مطلوب إلى جهنم – بقلم : عادل سالم

القصة ….
بقلم : عادل سالم – رئيس تحرير ديوان العرب ….
زبانية جهنم يبحثون عني في كل مكان، أنا الهارب منهم أبحث عن مكان أختبئ فيه، كل الأماكن في بلاد العرب غير آمنة، كل مطلوب في بلادنا يسلم إلى الجهة التي طلبته كي لا تقطع الدعم، فكيف إذا كنت مطلوبا لزبانية جهنم؟ حسنا سأتدبر أمري لكني أنصحكم ألا تبلغوا عني، أو تشوا بي كعادتكم. فمن يبلغ عني سيتعرض لسين، وجيم، وربما يدعونه للسماء للشهادة ضدي في مكاتب جهنم، ومن يدري ربما تقضون هناك أياما سوداء.
استطعت الإفلات من جهنم بأعجوبة، ولا أدري هل كان ذلك لذكائي، أم لغبائهم.
ما زلت هاربا من هناك، والبحث جارٍ عني، صوري في كل المعابر في فلسطين، وأمام كل الأبواب المؤدية إلى السماء، ومع كل الملائكة الذين أوكلت لهم مهمة متابعتي.
أعلم أن عقابي سيزيد، وسوف يضاعفون لي العذاب لأنني استطعت الإفلات منهم، لكن أطمح أن ينسوني في غمرة زيادة الأعباء عليهم. فالناس هناك طوابير لها أول وليس لها آخر.
جهنم وما أدراك ما جهنم؟ اسمها وحده يثير القلق، رغم أن بابها مزين بزخارف لم أر قبلها إلا يوم أمس عندما كنت هناك. حراسها طيبون لهذا استطعت الإفلات منهم، خدعتهم، لم أتوقع أنهم بهذه الطيبة.
يوم أمس كنت في السماء، بعد أن ودعت الجميع، كان الوداع سهلا، وسريعا حتى أنني لم أشعر كيف وصلت سريعا إلى السماء، بعد سير مسافة أميال كنت كصاروخ لا حد لسرعته، وصلت مفترق طرق، اليمين فيها للجنة، واليسار فيها لجهنم، لن تسألوني ماذا اخترت؟ سأكون كاذبا لو قلت لكم أنني اخترت جهنم، بل اخترت الجنة بالتأكيد. هل هناك من لا يحلم بها؟
أمام الجنة حراس بدون سلاح، يبتسمون لكل قادم.
في مكتب الاستقبال، قال لي أحد المسؤولين بعد أن كشف عن ملفاتي عنده أنني غير مؤهل لدخول الجنة، إذ ينقصني حسنة واحدة كي أظفر بذلك، حاولت إقناعهم لكنهم لم يسمعوني. كانت سيرتي عندهم كلوحة جميلة لكن صاحبها مات قبل أن يضع لمسته الأخيرة عليها فظلت ناقصة.
طردوني إلى جهنم، وعندما لم ألتزم بأوامرهم، أرسلوا أحد حراسهم لينقلني مكبلا لمكتب جهنم.
جهنم؟؟؟ يا إلهي!!
كيف يمكن أن يكون باب جهنم بهذا الجمال؟
اقترب مني حارسان من حراس جهنم، نظرا في عينيّ ثم تمتما معا بلغة لم أفهمها ثم قال أحدهم للآخر:
هذا الرجل أمره عجيب، سندخله جهنم لأن حسناته تقل واحدة عن سيئاته؟!
هذا ذنبه؟ ما رأيك أن نضعه في جهنم لمدة شهر؟
شهر فقط؟؟ أنا أطالب بشهرين.
شهر يكفي أفضل.
نظرت إليهما غير مصدق، شهر، شهران بسبب حسنة واحدة؟!
قلت لهما عندي اقتراح، رد أحدهما:
ما هو؟
لماذا لا تعيداني للأرض لأكسب حسنة ثم أعود؟
ضحكا معا، وقالا:
تريد الهروب من العقاب؟ ما الذي منعك أن تكسب حسنات أخرى في حياتك؟ كنت مقصرا وتريد من الله أن يعفو عنك؟
كيف أهرب من الله والله في كل مكان؟ لماذا أهرب، وأنا سأعود للجنة؟
نظر الأول للثاني وتمتم معه بلغتهما ثم قال لي:
حسنا سنرسلك للأرض لنهار واحد تعمل خيرا، وتكسب حسنتين لأن واحدة ستجعلك بين الجنة والنار فنحتار في أمرك. وبعد أن تنتهي سنرسل لك أحد الحرس لإحضارك.
لم أتردد في الموافقة، قدم أحدهما لي جهازا صغيرا بحجم حبة العدس، ألصقه في رقبتي وقال: (هذا الجهاز للحديث معك إن احتجناك، التزم بالموعد، وإلا ستعيش كل الوقت في جهنم).
لم أصدق أنني في باب العمود، يا الله، ها أنا أسير في المدينة التي ودعتها يوم أمس!! ما الذي سأقوله إن تعرف علي شخص؟
سرت أبحث بين المارة عن شخص يريد المساعدة لأساعده. فجأة مر من هناك شحاذ، منظره يثير الشفقة، وضعت يدي في جيبي فلم أجد شيئا، كيف لأهل السماء أن يحملوا الفلوس؟!
بعد قليل كانت امرأة تسير حاملة بعض الأكياس وقد تقوس ظهرها من ثقلها، تقدمت نحوها مسرعا وعرضت عليها مساعدتها مجانا، نظرت إلي غير مصدقة:
أنت؟
نعم لم لا؟
حملت الأكياس عنها حتى باصات العيسوية، كان الناس يصطفون أمام الباص في طابور، وبعض الشبان يحاولون تجاوز الطابور دون دون خجل. شكرتني وعدت أدراجي، فجأة سمعت حارس جهنم يقول لي:
حسنا هذه واحدة بقي لك حسنة واحدة، هيا حاول بسرعة.
أكملت سيري، باحثا عن حسنة أخرى فلمحت شابان يتشاجران فتدخلت لأفصل بينهما. لكنهما تضايقا من تدخلي فلكماني، فاشتطت غضبا، وضربتهما، فصاح حارس جهنم:
أيها الوغد لقد زادت سيئاتك، وقلت حسناتك حسنتين، يجب أن نعيدك فورا إلى جهنم لنرميك هناك سنة كاملة، قف مكانك ولا تتحرك.
لا لا انتظر لم ينته الوقت.
قلت لك قف مكانك.
كيف أتوقف وأعود لجهنم برجلي؟ لا لا لن يحصل، وضعت يدي على رقبتي فانتزعت الجهاز الصغير ورميته في سلة زبالة في الطريق، وقررت النزول للبلدة القديمة كي أختفي بين أزقة البلدة القديمة.
عند الباب أوقفني الجنود الإسرائيليون الذين يملؤون المكان وأيديهم على الزناد.
أنت تعال، هنا. أين بطاقة الهوية؟
هوية؟ وقعنا؟ ومن أين سأحضر له الهوية؟ قلت له:
نسيتها في البيت.
رفع سلاحه في صدري، وقال:
قف هناك عند الحائط، حضر جندي آخر ليساعده، ورفع هو الآخر سلاحه، وأمرني ألا أتحرك، سألني أحدهم عن اسمي وأين أسكن، وهل أنا من القدس فجاوبته. اقترب مني أحدهم وسلاحه في ظهري، وبدأ يفتشني وهو يكيل لي الركلات بحذائه الثقيل دون توقف، وكل ما حاولت أن أوضح له شيئا، كان يصرخ بي: (اسكت يا ابن ….) فأصمت. كل المارين كانوا يتفرجون علي عاجزين عن تقديم أي عون، سمعت أحدهم يقول:
حسبي الله، ونعم الوكيل.
بدأوا يتحدثون مع القيادة عن الصيد الثمين. أما أنا فكنت قلقا لم يبق لدي وقت طويل كي أعود لجهنم، ولن يكون بمقدوري أن أكسب ثلاث حسنات قبل أن يعيدوني.
كنت محتارا لا أعلم ماذا أفعل.
فجأة قررت أن أفعلها فإما أن أفلت من كليهما، الجنود، وحراس جهنم، أو أن أقع في حبال أحدهما.
فجأة هربت مسرعا لداخل البلدة القديمة.
كنت واثقا أنني سأفلت منهم، وأنني سأكون أسرع منهم، لكني لم أعلم أن رصاصهم سيلاحقني قبل أن تتحرك أرجلهم. كان الرصاص مثل زخ المطر. ليت تراب بلادنا العطشى يرويها الماء قدر الدماء التي تسيل من رصاصهم.
مرت لحظات عدت للموت من جديد.
لا أدري كم مر من الوقت عندما فتحت عيني لأرى حراس جهنم أمامي يصطفون بأعداد كبيرة، أمام باب جهنم. إذن أنا الآن أمام باب جهنم، اللعنة اليوم سيضعوني مدة أطول!!
كيف سأتحمل هذه النار لسنة كاملة؟ كان وجه كل ملك من ملائكة النار عابسا، غاضبا، لعلهم سيعذبونني لأنني خدعتهم.
فجأة تغيرت وجوههم كأن ملامح البسمة بدأت تحطم غضبهم. ما الذي سيفعلونه بي؟
تقدم أحدهم إلى الأمام رفع يده للأعلى فتبعه من خلفه، إنهم يوجهون التحية؟ نظرت خلفي فلم أر أحدا. ما الذي يفعلونه يا رب؟ أغثني يا ربي منهم، واعف عني.
سألتهم لمن توجهون التحية؟ قالوا بصوت واحد
لك أنت يا أيها البطل.
بطل؟ لكني لم أفعل شيئا.
أنت الآن كسبت حسنات جديدة فاقت السيئات، سنعيدك إلى مكتب الجنة.
لم أصدق، أنا أذهب للجنة؟ يبدو أن الله استجاب لدعائي. إذن إلى الجنة على الفور.
فجأة أحسست بيد تدفع بي، وتقول:
حضر الهوية، وصلنا المعبر.
نظرت حولي، فلم أر حراس جهنم، ولا حراس الجنة. كانت زوجتي تقول لي أننا وصلنا حاجز معبر قلنديا قادمين من رام الله، وعلي تحضير الهوية لقوات الأمن الإسرائيلية هناك.
لم أصدق أين أنا، ما الذي حصل؟ سألتها: (متى عدت للأرض؟).
نظرت مستغربة، وقالت:
يبدو أن طول النوم خربط لك عقلك. قم صحصح لقد مر على نومك ساعتان كاملتان، ونحن ننتظر أن نصل المعبر.
0Share

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة