطيور واشكالها طلبا للدف في ليل الصحراء القارس.. ولكم تمنى نعسان ان تظل الشعلة حية تضىء مساحة من المكان ونسا واستحضارا لما كان..
وغير بعيد عن البئر كانت هنالك البيوت الخشبية المهجورة.. وكم شهدت تلك البيوت من مساخر وليال والوان من الفرح ابان كان النفط يجري عبر شرايين الصحراء ليغذي مدنا طالت السحاب..ولكم افاق نعسان من نومه على اصوات غريبة تخترق تلك البيوت لتجمع ما فيها من فضلات اثاث او علبة من الطعام نسيها خبراء النفط في مكانهابعد الرحيل.. او كوبا من البلاستيك.. استخدمته سوزان او كلارا لترطيب حلقها الجاف من عطش النهار.. ويوما أثر آخر.. تناقص خشب البيوت المهجورة حتى غدت اعوادا تقف فوق الرمال ويطمرها غبار الصحراء يوما اثر آخر.
لكن نعسان رغم ماينتابه من كأبة يقرر ان يزور المدن بعد أن هجرها اصحابها..ويصعق عند رؤيتها.. اين العمارات التي كانت عامرة باهلها.. والمصانع التي كانت عجلتها تصم الاذان.. اين طلاب الجامعات والمدارس بملابسهم الزاهية وشعورهم المسبسبة وسياراتهم الفارهه.. لقد اصبحت المدن هياكل متآكله يعلوها الغبار وتذرو الريح على جدرانها سعفا من الرمال يلعب الريح بها فتدخل الى عيون المارة كأنها الريح الصفراء.. الحزن يرتسم على الوجوه كأنما هي قادمة من كوكب آخر.. وشرطي ما زال متحزما بعصاه يلعب بعلبة فارغة على قارعة الطريق يركلها بقدمه فتخرج صوتا مزعجا.. ثم يتابعها بركلة اخرى فتطير الى مكان آخر.. يلحقها ويؤذيها بقدمه فتضيع بين آكام الرمال على جوانب الطرق فيتركها ويجلس وحيدا تحت ظل شجرة تسرب اللون الاصفر الى اوراقها..أما الشوارع التي كانت زاهية فان روث الابقار والحمير والبغال يلوث وجهها الذي كان مضيئا.. وفي لحظة تجل كان نعسان يدرك انه يشهد فيلما مصورا عن المدن التي مسحت قسمات وجهها القنبلة الذريه.. لكنه يقول لنفسه ان الذرة قد غدت سيدة الموقف.. اذ غدت بديلة للنفط الذي نضب.. وكان بين أونة واخرى يستمع الى المذياع فيستغرب كيف يستخرج الناس في البلاد الاخرى نفط السيارات من مزارع القصب والذره.. ويسأل نفسه : لم لم نتنبه لذلك ؟.. ثم يأخذه النعاس فينام على قارعة الطريق متلفعا بعباءته التي قارب لونها على الذوبان.
يعود نعسان الى بعيره ليعتليه الى مستعمرته التي يجاهد كي يجعلها تمور بالحياه.. يقف في محطات كانت جنة الله على ارضه.. فباتت مهجورة لا يعيش فيها سوى العناكب.. يمد لسانه الجاف الى قطرات الماء في جعبته الجلديه.. يمتص منها بعض القطر… ثم يكتشف انها نضبت.. يصرخ.. يصيح.. لا احد يجيب في جوف الصحراء.. وعلى البعد يرى بعض الناس يدفنون ميتا على قارعة طريق رمليه.. فيدرك ان الوباء قادم..
وعلى مسافة بعيدة تذوب الرؤية في عينيه… يتكاثف الغبار من حوله.. تظهر ملامح مستعمرته النائية عند المساء.. وقد تناقص ضوء (عود الثقاب) حتى غدا خيالا..
ها هو يستقبل المساء بنسمات طريه.. واذ يطرق طويلا وهويتمطى على جاعد الخاروف الذي ذبحه قبل اشهر يفكر في الهجرة.. الى بلاد الله الواسعه.. حيث النفط البديل مازال مزدهرا.. لكنه يدرك ان جعبته فارغه.. ولسوف يطوي المسافات عبر الصحراء جيئة وذهابا ليصل الى اقرب مطار تحط فيه طائرة.. لكي تنقله الى العالم الاخر.. سواء عالم الاحياء او الاموات لا فرق..
وعند الهزيع الاخير من الليل.. سمع صوت محركات السيارة تدور.. وقطع البعير حبله واعجبته مطاردة نفسه في فضاء الصحراء.. وتجمع الصغار بحللهم البهية حوله يستمع الى حديثهم..بعضهم قال ان عدد الجمال وفير.. لكن النعاج تتناقص.. والبعض الاخر يعد الثروة التي تركت لهم.. يثور.. يغضب.. يدرك انهم يؤبنونه وهو لم يزل على قيد الحياه.. لكن جسمه يتراخى.. ويتراخى.. ثم ينتقل الى واحة خضراء تعج بالنخيل..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة