Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

حكايا الجالية العربية في امريكا – (4) بقلم : وليد رباح

الجالية العربية …..
بقلم : وليد رباح …
المأســــــاة
كانت طفولتنا مزهرة وشيقة .. كنا جيرانا في قرية صغيرة .. نعيش كأننا اسرة واحدة .. امي وابي لا تطيب لهما الحياة الا عندما نسهر سويا في كل ليلة سواء في بيتنا او بيتهم .. نترك العائلة تتسامر فنركن سويا الى ركن قصي من البيت الواسع لكي نقول لبعضنا أحاديث الطفولة البريئة .. كان في السابعة من العمر .. اما انا فقد كنت في السادسة .. وظللنا على هذا الحال حتى بلغنا مبالغ الصبا .. اكمل العام الخامس عشر من عمره .. وطبيعيا ان اكون في تلك السن في الرابعة عشره ..
لاحظ والدي يوما ان صدري بدأ يتكور .. واخذت ثدياي بالبروز كأنما هما حبتي رمان مزهرة .. فقال لي ابي .. يجب ان تبتعدي قليلا عن الصبي الذي تركنين اليه كلما جاء الى بيتنا .. لا يجب ان تختليا معا .. لم افهم ما قاله فاجبت .. ولكني احب ان العب معه يا ابي .. قال بحنو : يا ابنتي .. أنت ما تزالين صغيرة لا تعرفين ما يخبؤه القدر .. لا اريد لكما الاختلاء سويا .. وقد تحدثت الى امك في هذا الامر فقالت انها سوف تبصرك بما يجب ان يكون .. تحدثي الى امك فهي خبيرة بهذا الامر .. فاننا في قرية صغيرة .. نعرف الناس ويعرفوننا فلا اريد الا ان تكوني عطرة الرائحة فلا يلهج احد بذكرك الا بما هو حسن .. .. ولا اريد للالسن ان تلوك سيرتنا .. قلت ببراءة .. ولماذا يلوك الناس سيرتنا يا ابي .. ولماذا تبعدونني عن ما احب .. قال : هذه الكلمة يا ابنتي تجعلني اقول لك .. ان ما جمعك مع جارنا كان طفولة بريئة .. اخشى ان يتطور الامر الى ما هو اكثر .. قلت : يا ابي .. ما هو الاكثر .. قال : قلت لك ان تتحدثي مع امك في هذا الامر .. ولسوف تفهمك الكثير مما لا تفهمينه .. قلت : امرك يا ابي .. ساتحدث الى امي واقوم بتلبية رغبتكما معا .. وهكذا سار ابي الى عمله في الارض التي كنا نزرعها في كل سنة فتعطينا الفواكه والغلال ونعيش من خيراتها ..
عندما تحدثت الى امي قالت لي : هل تشعرين بشىء ما قد اصاب جسدك وعزفت ان تقولي لي .. قلت لها : مثل ماذا يا امي .. قالت .. هل لاحظت ان هنالك دما قد نزف من بين فخذيك .. فوجئت بالسؤال وقلت : كيف تعرفين هذا .. قالت ضاحكة .. يا ابنتي .. في سنك تبلغ الفتاة مبلغ النساء .. وهذا يعني انك عندما تتزوجين سوف تلدين اولادا وبناتا نسعد بهم .. مال وجهي عن امي حياء وخجلا .. قالت لي : انها الحياة يا ابنتي .. تولد الطفلة ثم تكبر .. ثم تتزوج .. ثم تنجب الذرية .. ويحدث ذلك دون ان تدري الفتاة انها اصبحت مكتملة الانوثة .. وهذا ما حدث لي قبل ان اتزوج والدك .. وانك لتذكرينني بما قالته امي لي .. يومها خجلت ولم افصح لها عما بي .. فاذا بها تكتشف ذلك من خلال تخبئة القطن الذي كنت ارميه في صفيحة الزبالة قبل ان تكتشفه وتفاتحني بالامر .. قلت لها حيية .. فهمت ما قلتيه .. ولكن ابي قال لي ان اتحدث اليك بموضوعة جارنا الذي العب واياه سويا .. قالت : نعم يا ابنتي .. لقد بلغتما من العمر مبلغا لا يجب ان تلتقيا فيه وحيدين .. ولا اقول لا تلتقيان ابدا .. يجب ان يكون بينكما طرف ثالث .. قلت : وما الطرف الثالث .. قالت : اي لا تقابليه على انفراد .. عندما يأتي الينا يجب ان لا تختليا .. يجب ان يكون معكما احدا .. انا او والدك او احد اخوتك .. والا فهذا حرام .. فقد امرنا الدين ان نعمل بما قلته لك .. قلت : ولكنا لا نفعل شيئا سوى ان نلعب  ونتحدث سويا .. قالت الام .. هذا ما اريده منك .. عليك ان لا تختلي به مهما كانت الاسباب .. ثم ان امي تركتني افكر طويلا وغادرتني وكلماتها تخرق اذني فأتساءل .. لماذا يحرموننا ان نتحدث سويا .. اني اجد السرور على وجهه عندما يرى احدنا الاخر .. كما اشعر بان رعشة في جسدي عندما اقابله .. فهل هذا هو السبب الذي يمنعنا من اللقاء .. ثم قلت لنفسي .. سوف اطبق ما قاله والداي لي .. فهما ادرى بمصلحتي ..
في الايام التي تلت جاء للسهر بصحبة ابيه وامه .. ذهب الى حيث زاوية البيت الواسع فلم يجدني .. فاخذ يبحث عني .. سأل عني ابي وامي فقالا له انها عند جيراننا تسهر مع ابنتهم التي هي في مثل سنها .. لم يستطع ان يثبت في مكانه .. ذهب توا الى بيت الجيران وطرق بابهم وسأل عني .. وهكذا خرجت اليه وانا اقول له .. ارجو ان تفهمني .. ابي وامي طلبا الي ان لا نختلي الا بوجود ثالث بيننا .. قال وقد فكر للحظة .. نعم .. معهما كل الحق في ذلك .. ثم انه انصرف من بيتنا الى بيته .. فولجت الى بيتنا حياء وخجلا .. الا ان امه قامت بالسؤال عنه فقلت لها .. لقد ذهب الى بيتكم .. وتركت  الجميع يتحدثون واسرعت الى مكان نومي فالقيت نفسي على فراشي كاسفة وحزينة
وجافاني النوم فلم يزرني .. وفي اليوم التالي جهد يائسا بان يلقاني .. ذهب الى عين الماء التي نملآ منها جرارنا للشرب فلم يجدني .. ذهب الى طوابين الجيران الذين نخبز عندهم خبزنا فلم يجدني ايضا .. دار في بعض ازقة القرية ولكنه لم يجدني .. هذا ما قاله لي عندما التقينا باب بيتنا عندما كنت احاول طحن الحبوب في مطحنة القرية فقال لي : اين كنت كل هذا الوقت .. لقد بحثت عنك كثيرا فلم اجدك .. قلت : اني انفذ وصية ابي وامي .. فلا يجب ان نختلي .. وانت وافقت على ذلك .. قال لي : نعم هذا صحيح .. ولكن لم يمنعنا احد من ان نلتقي سويا بصحبة العائلة .. قلت : حسنا .. ثم دخلنا سويا الى بيتنا في المساء حيث كانت عائلته وعائلتنا يسهران معا  .. فانضممنا الى الجمع فرحين .
مضت الاعوام ونحن على حالنا .. نلتقي صدفة في الطرقات فنتحادث سويا محادثة سريعة ثم نختفي خيفة ان يرانا من يبلغ ابي وامي انه رآنا نتسامر في الطريق .. وثمنت لي امي التزامي بما قالته لي .. كما ثمن ذلك ابي .. وظللنا على ذلك حتى كان يوم .. كان بالنسبة لي بؤسا .. اما هو فكان فرحا مستبشرا ليقول للعائلة عندما جلسنا نتسامر .. لقد حصلت على تأشيرة سياحية للذهاب الى امريكا .. فان العيش في هذا البلد مدعاة للبؤس والفقر .. ووقع كلامه على نفسي وقوع الصاعقة .. وسألت نفسي .. اني احبه .. فلماذا يغادرني .. ولكني فهمت من حديث العائلة انه سوف يسافر لكي يرفدها ببعض النقود .. وفجر والده ما كنت احبه منه فقد قال لابي .. اسمع يا ابا سعيد .. نحن واياكم عائلة واحدة .. واريد ان نربط وشائج المحبة بيننا بان نخطب ابنتك لابني قبل ان يسافر .. فهذا الامر يغدو مدعاة لان لا يتأخر عن القدوم والزواج .. فلا اريده ان يمضي بقية عمره هناك .. سمعت ذلك ففرحت فرحا عظيما .. قال والدي : نتشرف بك يا ابا نصر .. هذه ابنتي تحت تصرفك .. ولا نريد لها شيئا الا ما ترتضيه لبناتك .. قال ابي : بل هي في عيني وفي قلبي .. ما تطلبه مجاب .. كنت في ذلك الوقت قد بلغت التاسعة عشرة .. اما هو فقد كان في العشرين .. زنود قوية وشباب مزدهر .. واكثر ما كان يعجبني فيه تسريحة شعره التي كنت ارتعش عندما اراه يمشطه في الطرقات .. ووجهه الوضاء الذي اصبح هاجسي احلم به في كل ليلة .
وهكذا .. اجتمع شمل العائلة في الليلة التالية .. وقمنا بقراءة الفاتحة سويا .. بحضور بعض الجيران .. كانت ليلة سهرنا فيها حتى منتصف الليل .. كنت سعيدة جدا .. وكان هو كمن اضاع شيئا ووجده صدفة .. فاذا به يمدحني ويمدح اخلاقي امام الجمع .. فانتشي واطلب في سري المزيد من مديحه
وجاء يوم السفر .. ذهبت العائلتان الى المطار في المدينة ..وودعناه واختليت به دقائق لاقول له .. لا تطل الغياب .. فاني اشتاق اليك كما يشتاق الظامىء الى الماء .. قال : وهل انسى من احبها وزوجة المستقبل .. لا تقلقي .. سوف اعود قريبا .. وهكذا افترقنا .
مضت ستة اشهر على غيابه فاذا بي افاجأ به وقد عاد الى القرية .. واول ما فعله بعد ان ذهب الى عائلته ان زارني ومعه بعض الهدايا التي فرحت لها .. قلت له : اتعرف .. هذه السنة مضت وكأنها عشر سنين .. لماذا تأخرت .. قال : ولكنها سنة جهدت فيها ان اجمع المهر وبعض النقود وما يفيد ايامنا .. قلت : وهل جئت بهدف الزواج .. قال : بالطبع .. والا لما قدمت الى هذه القرية التعسة .. قلت : انها القرية التي جمعتنا سويا .. قال: على اية حال سوف نحضر للزواج .. سابقى هنا شهرا كاملا .. ومن ثم اغادر الى هناك .. حيث نبني حياتنا سويا واستدعيك بواسطة الهجرة لتأتين الي وقد بنيت عشنا هناك كأحسن واجمل ما يكون .. ثم تابع .. لم اتجاوز تاريخ التأشيرة التي منحت لي .. وبذا استطيع العودة .
كان الفرح مبهجا .. شعرت انني اسعد انسانة في هذا الكون .. ثم تمت الدخلة وجاء الناس يهنئوننا .. وفي اليوم التالي اخذني الى المدينة.. كان كريما فاصبغ علي من كرمه واشتريت ما كنت احتاجه من ملابس واشياء ثمينه وبعض الذهب .. الا ان الشهر مضى كأنما هو نسمة هواء .. وعندما ودعته في المطار مع اهلي.. كان يبكي .. وبكينا سويا .. قال : لن اتأخر في دعوتك لكي تأتيني الى هناك .. فلا تقلقي .. وعندما رأيته على سلم الطائرة فاضت دموعي فاذا امي تناولني منديلا امسح فيه وجهي الذي اصابته الدموع وساح المكياج فامتلآء وجهي به كأنما هو مهرج في سيرك .. هكذا قالت لي أمي .
في يوم سفره ترك لي جنينا في بطني لم اشعر به الا عندما ذهبت الى الطبيب ..فرحت فرحا طاغيا .. فها هي ثمرة حبنا طفل جميل لا استطيع وصفه لجماله .. ارسلت اليه رسالة مستعجلة الى عنوانه في امريكا .. ولكني لم اتلق منه جوابا .. ومضت خمسة شهور لم اسمع منه خبرا.. لم يرسل رسالة واحدة لكي يطمئنني عن حاله وعن معاملة الهجرة التي قال انها لن تستغرق اكثر من ثلاثة اشهر.. وبدأ الضجر والحزن ينتاب والدي ووالدتي.. وبدت الدنيا تدور بي خاصة بعد ان وضعت مولودا ذكرا
بعد اشهر من الولادة ارسل لي رسالة يهنئني على المولود ويقول فيها انه صادف متاعب جمة في مهجره.. وارسل لي مغلفا يحوي ثلاثمائة دولار .. قال انها مصروفي حتى ييسر الله له الرزق ولكنه لم يترك لي عنوانا اخبره فيه عن ما حدث لي ويحدث.. اذ قال في رسالته انه لا مكان له الان لانه يبحث عن عمل آخر في ولايات اخرى ..  وهكذا عدت الى الدوامة من جديد.. بانتظار رسالة اخرى.
ارسل لي ثانية بعد ستة اشهر.. وفي هذه المرة كتب لي عنوانا اراسله عليه …فأخبرته حقيقة ما يجري وطلبت منه ان يستقدمني ورجوته ان يكون على وعده.. ولكني لم اتلق منه ردا..
لم اكن ادري ان غربتنا سوف تستمر كل هذه السنين ..فقد مضت السنة تلو الاخرى .. كان يرسل لي في كل شهرين ثلاثمائة دولار فارسل اليه الرسائل على عنوانه ولا يجيبني.. ومضت سبعة عشر عاما وانا على هذا الحال ..اسال الناس ممن يأتون من المهجر فلا يعرفون عنه شيئا.. يهزأون بي ويقولون ان امريكا ليست هي القرية التي نسكن فيها .. انها قارة تتسع لملايين من البشر ..
ابني كبر واخذ يسأل عن والده.. وفي غضون تلك السنوات كنت أسأل كثيرا والدته ووالده ان كان عندهما خبرا عن مكان وجوده فلا اتلقى منها سوى الحزن الذي يبدو في عيونهما .. ابي نصحني بان اذهب الى المحكمة واحصل على الطلاق .. ولكني لم افعل .. وظللت على عهدي فلم اطلب الطلاق ولم اتزوج رغم كثرة الخطاب.. وبدا الشيب يتسرب الى راسي .. فقد تزوجني وكنت ابنة تسعة عشر عاما ..  أما الان فانني في الثانية والاربعين؟؟
وفي مرة ذهبت الى احد ابناء القرية وقد عاد من امريكا لاسأله عنه فقال لي فقد كان في نفس الولاية التي يسكن فيها زوجي .. بل وحتى في المدينة نفسها وكان يعرفه فقال لي  : اذن فانت امرأته .. قلت له نعم .. قال : الم يخبرك انه تزوج من امريكية لكي تعطيه الاقامة الدائمة .. وهو يعيش معها عيشة رخية .. وقد كنا نتندر عليه في جلساتنا ونقول .. ترك زوجته هناك بلا مورد .. وهو يعيش عيشة مرحة هنا .. اصابني الخبر كوقع الصاعقة .. حزنت جدا .. وفي غضون ذلك .. ذهبت الى ابي ولم اخبره عن معلومة زواجه هناك .. قلت لابي .. هللا نذهب الى المحكمة .. اريد الحصول على الطلاق .. قال ابي .. انت دائما تتأخرين في طلب ما تريدين .. يا ابنتي .. لقد ربيت ابنك احسن تربية .. وان البلد كلها تفتخر بابنك .. قلت : لقد يئست يا ابي من هذا الهجر .. قال ابي : لقد نصحتك فيما مضى ان تطلبي الطلاق .. ولكنك اصررت على ان تظلي على عهده .. نظرت الى ولدي الذي كان يشبه اباه تماما وقلت : عندى ما يذكرني به يا ابي .. اترى ابني .. انه نسخة من ابيه .. ازاح ابي وجهه عني ورأيت دمعة سرحت في عينيه ولم تسقط ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف