من أسباب تخلفنا وخلافاتنا الدموية ارتباطُ التراثِ بالمُقدَّس – بقلم : علاء الدين الاعرجي

دراسات …..
قلم : د .علاء الدين الأعرجي – محام/ مفكر وباحث عراقي مقيم في نيويورك ….
لا أعرف أي أمة أضر بها تراثها العظيم ، كما أضر هذا التراث عينه بالأمة العربية. فنحن كنا وما نزال نمجد تراثنا ونستعيده وندعو إلى إحيائه. ولئن كنا نهدف من ذلك التشجيع على شحذ الهمم وتحقيق التقدم، إلا أنه أصبح ذريعة للتقاعس  بل التوكؤ والتواكل.
ومن جهة أخرى، فإنّ أحدَ الأسبابِ الأساسيَّة لاهتمامِنا المُفرِط بالتراث وحرِصنا على حِفظِه واستذكاره وتكراره، على الرغم من فشلِنا في تمحيصِه ونَقدِه ووضعِه في مكانِه المُناسِب من التاريخ الماضي والحاضر، أَراه يرجعُ، على الأرجح، إلى ارتباطه بالمقدَّس، أو بالأحرى بالنصِّ الدينيِّ والعقيدةِ الإسلاميَّة. فحينما حدَثَت الصدمةُ الأولى مع الغرب أو مع الحداثة، شعرَ العربُ والمسلمون عامَّةً، و معظم رجالُ الدين خاصَّةً، الذين كانوا يُمثِّلون  الطبقةَ المتنفذة،  المتعلِّمة أو المثقَّفة الوحيدة تقريبًا،  في مطلع القرن التاسعَ عشر،  بالخطرِ الذي يُهدِّدُ عقيدتَهم أو هُويَّتَهم، بسبب هذه المفاهيم الجديدة الوافدة من “الآخَـر”، أي الحداثة.  لذلك انقسمَت هذه الفئةُ الحريصة على العقيدة إلى  قسمَين رئيسيَّين: الفئة الأولى، رفضَت تلك الحداثة وكلَّ ما يتعلِّقُ بالغرب عامَّةً، بحجَّةِ صيانة العقيدة أو حمايتها، أو ربَّما للمحافظة على نفوذ هذه الفئة ومصالحها كطبقة لها مكانتُها وامتيازاتُها؛ والفئة الثانية تُمثِّلُ فريقًا مُتميِّزًا من رجال الدين الذين نظروا إلى المسألة نظرةً أكثرَ موضوعيَّةً وواقعيَّةً وتجرُّدًا. ومنهم، مثلاً، شيخُ الأزهر حسَن العطّار (1776-1835م)، الذي تأثر بما لاحظه من تقدم لدى العلماء الذين استجلبهم نابليون معه  في حملتة على مصر في سنة .1798 ،  الفرنسيَّة، فقال: “إنَّ بلادَنا لا بدَّ من أن تتغـيَّر، ويتجدَّدَ بها من العلوم ما ليس فيها”. ثم خلفه تلميذُه الشيخ رِفاعـة رافع الطهطاوي (1801-1873م) الذي حثَّ على اكتساب العلوم والمعارف من “الإفرنج”، وحذر من “غفلة عوامِّ المسلمين من مغبَّة مُعارضة مشروع التغيـير بحجَّة عدَم جواز الاقتداء بما تفعله الأمَّة الإفرنجيَّة، إذ الواجبُ مُجاراةُ الجار، ولو كان إفرنجيًّا غيرَ مُسلم، في كلِّ ما هو مظنَّة لتقدُّمه، فذلك شرطُ الاستعداد الواجب شرعًا لمواجهته ومُقاومته” كما نشير إلى موقفَ الشيخ محمَّد عبدُه المعتدِل من الحداثة، الأمرُ الذي أدَّى إلى تعرُّضِه لهجمات المحافظين والمشايخ. ثمَّ نشيدا بموقفَ الأفغانيّ المؤيِّد للحداثة في أواخر حياته.
كما ظهرت مجموعةٌ من الكُتَّاب العَلمانيِّين الذين دعَوا إلى التجديد أو التحديث. ومنهم على سبيل المثال؛ علي الوردي ومحمد جواد رضا ومطاع صفدي وجورج طرابيشي وقسطنطين زريق وشبلي شميل  وصادق جلال العظم  وزكي نجيب محمود ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وغيرهم.
ومع ذلك يبدو أنَّ التيَّارَ السَّلفيَّ المُحافظ كان له الكلمة العُليا، بدليل فشلِ مشروع النهضة الذي أجهزَ عليه ذلك التيَّار. فمثَلاً، يَدينُ مُنير شفيق عصرَ النهضة باعتباره “عصرَ إحلال التغريب الفكريّ والحضاريّ محلَّ الإسلام” كما كتبَ أنور الجنديّ عن فترة ما سُمِّيَ بعصر النهضة العربيَّة قائلاً إنَّ “صُحفَ مصر كانت تحملُ الدعوات والأفكار المختلفة وعُملاءَ الاستعمار الذين يكتبون باللغة العربيَّة في المُقطَّم والأهرام والهلال والمُقتطَف والجامعة وغيرها من صُحُف اللبنانيِّين المتآمرين، كانت تحمل لواءَ مُخطَّط التغريب كاملاً، هذه الصحف التي عاشت وامتدَّ بها العُمر ، بينما سقطَت الصحفُ الوطنيَّة.
ولكنَّني أرى أنَّ هذا الاتِّجاه، الذي يدَّعي” الدفاعَ عن الإسلام، قد أضرَّ بالإسلام نفسه، بدليلِ ما آلت إليه أوضاعُ  المسلمين في أوطانهم من تدهور على جميع المستويات، وتزايُد سعَةِ الفجوة الحضاريَّة بين الغرب المتقدِّم والعالَمِ الإسلاميِّ المتخلِّف مئاتِ الأضعاف، خاصَّةً خلال المئة سنة الأخيرة. وقد أدَّى ذلك إلى اعتماد المسلمين عامَّةً، والعرب خاصَّةً، على الغرب، في سَدِّ جميع احتياجاتهم، بل حتَّى في متطلِّبات بقائهم ومعاشهم، بما فيها وسائلُ الدفاع عن النفس، وتوفيُر لُقمةِ العيش، كما هو معروف. لذلك أصبح الغربُ يفرض شروطَه القاسية عليهم. وليس هناك جدالٌ اليومَ في أنَّ معظمَ الشعوب الإسلاميَّة تعيشُ في حالة تخلُّفٍ مُزْرٍ وفقرٍ مُدقِع. ولعلَّ الاستثناءَ الوحيد لذلك هو”ماليزيا” التي بدأَت تتسلَّقُ سلَّمَ التطوُّر، خلال العقود الأخيرة، بسبب تبنِّيها مُؤَسَّساتِ الحداثة، وخاصَّةً في إرساء دعائمِ العِلم والتِّقانة والصناعة والتطوير، على جميع المستويات. ولا يعني ذلك أنَّها قد تخلَّت عن دينها، بل ارتفعَت مآذنُ الجوامع إلى جانب أبراج المصانع. بينما ظلَّت دولةٌ عربيَّةٌ كبيرةٌ تلتزمُ بشدَّة  أُصولَ الإسلام مُتخلِّفةً علميًّا وتِقانيًّا، تَنمويًّا وإنتاجيًّا، على الرغم مِمَّا حصلَت عليه من آلاف المليارات من عوائد النفط الرَّيعيَّة المُتزايدة؛ بل أصبحت مَدينةً بمئات المليارات، من جهة، وخاضعةً في اقتصادِها وسياستها لأكبر البلدان  الصناعيَّة، من جهةٍ أُخرى. وهنا يصدقُ القولُ المنسوب إلى الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، الذي يُشيرُ إلى أنَّ “العِلمَ خَيرٌ من المال، فالعِلمُ يحرسُكَ وأنت تحرس المال”؛ كذلك يقول: “إذا  أرذلَ الله عبدًا حظَّرَ عليه العِلم.”
ويُشيرُ الكاتبُ الباكستانيّ البروفِسّور  برويز هوودبهوي Hoodbhoy إلى حقيقة تخلُّفِ العالَمِ الإسلاميّ، بالمقارنة حتّى مع بقيَّة البلدان النامية، على مختلف المُستويات، وخاصَّةً العلميَّة والاقتصاديَّة، في كتابه “الإسلامُ والعِلم”.16 كما يكشفُ تقريرُ الأُمم المتَّحدة عن أنَّ جميعَ البلدان العربيَّة، الاثـنَين والعشرين، التي تُعتَـبَرُ أغنى البلدان الإسلاميَّة (لا بسبب إنتاجيَّتِها العالية وجهودها الخاصَّة، بل بسبب تملُّكِ بعضِها سلعةً جاهزة هي النفط)، تُحقِّقُ دَخلاً سَنويًّا  مِقدارُه 531 مليار دولار فقط، بينما تُحقِّقُ إسبانيا وحدها، وهي أقلُّ بلدان الاتِّحاد الأوربيّ تقدُّمًا، أكثرَ من ذلك ( 595 مليار دولار).17 ويُشيُر التقريرُ إلى حقائقَ وإحصاءاتٍ مُذهلة عن مدى تخلٌّف هذه المجموعة من البلدان العربيَّة الإسلاميَّة الكبيرة والغنيَّة، في معظم الميادين الإنتاجيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة والعلميَّة، عن بقيَّة مناطق العالَم، بما فيها البلدان النامية التي كانت أكثرَ منها تخلُّفًا، قبل ثلاثة أو أربعة عقود فقط. وكمِثالٍ على ذلك نذكرُ أنَّ نصف السكَّان فيها تقريبًا يُعتبَرون من الأُمِّـيِّـين والفقراء، الذين يقلُّ دَخلُهم عن دولارَين في اليوم؛ كما بلغَت نسبةُ الأُمِّـيَّة فيها 43 في المئة، وهي أعلى نسبة في دُوَلِ العالم، بما فيها البلدان النامية الأخرى. وعلى صعيد الترجمة، التي تعكسُ مدى اهتمامِ الأُمَّة بالمعرفة والثقافة، يُشير التقريرُ إلى أنَّ الكتُبَ المترجمة إلى اللغةِ العربيَّة منذ عصر المأمون حتَّى اليوم تبلغُ نحوَ مئة ألف كتاب، وهو ما يُوازي ما تُترجِـمُه إسبانيا في عامٍ واحد تقريبًا.18
وإذا قيل إنَّ الاستعمارَ، والسيطرةَ الأجنبيَّة، وحركاتِ التغريب، هي التي أدَّت إلى هذه النتائج المؤسفة، فليس بخافٍ أنَّ العالَمَ العربيَّ أَو العالَمَ الإسلاميَّ كان مُتخلِّفًا أكثرَ جدًّا قبل دخول الاستعمار الأجنبيّ، في القرن الثامن عشر، حين كان لا يزال يمرُّ بالفترة المظلمة. ومَن يُكابر فيشكُّ في ذلك، فليرجعْ إلى كتاب تاريخ الجَبرتيِّ المعروف بـ”عجائب الآثار في التراجم والأخبار”. وكانت الدولة العثمانيَّة، حاملةُ بقايا لواء الخلافة الإسلاميَّة، قد استمرَّت في تخلُّفها الحضاريّ، وخاصَّةً اقتصاديًّا وعِلميًّا وإداريًّا، حتَّى وُصِفت بالرجل المريض، ثمَّ انهارت في الحرب العالميَّة الأُولى. وقد أشرت في مناسبات سابقة  كيف كانت صدمةُ العرب والمسلمين قاسيةً حين استيقظوا على أصواتِ مدافعِ نابليون تدكُّ حصونَهم. فثار السؤال القديم الجديد: “لماذا تقدَّم الغربُ وتخلَّف المُسلمون؟” الذي  أجبنا عليه في خمسة كتب صدرت في العامين السابقين. وهي متاحة على الإنترنيت مجاناً. وأهمها الكتاب التالي:
1-أزمة   التطور  الحضاري   في  الوطن العربي
بين  العقل  الفاعل والعقل المنفعل
طبعة خامسة مزيدة
https://drive.google.com/file/d/0B7-yP9NKQgUrZHdPdlZCSUtPYTg/view?usp=sharing
يمكن تحميله    مجانا

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة