في وداع جدي – بقلم : ابراهيم مشارة

منوعات ….
بقلم : إبراهيم مشارة  – المغرب …
وإجلال مغناك اجتهاد مقصر
إذا السيف أودى فالعفاء على الجفن
مات جدي لأمي قبل ايام  أودعناه الثرى وأوصياناه الرفق به فهو حديث عهد بالثرى وليلته تلك كانت أول ليلة في المدينة الفاضلة (المقبرة)، وهي فاضلة حقا لأننا حين عجزنا عن تشييد مدينة فاضلة في عالم الأحياء تولى ضمير الوجود تشييدها في عالم الموت فالاعتبارات الطبقية والنسبية والحسبية التي يصر بعضنا على نقلها إلى المقبرة بتجصيص القبور ورفعها من فوق الأرض يتولى الزمن بجلاله إزالتها وتقرير مبدأ المساواة بين الموتى حتى إذا كرت السنون جعل عاليها سافلها فلا تدري أتمشي على الثرى أم على بقايا دفين من قديم الآباد، حين فرغنا من دفنه وانصرف الناس وقفت على قبره سالت من عيني عبرة أفلحت النظارة السوداء في إخفائها،هممت حينها بتقبيل الثرى وقد أخذني انتحاب داخلي وإحساس بالاختناق انسحبت في هدوء لا إلى بيت جدي ولكن إلى بيتي ولم أعد إلى بيته إلى اليوم ،حتى مراسم العزاء لا أقوى على احتمالها كما لا أحب الملتقيات والمحافل والمهرجانات ففي كل مظاهر تقوى أو تنقص، مثل التكلف من قبل بعض المشيعين أو المحتفلين في المهرجانات.
وأنا أكتب عنه لأنه عزيز علي وأقول لمن يعرفني أن شيئا عزيزا علي قد رحل ،أفل قمر ،غاب نجم، جثمت بومة حزن على قلب محب. حتى صورته لا أملكها مررت بمسجد فأخذت صورته من إعلان الوفاة وحتى حين سجي الجسد في البيت لم أره حرصت على الاحتفاظ بصورته حيا فلا شيء يقتل الحب مثل الحديث عنه.
مات جدي وقد تسلق من عمر الوجود قمة تناهز أربعا وتسعين عاما وحين أشرف على هذه القمة شفت كثيرا رؤيته للحياة وأحس بقربه من عالم نوراني وأكثر الناس حكمة هم الشيوخ لأنهم تسلقوا من عمر الوجود قمما رأوا من خلالها مطامعنا وأهواءنا ومغريات الحياة لا تستحق كل هذا العناء وأن نتعادى أو نتفانى تماما كمن يتسلق جبلا تشف رؤيته ويرى العالم صغيرا ضئيلا أمام سماء لازوردية غير منتهية وفضاء أثيري ويحس بالاختناق والرغبة في النزول كذلك قمة الشيخوخة اختناق لا يحس به إلا من يعاينه لذا كل الشيوخ يرغبون في النزول إلى أعماق الثرى ولكل شيء ثمن فحكمة الشيخوخة لا بد أن تدفع مقابلها أشجانا وآلاما وكلاما لا تقوله بلسان المقال ولكن بلسان الحال، وحين جاء الموت إلى القمة التي يربض فيها جدي- ومن السهل ملاحظتها- فهي شاهقة تتعدى التسعين عاما أخذه برفق كما تأخذ الأم وليدها لترضعه فقد مات في حضن زوجته دون أن تحس بموته ظنت أنه قد أغمي عليه وهرولت تدعو أولاده دحرجه الموت من تلك القمة برفق وقال لأولاده خذوا منه الجسد وأودعوه بطن الأرض يجاور قوما أجادوا العظات وما فيهم أحد نابس حيث لا تقاس الحياة في المقابر بالثواني والدقائق فالكل أتراب من مات لتوه كمن هو عريق في البلى وعلى باب المقبرة قرأت في الأثير الممتد فوقها:” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ”
أما الروح فقد أفرس لها الموت فرسا نورانية وضعت قائمتها الأولى في الأفق والقوائم الأخرى في عالم الغيب تجري فيه الروح بأمر ربها بسرعة أكبر من الضوء لتحف بالعرش حيث الأجوبة لا الأسئلة والأعمال لا الأحساب ونسغ الحياة النور الذي ترضعه الروح من ثدي قمر ليس كقمر دنيانا فتزداد إشراقا وجلالا.
حين كان جدي طريح الفراش كنت أزوره لماما لأني لا أحب إزعاجه فهو كثير النوم والشيوخ أكثر الناس نوما لأنهم يستعدون للسفر إلى عالم لا يرى بالبصر ولا يقاس بالزمن كان كل شيء قد تعب فيه فالأذنان كعلامة استفهام تنكران أنك قلت شيئا والجبهة متغضنة تحكي طبقاتها الثخينة آثار السنين والعينان تكادان تنطفئان أمامها الأشباح والجسد متهدم كأنه طلل ترى في كل زاوية أثر الزمن العريق أجلس على كرسي أمامه وهو ممدد على السرير لا يتحرك أكلمه بعيني ويرد علي بعينيه الكليلتين :
يا بني تعبت أريد رحمة الله
حتى الساعة المعلقة على الحائط هرم عقرباها فتوكآ على عصوين وثقلت مشيتاهما على ميناء الساعة وهما يتسلقان قمم الأرقام بصعوبة بالغة في التنفس ولذا فالثانية بطيئة عند جدي إنها ساعة والساعة يوم واليوم عام، يا الله رحمتك!
ويستدير جدي إلى الجهة الأخرى بصعوبة بالغة إشعارا لنا برغبته في انصرافنا حدست ماذا كان يقول :إنني منذ أمد قائل تحت سنديانة الحياة عن شمالي الآزال وعن يميني الآباد ألا إن هذه السنديانة أوراقها من وهم ونسغها من زيف ورفاقي قطعوا شوطا في رحلتهم إلى حافة الآباد وأنا مسمر تحت هذه السنديانة أريد اللحاق بهم.
وها أنت قد لحقت بهم يا جدي فهنيئا لك البيت الجديد وهنيئا لك الجيران الجدد في رحاب مدينة فاضلة كلها حكمة وجلال وجوهر والحد الفاصل بينها وبين مدينتا يقظة تنقلنا من غفوة الحياة إلى صحوة الموت.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة