Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

حكايا امريكا : حكايات وقصص من الجالية العربية (5)

الجالية العربية ….
بقلم : وليد رباح …
من بافالو .. الى باترسون ……..
عادة ما افتح مكتبي عند الرابعة او الخامسة صباحا .. لكي اطل على هذا العالم من خلال الشبكة العنكبوتية .. فأقرأ الصحف العربية وبعضا من الانكليزية وأرى مستجدات ذلك اليوم .. واني لاجد متعة في ذلك .. فلا  مكالمات او ضيوفا او منكدات .. غير ان ذلك كله تغير في ذلك اليوم .. فعندما وضعت المفتاح في الباب الخارجي .. اذا بشخص ما يقبع قرب الباب وقد غطى وجهه وجسده بمعطف سميك اتقاء للبرد الصباحي الذي ينخر الاجساد .. وسمعت صوت امرأة تناديني باسمي بالعربية فتوقف المفتاح بيدي .. ماذا تفعل هذه المرأة هنا في هذا الصباح .. ما الامر يا ترى ؟ وعندما قلت لها : نعم .. انا هو .. قالت .. اكاد اموت بردا .. هل أدخل الى مكتبك قليلا كي اشعر بالدفء .. قلت : نعم .. تفضلي .. ولما كنت فد خشيت ان يكون هناك فخ مما درجت عليه المقالب .. فقد استدعيت زوجتي هاتفيا فجاءت على عجل .. سألتني زوجتي عندما هاتفتها هل في الامر ما يوجب ان آتي اليك بمثل هذه الساعة .. فقد قرب الوقت الذي انهض فيه وارسل الاطفال الى المدرسة .. قلت لها : دعي  هذا .. ان الامر مهم جدا .. ولما كان بيتي قريبا من مكتبي فقد ولجت زوجتي اليه

.. كانت عينا المرأة حمراوين مما يوحي بانها لم تنم تلك الليلة .. اولا بفعل البرد القارس .. وثانيا .. لان ظروفها قد جعلها تفكر طيلة الليل بما حدث لها .. وفي العادة .. فان ما حدث لها يحدث في الكثير من البيوت العربية التي تظل فيها المرأة مستكينة ولا تطلب حقها لان زوجها يظن انه في البلاد التي تضطهد المرأة  .. اكثر من ذلك .. يقوم بضربها حتى امام اطفالها . هذا عوضا عن الكلام الرقيع وغير المسئول الذي يوجهها الزوج لها ..

في البدء لم استطع تبيان المشكلة على حقيقتها بسبب اصطكاك اسنان المرأة نتيجة البرد .. بحيث طلبت منها اعادة ما حدث لها بالتفاصيل ..لانها كانت لم تزل ترتجف وتبكي في آن معا .. ومضى ما يقرب الساعة حتى عاد اليها هدوءها ..  قالت :

اني اسكن في مدينة بافالو من ولاية نيويورك  .. وقد طردني زوجي عند منتصف الليل فهمت على وجهي في شوارع بافالو .. واعترضني العديد من الرجال التائهين في الشوارع ..  كانوا في معظمهم من السكارى والحشاشين واصبحاب السوابق .. بحيث كانوا يتلفظون بكلام اقل ما يقال فيه انه خادش للحياء .. فمنهم من دعاني لقضاء تلك الليلة معه .. ومنهم من اخرج بعض النقود من جيبه وهو في حالة السكر لكي يقول لي .. اني امتلك النقود .. ساعطيكها مقدما .. وثالث كان يتفرس في جسدي كأني من بنات الليل .. ولقد عثرت على بقالة عربية يسهر فيها اصحابها حتى الصباح ..فدلفت اليها وقلت للرجل الوحيد الذي كان بداخلها عن مشكلتي .. وان زوجي قد طردني من البيت ولا اعرف لي وجهة .. وطلبت اليه ان يتوسط في اعادتي الى البيت في هذا الليل البهيم .. لاني لا اعرف احدا في هذه الناحية .. قال لي الرجل .. انه لا يستطيع ترك البقالة لانه عامل فيها وليس صاحبها .. ثم اضاف : فان تفقدني صاحب العمل اخشى ان افقد وظيفتي فانا محتاج اليها .. واخذ يتفرس في وجهي وجسدي كأنما كنت من النساء اللواتي يسرحن في الشوارع ليلا .. قلت له :ارجوك ..  فانا لم اتعود ان اخرج ليلا من بيتي .. فكر قليلا وقال : حسنا .. هل معك من النقود ما يكفي لكي تذهبي الى ولاية نيوجرسي .. فهناك الكثير من العرب يمكن ان يحلوا لك المشكلة .. قلت له : ولكن ولاية نيوجرسي بعيدة عن هذه المدينه .. قال : ليس لك الا ذلك .. قلت له .. حسنا .. ان في جيب ثوبي الذي ارتديه بعضا من النقود ولكني اعتقد انها لا تكفي .. قال : هذه خمسون دولارا اقرضها لك تعيدينها الي عندما تعودين الى بيتك .. قلت : سوف افعل .. اعطيته عنوان بيتي واسم زوجي ..

تابعت المرأة بعد ان توقفت قليلا كي تلتقط انفاسها : كان قد مضى من الليل اكثر من نصفه .. ولم اجد في تلك الليلة حافلة تقلني الى  نيوجرسي .. ذهبت الى بيتي عند الساعة الخامسة صباحا .. لكن زوجي كان على حنقه وغضبه .. اذ لم يزل على حاله .. رجوته ان يفتح لي باب البيت فصرخ من الداخل .. اذهبي عن وجهي .. فلا اطيق ان اراك .. وقد سمعت الصغار يبكون .. لكنه لم يتطلف بحالي وتركني عند الباب قائلا : ان لم تذهبي في سبيلك فاني ساخرج اليك واشبعك ضربا وركلا .. اذهبي من هنا .. حاولت المستحيل ان اقنعه بان يفتح لي الباب .. ولكنه خرح الي اخيرا وفي يده قضيب حديدي فعلمت انه سوف يؤذيني .. وقال : اذهبي عني فاني سوف اطلقك هذا اليوم .. وخفت على نفسي فتركت المكان وركبت حافلة الى نيوجرسي .. وقد اوصلني السائق مع بقية الركاب الى نيويورك المدينه ..  ولم يكن معي من النقود بعد دفع الاجرة للحافلة الا بضع دولارات لا توصلني الى نيوجرسي .. فاخذت ابكي في الشارع .. غير اني لمحت محلا في نيويورك مكتوب عليه بالعربية .. دخلته فاذا رجل فلسطيني يعمل في داخله شطائر للزبائن .. وقفت جانبا ثم شرحت له ما بي .. قال : ان الاجرة من نيويورك الى نيوجرسي لا تتجاوز الدولارات الخمسة .. قلت . لكني لا امتلكها .. نظر الي متفحصا ثم قال .. هذه عشر دولارات يمكن ان تصلي بها الى هناك .. اخذت الدولارات ووعدته بان اسددها له فقال .. لا تقلقي نفسك بهذا الامر .. لا اريدها .. كانت الساعة قد جاوزت السابعة مساء .. فقد امضيت طيلة النهار في مدينة نيويورك لعجزي عن توفير مبلغ يوصلني الى نيوجرسي .. لكني سألت المارة عن ولاية نيوجرسي فدلوني على الحافلة التي تظل تنقل الناس الى هناك على مدار الساعة ..  ..وعندما وصلت الى مدينة باترسون ..  دلني احد المراهقين  ممن يتواجدون على الشارع الرئيس اليك .. فانت كما قالوا تساعد من تقطعت به السبل .. وها انت تراني قد امضيت اكثر من سبع ساعات قرب باب مكتبك .. لانه كان مغلقا ..

قلت لزوجتي : خذيها الى المنزل واطعميها وافردي لها مكانا لكي تنام وتستريح .. وبعدها يمكن ان نرى كيف نحل المشكلة  .. وهكذا كان ..

عند ما بعد الظهر جاءت المرأة التي لم تتجاوز الاربعين .. وفهمت منها ان لها خمسة اولاد .. وان زوجها سكير عربيد يأتي في منتصف الليل لكي يقوم بركلها وركل اولادها وهم نيام ..  تتابع المرأة ..وفي هذه المرة ازدادت شراسته فقام بضربي بعصا غليظة على كافة انحاء جسدي مما حدا بي الى الهروب ..  ومن ثم اغلق الباب خلفي قائلا : الى جهنم وبئس المصير ..

أخذت رقم هاتف زوجها وقمت بالاتصال به فقال لي صارخا : يا الله .. لم اكن اتوقع انها في نيوجرسي .. ارجوك .. ابقها لديك حتى آتي اليك .. قلت : ان المسافة بيننا ما يقارب الساعات الثماني .. فمتى تأتي .. قال : سآتحرك بعد ساعة بعد تأمين الاولاد ..

أخيرا .. وبعد ساعات طويلة من النهار ..وصل الرجل الى مكتبي بعد طول انتظار .. فقد كانت عندي بانتظاره خائفة مذعورة ان يعتدي عليها .. طمأنتها الى انها عندي ولا يستطيع ان يفعل شيئا يغضبني .. وعندما تقابلا على غير ما توقعت .. بكى الاثنان معا امامي واحتضنها بحنو .. وكان الطفل الكبير وعمره احد عشر عاما يرافق والده .. واعترف الرجل بخطئه .. وقال بانه فعلا مصاب بداء شرب المسكرات .. بحيث يذهب به العقل الى ان يتصرف تصرفات لا تليق .. وشكر زوجته التي لم تقم بابلاغ الشرطة .. غير انه انبها لقدومها الى نيوجرسي .. وقال لها .. لو انك اتيت مرة اخرى لكان الامر قد تغير كثيرا .. بحيث عادت الي طبيعتي بعد ان اغراني احد الاصدقاء بشرب المسكرات حتى الثمالة .. قلت له : اذا لم يكن احد يستطيع استقبالها في بافالو فلها الحق في ان تختار المكان الذي تذهب اليه ..

امضينا ساعة او اكثر .. واحضرنا طعاما فاكلنا جميعا .. ثم انصرف ثلاثتهم الى بيتهم في بافالو .. عندما وصلت المرأة الى بيتها قامت بالاتصال بي مع زوجها سويا .. قال لي الرجل : ان العمل الذي قمت به لن انساه ابدا .. قلت : يجب ان تتلطف في معاملة زوجتك .. لانها انسان مثلك .. واذا ما بقيت على هذا الحال .. فاني لن ادعها تتحدث للشرطة.. سأقوم انا بنفسي بالاتصال بهم .. قال : لن افعلها ثانية.. ارجو ان تصدقني ..

مضت الايام والمرأة  لم تزل تكلمني في كل اسبوع او اسبوعين .. كنت اسألها عن حالها وعما حدث لها بعد ان عادت الى بيت زوجها .. فتقول : زوجي قد تغير كليا .. لقد اقلع عن الشرا ب والسكر .. واخذ يعاملني معاملة لطيفه .. ويبدو ان الله سبحانه قد يسر لنا ان نتعرض للمحنة حتى يستفيق من سباته .. قلت : يا سيدتي .. اذا كان زوجك مدمن على الشرا ب فان الاقلاع عنه امر صعب الا اذا كان مقتنعا بذلك .. عليك بان تعامليه معاملة طيبة .. وقد يثمن لك تلك المعاملة .. قالت : هذا ما فعلته .. واني لشاكر لك فضلك .. قلت .. الفضل لله سبحانه .. ولست انت الوحيدة التي حدث لها ذلك .. ابق على ما انت فيه من رعاية لزوجك والاطفال .. فان هذا مدعاة لكي يغير كل عاداته  ..

في السنين التي تلت .. انقطع الاتصال بيني وبينها .. غير ان جرس الهاتف رن يوما في مكتبي  .. كانت هي على الخط لتقول : آسف لعدم اتصالي بك كل هذه السنين .. ولكني اريد ان ادعوك الى حفل اقمناه انا وزوجي لتزويج ابننا الاكبر .. لم اتنبه الى صوتها بعد ذلك الغياب .. سألتها فذكرتني بما حدث .. ثم تابعت .. لن يحدث ما انتويناه الا اذا كنت بيننا .. قلت : ولكن عملي لا يسمح بذلك .. قالت: ان الحفل في يوم الاحد .. وهذا يوم لا يعمل الناس فيه .. قلت لها : ولكني اعمل يومي السبت والاحد .. قالت : كرامة لله .. ارجو ان تكون بيننا .. قلت : لن اخذلك ايتها الاخت .. سأكون انا وزوجتي بينكم في حفل الزفاف

عندما ولجت الى بيتهم كان الاستقبال حافلا .. كان هناك الكثير من الضيوف في المنزل .. لم يخجل الرجل لان يخبهم القصة التي حدثت كاملة .. قام الضيوف  وقبلوني جميعا وكنت خجلا من نفسي .. فانا لم افعل شيئا الا ما املاه علي ضميرى .. وفي الحفل الذي اقيم في صالة بفندق متواضع في بافالو .. كنت انا وزوجتي ضيفا العائلة .. واصرت المرأة وزوجها على ان اكون الاب الذي يقود العروس الى عريسها في الحفل لان اباها انتقل الى رحمة الله منذ سنتين .. وفعلتها .. فكان التصفيق من بعض من يعرفون المسألة حارا .. وهكذا عدت في الليل من يوم الاحد الى ولاية نيوجرسي .. وبدأت العمل ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة