بالأمية والغيبيات تُحكم الشعوب والبلدان – بقلم : تميم منصور

اراء حرة ….
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة ….
منذ أن ظهر الإسلام كرسالة دينية واجتماعية لم يتغير ، ثوابته الأساسية معروفة لمن يؤمن بهذه الرسالة ولمن لا يؤمن ، لا أحد ينكر بأنه يطالب بمناصرة الضعيف وتوفير العدالة والكرامة ، وانتزاع الحق ، ورفض الانتهازية والاستغلال والعبودية ، لكن  قطاعات كبيرة من المسلمين ، هم من عبث بهذا الدين وشوهوا جوهره ، عن طريق نسج سنن وفرائض لا صلة لها في الدين .
من يتحمل مسؤولية هذا التشويه أيضا عدد لا بأس به من قادة الأنظمة العربية و الإسلامية ، قبل حصول هذه الأقطار على الاستقلال وبعدها .
قبل الاستقلال كانوا العصا التي تحكم وتتسلط بها كافة القوى الامبريالية ،وبعد الاستقلال ، رفض هؤلاء القادة الصعود مع شعوبهم واللحاق في مواكب الحضارة والتطور ، كما رفضوا تبني أي فكر اجتماعي وطني وقومي ، تقدمي اشتراكي حضاري ، ليكون عوناً لهم في الحكم .
لم يجدوا أفضل من الفكر الديني السطحي البسيط الذي شوهه العديد من العلماء والمؤسسات ودور الفتاوى للأخذ به ، فحولوه الى واجهة سياسية ودستور ، ونظام للحكم ومرجعية ثقافية وعلمية ، عملوا على تكييف الدين الإسلامي وتجييره لصالح أنظمة حكمهم الفاسدة المستبدة ، هذا بدوره ساعد على خلق فراغاً سياسياً داخل الشارع وداخل صفوف المواطنين ، في نفس الوقت ساعد على ظهور فئات سلفية أصولية كثيرة ، كالوهابية والسنوسية والمهدية والاخوانية وغيرها ، حملت هذه الفصائل شعارات فضفاضة ، أهمها أنه أجل النهوض بالأمة وتحديثها يجب العودة الى الدين ، كيف يمكن تخليص الدين من الشوائب التي الحقوها به ، في ظل انتشار الفقر والأمية وهيمنة قوى طاغية كالعثمانية والامبريالية البريطانية التي سيطرت على ملايين المسلمين في شبه القارة الهندية ، وأفريقيا السوداء والشرق الأوسط ، كان من المفروض أن تتحرر الشعوب الإسلامية من سيطرة هذه القوى ، يمكن بعدها الحديث عن تطهير الدين من الشوائب التي الحقها الجهلة به .
التاريخ يؤكد بأن بريطانيا والحكم العثماني ساهموا في نشر الخرافات والسحر والايمان بالمعجزات ، وطاعة شيوخ الفتنة والتكفير بين الشعوب الإسلامية التي سيطروا عليها ، وقد فضلها الناس بسبب جهلهم وانتشار الأمية بينهم ، كان التواصل بين هذه القوى الطاغية وبين المواطنين ، أما عن طريق رؤساء العشائر ، أو عن طريق زعماء وقادة الفرق والأحزاب الدينية .
كانت بريطانيا تؤمن ومعها الدولة العثمانية ، بأن تعميق الفقر والجهل يجذب المواطنين لتفسيرات الدين السطحية والبعيدة عن الواقع ، ويبعدهم عن الحضارة والتمدن .
نذكر حادثة السفير البريطاني في الهند الذي مر على شاب هندوسي كان يضرب بالبقرة ، فهبط السفير من السيارة ، وتقدم من البقرة فأخذ يحسس عليها ، وعندما بولت أخذ من بولها ومسح به على يديه ، ورجع الى السيارة ، فسأله السائق لماذا قمت بذلك ومنذ متى تحب أنت الأبقار ؟؟ فأجاب السفير : هذا الشاب الهندوسي بدأ يفكر ويخرج من غيبوبته الدينية ، لو وافقته على ضرب البقرة لأنتشر الوعي وحلت اليقظة ، عندها سيكون طردنا ، نحن نحكم الجهل والغيبيات .
مثلاً كان شيخ الإسلام في الدولة العثمانية ، يكفر بأي اتصال أو علاقة مع أي جهة غير إسلامية .  من أجل ذلك عملت هذه القوى الامبريالية على رفع مداميك الحواجز والأسوار التي تفصل بين المسلمين وبين كل تطور حضاري أوروبي ، مع ذلك تم اختراق هذا الحصار بطرق كثيرة ، من بينها حملة نابليون على مصر ، فقد فتحت نافذة بين مصر وبين العديد من الدول الأوروبية ، ظهر ذلك في فترة حكم محمد علي باشا ، كما وصلت بعض النسمات من رياح الثورات في أوروبا الى الدولة العثمانية ، والى المستعمرات البريطانية والفرنسية ، فبدأت تتفتح بعض براعم اليقظة في شبه القارة الهندية وبلاد الشام وشمال أفريقيا ومصر .
ايقنت بريطانيا أخطار بداية التململ في مستعمراتها الإسلامية ، فلجأت الى استخدام داء الجهل الديني الذي أعدته وساهمت في انتشاره داخل صفوف المسلمين ، فقررت اللجوء الى الدين لضرب هذه الشعوب بعضها ببعض ، ففي بلاد الشام ساعدت على اثارة الصراع الطائفي يمساعدة الحكم العثماني ، فوقعت مواجهات دامية في كل من سوريا ولبنان بين المسلمين والمسيحيين .
في شبه القارة الهندية لم تجد بريطانيا أفضل من اللجوء للصراع الطائفي لمنع وحدة الشعب في هذه المنطقة ، فأشعلت نيران الفتن بين المسلمين والهندوس ، وبين الهندوس أنفسهم  وبين المسلمين أنفسهم ، خاصة بين السنة والشيعة ، كما أشعلت مثل هذه الفتن في مناطق الفرات الأوسط في العراق ، حيث نشبت اضطرابات دامية بين العشائر وبين سكان المدن ، وامتدت ألسنة هذه الفتن ليصل الى حدود مواجهات طائفية على خلفية دينية وخلفية أثنية .
كانت النتيجة الحتمية لمثل هذه الممارسات ، التأخر في بلورة ويقظة الوعي لدى هذه الشعوب ، كما أنها تركت رواسب مؤثرة لا زالت قائمة حتى اليوم ، أهمها بقاء الاحتقان الطائفي والديني لدى هذه الشعوب متجذراً في نفوس قطاعات وطوائف كثيرة ، كما ترك وراءه شعوباً مهمشة تعبة ، كان من الصعب عليها التحول وبلوغ درجات كافية من الوعي ، هذا بدوره ساعد القوى الامبريالية على استبدال حكمها الامبريالي المباشر ، بتنصيب حكام جدد لخدمة مصالحها في هذه الأقطار ، كما أنها لجأت الى أفضل طريقة لتحطيم قوة هذه الشعوب ، عن طريق تجزئتها جغرافياً وديمغرافياً على أسس طائفية ، كما حصل في شبه القارة الهندية ، وفي منطقة الشرق الأوسط .
في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، ظهرت بوادر صحوة وطنية وقومية واجتماعية ، خاصة في مصر ، فانعكست على العديد من البلدان المجاورة ، فقد تمت مواجهة القوى الأصولية ، وتمت ملاحقتهم في كل من مصر وسوريا ، مما أوقف المد الديني البعيد عن جوهر الدين الصحيح ، هذا الانحسار في صفوف السلفيين ، أدى الى انطلاقة ثقافية في مجالات الشعر والأدب  والمسرح والسينما وغيرها ، كما تم تنقية المناهج لتدرسيه من شوائب التخلف التي استخدمت باسم الدين .
لكن بعد ردة السادات الذي تآمر مع القوى التكفيرية ضد القوى التقدمية والنهضوية ، كما استغلت القوى الظلامية حكم مبارك الفاسد فأعادت تنظيم صفوفها ، فظهرت قواها بعد ثورات ما سمي بالربيع العربي خاصة في مصر وسوريا وتونس وليبيا والعراق ، أعادت هذه القوى من جديد الجهل الديني بقيادة الولايات المتحدة والسعودية وغيرها ، مستخدمة هذه المرة الإرهاب لتحقيق مآربها ، فجددت الحروب الدينية الدينية التي ما زالت مشتعلة حتى اليوم .
اليوم نستطيع القول بأن العالم الإسلامي والى جانبه العالم العربي يعيشون في ظل انقسام ديني خطير للغاية ، مما ترك مجالاً للقوى الأجنبية الامبريالية والصهيونية للتدخل والعمل على احتواء وتجنيد فئات انفصالية تحت رايات دينية ، من أكبر الدلائل على ما يعانيه العالمين العربي والإسلامي من حالة تدهور وفراغ وانقسامات وتراجع فكري وقومي ، هو عدم ارتداع الرئيس الأمريكي “ترامب ” عن تنفيذ وعوده الانتخابية ، في مقدمتها منع المسلمين من دخول بلاده ، فالدول التي اختارها باستثناء ايران جميعها ضحية من ضحايا سياسة أمريكا الخارجية ، فامريكا قامت بتحطيم هذه الدول ، وعملت على
اثارة حروب داخلها ، كالعراق واليمن وسوريا وليبيا ، رغم هذا لم تقف جميع الدول العربية والإسلامية مع الدول التي منع رعاياها من الدخول الى الولايات المتحدة ، فإن جميعها صمتت ، وتنتظر الدخان ” الترامبي ” الذي سيخرج من مدخنة البيت الأبيض .
حتى الآن لا يوجد ردة فعل من العرب والمسلمين الذين طالهم هذا القرار ، ومن الذين لم يطلهم ، فالمظاهرات في أمريكا هي من قبل المسلمين فقط .
نعرف أن الشعب الأمريكي انتخب ترامب وهو يعرف حقيقة عنصريته وحقده على الشعوب ، وأنه سينفذ تهديده الذي كان يعلنه أيام الانتخابات ، لكن نسأل الأزهر ، رجال الدين الذي يضيئون الفضائيات بالفتاوى والتفسيرات ، لماذا هذا الصمت ؟؟ لماذا لم تصدر فتوى تمنع الامريكان من دخول الأقطار العربية والاسلامية

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة