حكايا امريكا : قصص من الجالية العربية – بقلم : وليد رباح (6)

الجالية العربية …..
بقلم : وليد رباح …..
تربع أيوب على منضدة تتسع لواحد فقط في مطعم شعبي غير مشهور .. ثم استدعى النادل ليقول انه لم يتبلغ طعاما منذ صباح الامس .. فقد كان على صلة مع الفقر رغم وجوده في امريكا .. فهنا الانسان يستطيع العمل حتى ولو في جمع القمامة ثم يستثمر البيع لا ليصبح غنيا .. ولكن لكي يعيش .. فالحياة هنا .. تقتضي ان يجهد الانسان في البدء لكي يؤمن قوت نفسه وعائلته ان كانت ترافقه.. وان لم ترافقه العائلة فبنفسه .. وربما مضى على ذلك سنوات قبل ان تستقر حياته .. ويشعر برائحة الدولار الذي يملآ الارض كلها من الفها الى يائها ..

جاء النادل ففتح له ايوب قصة طويلة عريضة عن ان المهاجر الى هنا يظن عند وصوله انه وقع على كنز من الذهب المصفى .. لكن ايوبا يقول للنادل .. ليس الطعام هنا غال فقط .. بل نسبة الى هذا العالم رخيص جدا .. ولكن يا سيدي النادل .. عوضا عن أن تأكل فهناك فواتير الماء والكهرباء والكيبل والتلفزيون والجرائد واجرة البيت والتنقلات وامورا اخرى … فانت تعمل مثل الثور في ساقية لكي تدفع فواتيرك وطعامك فقط .. فان لم تعمل مثل الثيران في الحقول .. فانك سوف تموت جوعا قال ايوب الطفران .. حسن .. احضر لي طبقا من الفول ولا تنس ان تضع عليه الفلفل كي اتمتع باكلة شهية بعد طول انقطاع .. ثم لا تنس المحبشات وبعضا من الارغقة كي تبقى .. ثم فتح للنادل قصة بدأ في اولياتها .. فحثه النادل  ان يطلب من الطعام ما يريد .. ثم يأتي اليه لتكملة قصصه العجيبة ..
معدتي ممتلئة حتى اليوم التالي .. ذهب النادل .. وبعد دقائق جاء الفول سريعا .. اذ لم يكن في المطعم في ذلك الصباح من الزبائن سوى ايوب الطفران … فقط .

يتابع ايوب قصصه التي لا تنتهي ….
يا أخي  .. جاء الينا من يقيمون في امريكا الى الوطن في زيارة لاهاليهم وبدأوا يكذبون .. كنت اجلس في مقهى القرية استمع الى احدهم والى مجموعة الشباب الذين كانوا يلتفون حوله كأنه منقذهم .. يقول المتحدث .. امتلك سيارتين في امريكا .. احداهما  لاستعمالي الشخصي والاخرى لسهراتي الماجنة .. يقول له شاب من الجمع .. ولكن السيارة الاخرى لاستعمالك ايضا .. فيقول الرجل .. هذا صحيح .. ولكني استخدم الاولى في تنقلاتي داخل البلد والولاية .. والاخرى لا استخدمها الا للسهر والانس .. فقد خبأتها عند صديق لي كي لا تعرفها زوجتي فتكتشف انني لا اعمل ليلا كما ادعي لها .. ولكني امارس هوايتي في الولوج الى البارات والراقصات ليلا ..

يتابع المتحدث : سهراتي يعرفها الجميع الا زوجتي .. اني امتلك شقراء واخرى سمراء وثالثة سوداء .. كلهن ملك يميني ورهن اشارتي .. في شهر واحد ورغم بذخي ادخرت عشرة الاف دولار عدا ونقدا .. الحياة هناك .. اما انتم هنا فالدفن اولى بكم  ..

كان الجميع يستمعون اليه بانتباه وحسرة .. حيث يتابع .. اعمل ثماني ساعات فقط يوميا .. واتقاضى عن كل ساعة عشر دولارات  وهذا يعني انني اكسب ثمانين دولارا عن كل يوم اعمل فيه .. ولا اعمل خمسة ايام اسبوعيا فقط .. بل اعمل طيلة سبعة ايام .. وعليكم ان تحسبوا بالورقة والقلم ما اكسبه خلال اسبوع من عملي .. ولم يأت المتحدث الى الضريبة التي تقتطعها امريكا من راتبه .. كما لم ينتبه احدهم الى انه مقيم دائم في البارات وعلب الليل .. فكيف يعمل سبعة ايام في الاسبوع .. بل كانت عقولهم تتجه الى ما يكسبه المتحدث ..لكنه كان كمثل ديك نفش ريشه عند اناس لا يعرفون عن امريكا شيئا .

ينتبه النادل لايوب الطفران فيقول له : ان ظللت تتحدث فان الفول قد يبرد .. وعلينا ان نسخنه ثانية لجنابك .. هلا اجلت الحديث الى ما بعد الطعام .. يقول ايوب الطفران .. معك حق .. ثم يتجه الى طبق الفول وتبدأ اللقيمات تسير عبر حلقه بلذة عجيبة فيرفدها بالماء حتى لا يصيبه ما اصاب احد الرواد يوما كما قاله الناديل .. فيسأله ايوب.. وما الذي حدث له .. يقول النادل .. دع عنك هذا .. ساحدثك بقصته فيما بعد .. غير ان النادل لم يأت على ذكر قصة  ذلك الزبون الذي حشرت في حلقه اللقمة فكاد يموت ..  ..

يبدأ ايوب ثانية في التهام الطعام  .. ويتابع .
كنت في ذلك المقهى استمع الى ما يكذبه المغترب .. والشباب حوله يستزيدونه فيقول : كان كل منهم يحسبها في عقله..  اذا كانت الساعة بعشر دولارات فهذا يعني مبلغا شهريا لا احظى به طيلة سنة كاملة .. وهذا يعني انني اذا امضيت سنة فاني ساحظى بسيارة مرسيدس .. يعني ان اسهر يوميا في نوادي الليل .. وارفد اهلي ببعض النقود .. وهكذا ينفض المجلس عند منتصف الليل ليذهب كل منهم الى بيته وهو يحلم بجنة امريكا التي وعده بها المهاجر .

يتابع ايوب الطفران
كنت قبل ان آتي الى جنة امريكا لا عمل لي سوى السهر في المقاهي الليلية في القرية .. وعندما ذهبت الى زوجتي في الليل اخبرتها  عن ذاك المهاجر فقالت لي : ما لنا ولحكاياتك .. اذا اردت لاولادك ان يعيشوا عيشة رخية فلا بأس من ان تحاول .. قلت : عماذا تتحدثين .. قالت .. ان تذهب الى السفارة الامريكية في المدينة وتطلب اليهم الهجرة .. قال : ولكني لا امتلك حتى ما اطعمكم به .. قالت : عندي سوارين من الذهب .. تبيعهما وتدفع تكاليف السفر والرسوم التي تطلبها السفاره .. فيقول .. والله يا زوجتي ان افكارك نظيفة .. وتبعا لذلك فاني سوف احاول .. ثم قامت من فورها وخلعت اسورتيها من يدها واعطته اياها .. وفي الليل .. كان ينظر ايوب الى الاطفال وهم نيام وقد باتوا على الطوى .. اذن .. سأحقق رغبتي ورغبة زوجتي في ان اذهب الى ارض الاحلام ..

ذهبت في اليوم التالي الى السفارة وقلت لهم ان لي صديقا لم اره منذ زمن طويل .. هو في امريكا ويحمل الجنسية الامريكية .. سألوني ان كنت متزوجا وكم لي من الاولاد فقلت لهم : عندي سبعة اطفال كانهم جراء .. وحياتنا هنا مستقرة .. قالوا لي : نستطيع اعطاءك فيزا سياحية الى هناك .. ولكن زوجتك واطفالك يجب ان يبقوا هنا حتى تعود اليهم بعد انقضاء رحلتك .. قلت لهم : كما ترغبون .. ثم طلبوا مني جواز سفري ومهروه بخاتم يفيد انني أمتلك فيزا سياحية مدتها خمس سنوات .. غير انهم اخبروني انني لن استقر في امريكا طيلة السنوات الخمس .. علي ان ألتزم بما يعطيه المطار من اقامة هناك .. فان تجاوزت المدة فهذا يفيد ان الفيزا التي اخذتها تلغى مجرد اخبارنا بتجاوزك لها .. ولن تدخل الى امريكا ثانية .. يقول : هي ايام معدودات ثم اعود الى قريتي.. فانا لست ذلك الذي يترك اطفاله .. سأله احدهم : هل تمتلك في جيبك قيمة تذكرة الطائرة .. ومصروفك هناك .. قال : نعم .. عندي من النقود ما يكفي لان استقر هناك لثلاثة اشهر ثم اعود ثانية .. وهكذا كان .

كانت الامور في ذلك الزمان هنية رخية .. فقوانين الهجرة كانت ميسرة.. ولم يصدق ايوب الطفران نفسه عندما حطت به الطائرة في مطار نيويورك .. وبعد ان هبط من الطائرة كان يحسب النقود التي يمكن ان يكسبها ثم يرفد ابنة الحلال ببعض المال كي يعيش اولاده في بحبوحة .

اول ما فكر به عندما وصل الى المطار ان يسأل عن المكان الذي يقيم فيه العرب بكثره لانه لا يعرف الانكليزية .. قال له احد العرب ممن كان معه في الطائرة .. انها مدينة باترسون .. حيث العمل متوفر هناك .. فاتجه ايوب الى مدينة باترسون .. وها هو يمضي ثلاث سنوات بعد ان كسر المدة المحددة له والتي اعطته الاذن بالاقامة لثلاثة اشهر فقط .. ويجب ان يغادر قبل ذلك ..

عمل ايوب الطفران في البدء زبالا في مطاعم المكدانوس  التي لا تشترط ان يحمل الاقامة كي يعمل .. كان يتقاضى اربع دولارات في الساعة عن عمل مضن لا تكاد تكفيه لشراء بعض الارغفة وعلبة من السجاير .. ثم اكتشف المطعم انه ينبش الزبالة في كل يوم ويحتفظ ببعضه مما خلفه الزبائن  .. يتبلغ ليلا ويحمد الله على هذه النعمة .. غير انهم بعد اكتشافه استغنوا عن خدماته بحجة انه يأتي بسمعة غير طيبة للمطعم الذي يعمل فيه .. ثم عمل في شركة لجمع القمامة ايضا .. فوجدوا انه لا يستطيع ان يحمل كيسا من الزبالة فوق ظهره لانه مصاب بتقلص الفقرات  .. فاستغنوا عنه .. ثم عمل عند عربي كان يعمل في دكانه ست عشرة ساعة في اليوم بمبلغ دولارين في الساعه .. ولكنه كان يحمد الله على ان صاحب البقالة كان يعطيه الطعام مجانا لوجبتين .. اما وجبة العشاء فانه كان يشتريها من المطاعم الرخيصة ..

ظل ايوب على حاله حتى تعرف الى مطعم وبقالة عربية يقدم الفول والفلافل .. فاصبحت وجباته يوميا في ذلك المطعم .. لكن صاحب  المطعم استغنى عن خدماته بحجة ان البيع قد اصبح شحيحا .. وها هو يشتري الخبز ويقوم بالتبلغ به مع الملح ويأكله ليلا .. وتشتاق نفسه الى طبق من الفول كي يملآ معدته بالطعام ..

يسرح ايوب في كل صباح ومساء باطفاله الصغار هناك .. كيف يأكلون .. ماذا يشربون .. فقد انقطع الحبل ما بينه وبين العائلة لبعد المسافة .. وفي ذلك الزمان لم تكن الهواتف النقالة قد ظهرت بعد .. فيضع يده على معدته ويعصرها .. وقد فكر يوما ان يضع حجرا على بطنه يربطه من امام ومن خلف .. غير ان احد اصدقائه ذلك اليوم .. اعطاه خمس دولارات لكي يتبلغ بها .. وهكذا .. يمشي ايوب الطفران في الحواري والازقة وهو يهتف بالعداء لذلك الشاب الذي جاء الى القرية وكان السبب في هجرته التي اصبحت لاشرعية الى امريكا .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة