جروح لم تلتئم بعد” في ديوان “ما لم أكنه” لأحمد زكارنة – بقلم : سماح خليفة

اصدارات ونقد …
بقلم: سماح خليفة/ فلسطين المحتلة ….
“ما لم أكنه”
عبارة تعصف بذهن القارئ حتى تُدخله في زوبعة من المتاهة والحيرة البالغة، لماذا يُعمِلُ الشاعرُ قلمَه في الكتابة عن ما لم يكنه أو ما ليس فيه إذا نظرنا في وجه الكلمة التي تحمل دلالة مباشرة للمعنى، أم ربما هي أمنيات الشاعر التي لم تتحقق بعد ويتمنى لها أن تتحقق؛ فصبها في قالب من النصوص والأشعار احتضنها ديوانه، أم هي انتصارات الشاعر على محطات من الضعف لم يستسلم لها بل وجنبها ذاته وتغلب عليها، أم هي مرآة النفس والغير على حد سواء، حالة من النقص والامتلاء لدى العامة يعبّر عنها الشاعر من خلال لجوئه إلى الترميز المكثف في نصوصه؛ ليحمل القارئ على أكثر من جناح للتأويل؛ فيطرح صورهم في أكثر من مرآة ويغرقهم في الغموض بل ويذيقهم أطعمة مختلفة للحرف في محاولة منه لأن ينحى منحا متميزا في الكتابة.
“ما لم أكنه” كلمات توحي برغبة الشاعر بالبوح لتلك الشخصية القابعة في خفايا النفس البشرية. وما يدلل على ذلك اختياره لنص النّفري “بين النطق والصمت برزخ فيه قبر العقل وقبر الأشياء” وأنا أقول بين النفس وخفاياها، بين الوعي واللاوعي، بين أن نكون أولا نكون، هناك دائما قبر يخلد فيه الفناء في مفارقة لا تفسير لها، ص19″هنا لا أحد يقول نفسه أو ينوي” ، لا أحد يبوح بخبايا النفس رغم تشابه النفوس من الخارج،  “هنا كل شيء يشبه نفسه” ص20
من يقرأ “ما لم أكنه” يجده مقولبا في قالب فلسفي كثيف رمزي ينقل هم الانسان مع ذاته ووطنه وأرضه ويومه وزمانه ومكانه وعاداته وتقاليده ومغتصب يسلب منه كل أشيائه فيحيله هامشا في فراغ.
فنجده في هذا الديوان الذي هو عبارة عن جزئين: “لا أرى فيّ سواي”،”ثقوب شخصية”، يتناول ذات المواضيع في ذات الجزئين إلا أننا نجد نصوصه في الجزء الأول مبهمة بلا عنواوين فربما تعكس عدم قدرته على تشخيص الحالة الخاصة والعامة المتمركزة في ذهن الشاعر في نفس الوقت، أما في الجزء الثاني نجد الشاعر تناول المواضيع نفسها مع فارق عنونة نصوصه في الجزء الثاني، فهل هي محاولة من الشاعر لإعادة ترتيب الأمور وقولبتها في إطار واضح وبالتالي تشخيصها لتشخيص جروحه النازفة وأسبابها؛ فيسهل عليه إيجاد الحلول لحالة عدم الاستقرار والتشظي التي يعاني منها الشاعر في ذاته والتي فيها أيضا انعكاس لذوات الاخرين.
الباب الأول”لا أرى فيّ سواي” نجده يستنزف القارئ بين نص هارب من الأنا إلى الأنا نفسها في محاولة للخلاص عن طريق حلم يتأرجح بين الأناتين ص10
“من تنادت في الأنا، ليست أناي
تلك التي ترتب مقعدها في الأحلام
عينان على جبهة حسن النوايا …..يضجان……..هاجسا…توبة…انتحار…”
وكذلك ص11
“أنا والسالك
ثنائية الفناء والخلود ……………لا وجود في الوجود”
يتابع الشاعر الأنا الهاربة من مجرد فكرة الفناء ليستكمل في قوله ص13
“كل شيء مهيأ للسقوط …………..الجسد الخارج لتوه من الحلم”
يعيد الكاتب ترتيب العلاقات في النص ليخرج من حالة الفوضى العلائقية التي فرضها الاحتلال في قوله ص14
“لي عين………..لي أذن…لا تسمع غير ارتطام الدم بالعشب…لا براءة لدم من دم…لي اسم…كان لأمي…وآخر لأبي
من نحن…سؤال في الظل ينمو …في خوذة الجندي في المركبة العسكرية……………..من منا الحر ومن الأسير؟ ص18
هنا كل شيء يشبه نفسه…………………هنا لا شيء يشبه نفسه……….”
حالة الفوضى هذه بحاجة لمن يعيد ترتيبها والشعور بالخواء والفراغ والفقدان الذي فرضه ظلم الاحتلال بحاجة لمن يملأه يعبئه يعوضه فلا يجد غير البحث عن معنى للحب وسط كل هذا الألم ليجد نفسه تائها في فلسفة الحب العميقة ص21
“ما الحب؟
يولد السؤال، ولا نولد،
من يدري؟
ملاذ ضحايا يخطئون إذ يتجلون……..”
لا يكاد ينتشي الشاعر بمجرد فكرة البحث عن معنى الحب كدواء لداء فرض عُنوة حتى نراه يُستدرج مرة أخرى للواقع الأليم واقع الهزائم والخسارات المتجسدة في الموت والقبور ص23
“لم يكن سهلا
أن نحصي هزائم الوقت…..”
فيحاول التغلب على الزمان والمكان أن يوقفهما أن يستلّ الوقت من اليوم لشيستلّ الألم من حياتنا ص23
“أن نخرج عقرب الوقت من اليوم ………. وندعي أننا رتقنا جيوب الأكفان”
يقف القارئ وقفة تأملية عند قول الشاعر ص24 “لم يكن وطنا ذاك الذي قدنا شراعه في الوهم”؛ ليتساءل القارئ: هل يمكن أن يكون الشاعر قد أشار إلى إعلان الاستقلال الذي تم فيه الاعتراف بدولة فلسطين حيث أن هذا الاعتراف كان وهميا على الورق فقط…ربما…
بعد حالة النقص التي اعترت الكاتب في فقدان وطن حقيقي يذهب للبحث عن أسباب هذا الفقدان ص27
“يدي اليمنى تسأل يدي اليسرى:
لم هوينا؟
أي يد تلك
التي خانت الأخرى؟”
ويبقى الشاعر يعيش حالة الخواء أو النقص فيتوه في عالم افتراضي تتحقق فيه المعجزات في محاولة منه لسد هذا النقص أو حالة الخواء التي يعانيها،  يحاول الهروب من الألم الذي يعتريه لينسى عذاباته ص28
“أرى ما لم أر في الحلم
معاشرة النجوم للنجوم
مصافحة الماء للماء
أنوثة الجبال أقانيم الروح
السماء في زي العروس
كل علامات الوصل والهجر
أتوه
أنسى
أشطح”
ولكن هل ينجح الشاعر في تخطي الألم؟ هل ينجع في نسيان مواجعه المتمثلة في صرخة أم أو طفلة أو حتى في تأوهات الأمكنة المحيطة ص29
“أطأ الحياة مرتين
مرة في صرخة أمي
ومرة كلما أراها
طفلة هي ……”
لا أظن الشاعر ولا أي فلسطيني غيره يستطيع أن يتحرر مما يعتريه من ألم بل تراه يتشظى بين حياتين بل بين موتين بين هروبين ص31
“الشوق موت
والبعد موت
فبأي الموتين نمارس الحياة؟”
ولكن لا بد من خلاص الروح حتى تستمر الحياة ووتتحقق حكمة الله في خلقه ولا يجد الشاعر غير الحب الذي فطرنا الله عليه؛ ليلجأ إليه حتى يخلع عنه كل أردية القهر والظلم فيصور الحبيبة التي تتمثل في الوطن فلسطين أو الحبيبة الأنثى بأجمل صور الحب يكاد يكون حب تصوفي ص32
“قالت:”أنت هنا
على وجه التقريب”
قلت:”وأنت في الروح
احتمال أكيد”
قالت، وكأنها تقيم صلوات الروح:
هل ينبت في الجبِّ عشب الحب؟………..”
وبعد محاولات الشاعر لسد النقص أو حالة الخواء التي تعتريه أو لَأْمِ جروحه الغائرة في كله (الروح والقلب والجسد) يعود مرة أخرى يتخبط بين الحلم والواقع ليسرقه الوقت فيهوي به إلى قاع الفراغ ص40″للفراغ رغبة في الوجود…”،   ص35
“في عروة الأحلام
حيث الحكمة الغائبة
أجدني محدقا في الفراغ
من فرط الغفلة
منتبها لتجاعيد الوقت
في ملامحنا الصغيرة……..”
ليجد نفسه غريبا مع ذاته غريبا في وطنه غريبا في أرضه غريبا عن حبه ص37
“ستبقى غريبا
قالت أمي ………..
أترى قلبا ثملا
لا يخامره الحنين؟ …………”
يتحد الشاعر في حالة الغربة هذه مع الروح والجسد والأمكنة والمدن ص38
ترتجف فيك المدن،
“وتهرب …………..
وكأنكما روح في جسد
والأجساد قبور…….
من منا غريب
ومن للأمس يحن؟”
يعود القارئ للتساؤل مجددا هل يمر الشاعر في حالة من اليأس من الوضع الراهن أو الوضع الماثل في تاريخنا الهزيل تجعله يتخبط من جديد في هويته كوطنيّ كعاشق ص42
“توا سأعترف
أنا لست وطنيا
بل أطمح أن أكون
ولست عاشقا
ولكني لا أكفر بالحب ……..”
يخرج أحمد زكارنة من حالته مبهمة العنوان والمغزى إلى حالة شعرية معنونة ربما تكون أكثر استقرارا وهدوءا للنفس البشرية.
في”ثقوب شخصية” نجد الشاعر يعالج نفس القضايا التي تناولها في الباب الأول ولكن برؤية أوضح وأشمل فنجده يتطرق في نصه “في التيه واللامعنى” إلى حالة الضياع واللامعنى أو وجود اللاوجود في ذات الإنسان وحزنه وألمه وفي حالة التيه بين الموت والحياة ماضيا نحو حلم ينشله من حالة النقص والضياع والخواء الذي يعتريه.
ثم ينتقل في نصه”كم تأخرنا” ليؤكد على القضية السابقة الذكر وهي الوقت بل هي عدم إدراكنا لضياع سني العمر من بين أيدينا ونحن نفتش عن ذواتنا ووطننا وهويتنا.
يبحث الشاعر في نصه”الظل” عن ملجأ اخر من جديد فنجده في ظلالنا التي تلتحف خيباتنا وتلفظ حيواتنا.
يعود الشاعر ليؤكد على قضية الوقت لأهميته في نصه “الوقت” ولكن يشير في كل مرة إلى غفلتنا عن الوقت حتى سرقت منا أجمل لحظاتنا وسرق منا ذواتنا ووطننا وحبنا وهويتنا.
ولكن هل تفضي تلك الحالة بالشاعر إلى الإحباط وبالتالي إلى الموت كاختياره وسيلة للخلاص مما يعانيه من ألم وعذاب لفقدان كل ما هو عزيز بسبب هذا الاحتلال الغاشم؟ الإجابة تكمن في نصه”لن أموت” أي لن أستسلم لن أقهر وهذا طبعا حال كل فلسطيني، الصمود ثم الصمود ثم الصمود.
كل هذه التأوهات والجروح النازفة في ذاكرة وجسد الشاعر بل وفي قلبه وروحه جراء معاناته التي تعكس معناناة شعب بأكمله، من يصغي لها؟ هذا ما يطرحه الشاعر في نصه”من يصغي؟!” يتساءل الشاعر من يصغي ولم يقل من يستمع، فكثير هم المستمعون لقضايانا عبثا ولكن قلة من يصغي لهمومنا وآلامنا كهم فرد وهم وطن من الداخل والخارج وربما هنا يشير او يؤكد على تقصير الدول العربية ودول العالم تجاه القضية الفلسطينية بل وتهميشها وعدم الإصغاء لحقوق الشعب الفلسطيني.
يتطرق الشاعر في نصيه”الصمت” و”خلل في نطق الآه” إلى أكبر معاناة يعاني منها الشعب الفلسطيني بل وكل الشعوب العربية ألا وهو الصمت وما يتوارى خلفه من آهات إلا أنه أحيانا يتناول الصمت كفكرة فلسفية تصوفية لها أكثر من وجه.
بعد التطرق إلى كل القضايا السالفة الذكر يتوجه أحمد زكارنة إلى نصه”حوار” ليتوصل إلى نقطة وهي أن كل قضايانا أصبحت قضايا للحوار والنقاش على طاولة المفاوضات لتحيل الدم في النهاية إلى حبر وهنا إشارة منه ربما إلى أوسلو وتبعاتها.
يكمل الشاعر فيما تبقى من نصوصه يتناول القضايا نفسها بفلسفة جديدة تؤتي نفس الثمر.
ديوان الشاعر أحمد زكارنة “ما لم أكنه” يقع في 104 صفحة يضم 42 قصيدة موزعة على بابين الأول يشمل 20 قصيدة تحت عنوان”لا أرى فيّ سوايّ” والباب الثاني يشمل 22 قصيدة تحت عنوان”ثقوب شخصية

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة