الشاعرةُ الشابة “ركاز محمد فاعور” بقلم : حاتم جوعية

دراسة لديوان ‘حب تراهُ الشَّمس‘ للشاعرة ركاز فاعور، بقلم :حاتم جوعيه
بقلم : حاتم جوعيه – فلسطين المحتلة …
نشرت الكثيرَ من نتاجها في معظم صحفِ ومجلات البلاد، كما عملت في مجال الصحافةِ والاعلام وكانت مراسلة وَمُحَرِّرَة في عدةِ مجلاتٍ محلية، منها: مجلة “صوت حواء” التي كنت أنا مدير تحريرها. واليوم هي تعملُ مديرة لمكتب محاماة.
شاركت ركازُ في العديدِ من الندواتِ والمهرجاناتِ الشعريةِ محليا وخارج البلاد، ومنها ندوة شعرية في أوتيلي القاهرة بمصر بادارةِ الدكتور مدحت الجيار والكاتبة فتحية العسال، وكنت أنا أحدَ المشاركين فيها. وأما كتابها الذي بين أيدينا الآن (حُبٌّ تراهُ الشمس) فهو أوَّلُ كتابٍ يصدرُ لها حتى الآن، رغم الانتاج الغزير المتراكم لديها – (الشعري والنثري).
مدخل
كتاب أو ديوان “حُبّ تراهُ الشمس” يقع في 142 صفحة من الحجم المتوسط الكبير صدرَ على نفقة دائرةِ الثقافة العربية بادارة الاستاذ موفق خوري ويضمُّ الكتاب العديدَ من القصائد الشعريَّة والخواطر النثرية وتتمحورُ في عدةِ مواضيع وجوانب: مثل: الغزل، الوصف، والوجدانيات والمواضيع الوطنية والذاتيَّة …. وضعت الشاعرةُ في الصفحاتِ الاخيرة من الكتاب بعضَ الصور لها التي التقطت في ندواتٍ ومهرجاناتٍ شعرية شاركت فيها مع بعض الشخصياتِ الادبية المعروفة.
تمتازُ كتاباتُ ركاز الشعريَّة والنثرية (الخواطر) بالسلاسةِ والعذوبةِ والرقة وبالخيال الخصب، وشعرُهَا قريبٌ في شكلهِ وبنائهِ الخارجي الى نمطِ شعر التفعيلة ولكنه لا يخضعُ لوزن معين، بل كل قصيدة لديها هي متعددة التفاعيل وتترعها الموسيقى الداخلية الاخاذة.. وهذا ما يضيف جمالا وعذوبة لجميع قصائدها فالوزن الداخلي مهم جدا. والجدير بالذكر ان ركاز في الفترة الاخيرة، ومنذ بضع سنوات قد طورت أدواتها الشعرية والكتابية كثيرا، وهنالك بون شاسع بين الذي تكتبه اليوم والذي كانت تكتبه قبل اكثر من عشر سنوات، وكلُّ قارئ ذكي يلاحظ هذا الشيء.

سأتناول في هذه المقالة بعض القصائد من ديوانها مع الدراسة والتحليل. وسأبتدئ بقصيدة: “عندما يولدُ في الشرق القمر” – ( صفحة  66 ) . في هذه القصيدةِ تتحدثُ ركازُ عن مجتمعنا الشرقي الذكوري الذي ما زال يظلمُ الفتاة والمرأة ويعتبرها ضلعا قاصرا.. وأما الرجل فهو صاحبُ السيادةِ والقوةِ  وهو الذي يحلُّ ويربطُ – والشاعرةُ ترمزُ، في القصيدةِ، للفتاةِ بالشمس وللشاب او الولد بالقمر– فعندما تولدُ  أيَّة ُ بنت في مجتمعنا فالجميع يحزنون – ولكن اذا كان المولودُ ذكرا فالكلُّ يفرح ويبتهج… هكذا مجتمعنا العربي، وما زال يحملُ هذه النزعة التقليدية وهذه الرواسب. فتقول في القصيدة: “عندما يولد في الشرق القمر/ تتزين النساء/ ويزهو الرجال/ تعلو الزغاريد/ وتغني الحياة/
وعندما تولدُ في شرقنا الشمس/ تموتُ الضحكة ُ وينتحرُ الحبُّ/.. الخ…معاني القصيدة واضحة، والاستعارات البلاغية فيها موفقة وناجحة. وهي تعيدُ الى اذهاننا قصيدة للشاعر الفلسطيني الكبير المرحوم (راشد حسين) نظمها قبل أكثر من 50 سنة ويقول فيها: “في قرانا بين طياتِ الدخانِ/ يكبر الطفل لكي تكبر بالطفل التهاني/ هَمُّهُمْ أن تلدَ المرأةُ مولودا ذكرْ/ ليقولوا انه ابن اصيل مفتخر/.                .
واما قصيدتها التي بعنوان “فراق – صفحة 67” فتقول فيها: “رسمتكَ وردة في حديقتي/ تزين لي عنواني/ كلمة في دفتر ايامي/ حلما في عالم احلامي/ رسمت/ حبا ما عرفه قبلي انسان/ كلماتك ابدا/ محفورة في سطور كتابي/ وعنوان في لحن زماني/، كلمات القصيدة واضحة ومفهومة ولا يوجدُ أيُّ غموض أو تعقيدات وتترعها الرومانسية والشفافية والرقة والمشاعر الجياشة.

وتستمرُّ ركاز في نفس القصيدةِ وتضعُ عنوانا آخر لها وهو..” فراق”
فتقول: عندما  يحينُ موعدُ الفراق حبيبي/ سأختلقُ كل الاعذار/ سأوقفُ الارضَ عن الدوران/ لأنك حين تحضرُ أدنو من القمر/ واترفع عن مواكبِ البشرْ/. نلمسُ هنا البعد الفلسفي والافلاطوني، فحبيبها يعزُّ عليها فراقهُ فهي مستعدةٌ أن تعملَ المستحيلَ لتمنعَ هذا الفراق والرحيل. بل حتى ستوقفُ الارضَ عن الدوران.. وأما حضور الحبيب وبقاؤه فهو كل شيء بالنسبة،لها  فبوجودِهِ تحسُّ وتشعرُ أنها اصبحت في سُمُوٍّ وَتجَلِّ وارتفاع، نحو السماء وأصبحت قريبة جدا من القمر، وتمتلئ بالحبِّ الالهي والروحاني وتحيا حياة الروح وليس الجسد والمادة، فكأنها في محضر الرب جل جلاله وترتفع وتسمو عن العالم الترابي المادي، وعن مواكب البشر ورواسبهم.. أي عن حياةِ وافكار ونمط وسلوك البشر. وهنا في هذه القصيدة ترسمُ ركازُ لنا لوحة فنية رائعة، للحبِّ العذري الافلاطوني المنزّه عن كل فكر ونزوة مادية وشهوانية وبطابع وحلّةٍ بلاغيةٍ شعريةٍ قشيبة.
ومن لوحاتِهَا ومقطوعاتها الجميلة حيث تقول: “حُبُّكَ حبيبي علمني الحياة/ بت ملاكا/ يغني الحب/ وينشد الامان/ نجمكَ حبيبي سطعَ في سمائي ولوَّنَ أيامَ حياتي/
وتقولُ في مقطوعةٍ بعنوان: (“تنهدات قلب”- صفحة 68-69):
(“تعانق ايامي/امواج البحار/ وتشق احلامي/ نسمات الحياة /                                .
يا امرأً / لا  يخافُ  تنهدات  قلبي  وتسكعات  قلمي”.
“اشياؤُكَ لم تعد تهمُّني” وأخبارُكَ لم تعدْ تعنيني
وتقول في قصيدةٍ بعنوان: “ميلاد حب جديد”
“عندما تدقُّ أجراس مدينتي/ وتعزفُ الناياتْ/ تتوقدُ المشاعر/ وتنسابُ الكلماتْ/ تبشر بميلاد حب جديد/ عندها تعانق احلامي السماء/ تراقص السحاب/ فيأتي الربيعُ ينشُد أغاني الحياة/ .
إنها قصيدة ٌجميلة مفعمة بالحبِّ والامل والحياة والتفاؤل.. وقد تفهمُ وتفسرُ القصيدة على انها وطنية ايضا/ فعندما تدقُّ الاجراسُ وتعزف النايات… أي اجراس الفرح والسلام تقرع بعد تحقيق العدالة والامن. والناياتُ تعزفُ للفرح والابتهاج فيولدُ حبٌّ جديدٌ وهو ميلاد الحرية والكرامة والتحرر من القيودِ والنير الثقيل – والاحلام والاماني التي كانت موءودة ً– أحلام الشاعرة وأحلام الشعب المكبوت والمقيد – ستعانقُ السماءَ وتراقص السحاب والكواكب والنجوم – والربيع سيأتي باحلى حلةٍ ومظهر وسيغني ويرنمُ لاحلى وأجمل واسمى حياة الا وهي حياة الحرية.
وتبدو ركاز في بعض قصائدها انها لا تختلف عن اية انثى في هذا المجتمع الشرقي – كأنثى ضعيفة خاضعة وقطة مستكينة، والرجلُ دائما يبقى المسيطرَ وصاحبَ الكلمةِ الاولى وهو الذي يفرضُ إرادتهُ في كل شيء… وحتى في العواطف والمشاعر واللواعج والاحاسيس والمعاشرة والمداعبات،فتقولُ:  .
مثلا: (“معك أشعرُ بأنوثتي” وبين يديك أرتاح”
وفي أحضانِكَ أتحَوَّلُ الى قطةٍ مستكينة”).
وركازُ في هذه المقطوعةِ تعني وتقصدُ كلَّ امرأةٍ عربيةٍ كما يبدو.
وتترجمُ أحاسيسَ النساء ولواعجهن وما يشعرنَ بهِ أثناء التناغم والامتزاج العاطفي والجسدي مع الرجل.

والشاعرة، بدورها، لا تنكر انها تأثرت من الشاعر نزار قباني وموقفه ومنطلقه تجاه المرأة بشكل عام. فتقولُ في قصيدة لها :
(“علّمني شعرُكَ التَّمَرُّدَ والعصيانْ
تجنّدت وانضممتُ الى صفوف جيشك”)…الخ.
ولنكتف بهذا القدر من استعراض القصائد ونتمنى للشاعرة، الشابة الرقيقة والمبدعة.. ركاز فاعور التقدمَ والعطاءَ المستمر  في مجال الشعر والأدب  وأن تتحفنا بإصدارات  جديدة لها

بقلم  :  حاتم  جوعيه  – المغار – الجليل                                                                   .

إ

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة