Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

حكايا أمريكا : حكايات وقصص من الجالية العربية (1) بقلم : وليد رباح

الجالية العربية …
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي …
زوجة رجل آخر
جلست الي وقد اصابتها الحيرة كما قالت في مقتل .. فهي امرأة مثلما هي كل النساء اللواتي تصادفهن الحياة باتعابها ومآسيها .. وعندما رأيت سمات الحزن والحيرة التي بدت على وجهها احضرت لها كوبا من القهوة الساخنة .. شكرتني وامتدت يدها الى الكوب تتجرع منه مسرعة .. نظرت اليها ثانية فاذا بها تذرف دمعة سقطت على خدها .. قلت لها : يا سيدتي .. هوني عليك الامر ايا كان .. فهذه الدنيا مليئة بالعجائب .. ولا بد ان مشكلتك كبيرة وهي بحجم دمعتك اللؤلئية .. بل وربما اكثر .. اريدك ان تكوني قوية فالضعيف في هذه الحياة تدوسه الارجل .. ولا يدري ما العمل .. ومهما كانت المشكلة .. عليك ان تتجملي بالصبراولا .. ومن ثم بالحكمة ثانيا في معالجة الامور .. قالت : ان كلماتك قد سرت عني قليلا .. واشكر الله على انني قدمت اليك بعد ان اخبرني من اثق به انك تحل مشاكل هذه الجالية .. بشى من الرفقة والمحبة وكثير من الصبر .. واني لاعرف انني آخذ من وقتك الكثير .. ولكني لم اجد احدا الجأ اليه الاك .. فارجو ان تستمع الي وان تنصحني بما يجب فعله .. فمشكلتي محيرة الى ابعد الحدود .. قلت لها : ليس في هذه الدنيا مشكلة دون ان تجدي لها حلا .. الحياة صعبة في هذه الايام .. قالت : مهما كانت الصعوبة فانها لا تبلغ ان تتخلى عن ابنتك او ابنك لان الحياة تسير بنا سواء سلبا او ايجابا ..  اضافت ..

تزوجت رجلا في البلاد .. فدام زواجنا سنة او دون ذلك .. لكن العسر اصابنا .. فقد انقطع الرزق واصبح زوجي حائرا في ان يهاجر او يظل على فقره .. كان يجلس الي في المساء لكي يبكي .. فاثمن ذلك البكاء .. ولم يكن في يدي ما اساعده به .. فعائلتي فقيرة .. وانا لا امتلك شيئا من النقود كي ارفده بها .. وانت تعرف الحال في بلداننا .. انك تبحث عن وظيفة او عمل طيلة عمرك ثم لا تعثر عليها .. خاصة وان عائلتي لا تمتلك شيئا يمكن ان يفيد في هذه الحياة .. ويبدو انهم زوجوني من رجل لم اره في حياتي حتى لمرة واحدة .. تخلصا من مصاريفي وطعامي .. قلت لها : هذه مشكلة عادية .. تتعرض لها النساء في بلادنا .. قالت : اذا صبرت قليلا فاني سوف استمر .. واذا كان وقتك لا يسمح بذلك .. فاني سآتي اليك غدا او بعد غد .. لاني اراك تريد ان تنهي القصة سريعا .. قلت : لا يا سيدتي .. ولكني احاول ان افهم ما الذي جرى حتى اكون فكرة عما تريدين .. واذا اردت.. فسنذهب الى غرفة منعزلة لا يأتيها الزوار لمكتبي مخصصة لمن لهن او لهم قضايا شائكة ومعقدة .. قالت : على العكس .. اريد ان يسمعها الناس لكي انتقي من نصائحهم ما يجعلني اقرر في النهاية .. قلت : اذن استمري .. فقالت .

لم يكن التخلي عن رجلي سهلا .. فقد كان عطوفا وحنونا بل وكنت اقول لاهلي اني القبه بالامير لانه يعاملني معاملة الامراء رغم فقره وفقري معا ..
في يوم بلغ بنا الحال اننا لا نجد حتى رغيف الخبز .. جلس حزينا في ليلة شتائية ليقول لي : انصحيني .. ما الذي يجب ان افعله .. قلت له .. يا زوجي العزيز .. والله لو كنت ترغب في روحي اعطيكها مجانية من اجل رغيف من الخبز .. فانا احبك حبا عظيما .. وحياتي معك في هذه السنة التي مرت .. كأنما كانت اياما فقط .. لعطفك وحنانك وسيرتك العطره ..
قال لي : لقد فكرت كثيرا فيما سأقوله لك .. واني لاعرف انه قاس ومحير .. قلت له : مهما كانت الاسباب فاني ساصبر .. قال : أعندك مانع في ان اهجر هذا البلد الى بلد آخر يمكن ان نعيش فيه سويا ..  وستبقين هنا حتى اهيىء الاسباب لكي استقدمك الي .. قلت بعد تفكير .. الى اين ستهاجر .. قال : الى اي بلد يمكن ان نجد فيه رغيف الخبز .. قلت له : ارجو ان لا يكون ذلك البلد بعيدا .. قال .. انت تعلمين ان شرقنا الاوسط كما يسمونه لا عمل فيه .. ولقد امتلأت بلاد النفط بالموظفين والعمال .. اضافة الى ان معظم تلك الدول لا تقبل على نفسها ان تستقدم عربا للعمل عندهم . انهم يفضلون الاجانب علينا .. وربما كان لهم بعض الحق .. فالعمال او الموظفون في بلادنا ليست لهم الخبرة الكافية في ادارة الاعمال او حتى القيام بها .. قلت له : اقصر الحديث يا زوجي العزيز .. وقل لي الى اين تريد ان تهاجر .. قال : ان ارض الله واسعة .. فلا اعدم ان اختار بلدا يمكن ان يعطيني تأشيرة هجرة .. قلت : اذن .. منذ الصباح ابدأ بالبحث حتى تعثر على بغيتك ..

في اليوم التالي ذهب زوجي الى عدة سفارات اجنبية في البلد الذي نقيم فيه .. ولم توافق احدى السفارات على اعطائه التأشيرة .. لانه لا يمتلك صنعة او عملا مفيدا يمكن ان يوافق بلادهم .. ولكنه لم ييأس .. ظل يبحث ويبحث عدة اشهر ونحن نعاني الفقر والفاقة .. واخيرا .. جاءني فرحا وقال لي : لقد وافقت السفارة الامريكية على اعطائي فيزا سياحية شرط ان آتي للسفارة برسالة من مصرف يفيد انني امتلك مبلغا يزيد على عشرة الاف دينار في حسابي .. وأنت تعلمين ان ذلك غير متاح .. فنحن لا نمتلك النقود لكي نأكل .. فكيف بنا وهم يريدون ان يكون في حسابنا عشرة الاف دينار شرطا لاعطائي تأشيرة الذهاب ..

كان يجاورنا في بيتنا جيران احبهم ويحبوننا .. ذهبت الي امرأة الجار في صباح يوم وانا حائرة .. اطلعتها على ما قاله زوجي فقالت لي جارتي بعد ان سرحت بنظرها الى فضاء الغرفة .. اسمعي .. اني لاعرف ان حالكم لا يسر .. زوجي يعمل في مصرف في هذه المدينة .. افلا نعرض الامر عليه عله يجد حلا لهذه المشكلة .. فانا اعرف فقركم وحاجتكم .. قلت : يا ليت هذا ..

عندما جاء زوجها في المساء .. قالت له حكايتنا فقال لها بعد تفكير عميق .. هل تثقين بهؤلاء الناس .. قالت له : انهم جيراننا .. والجار للجار بلسم لجراحه .. قال لها .. هللا طلبت الى المرأة ان تحضر زوجها لتزورنا مساء الغد .. قالت له : هل عندك حل لهذه المشكلة .. قال : سأحاول مساعدتهم ..

كان الرجل له في الاحسان ايد مبسوطة كما كانت تقول لي زوجته .. عند مساء ذلك اليوم .. جاءتني زوجته ودلفت الينا قائلة .. ارجو ان تزورانا هذه الليلة .. يمكن ان يقوم زوجي بالمساعدة بعد ان يعرف قصتكما .. تحدثت الى زوجي فاذا به فرح كمن اصابه السرور والحبور .. ونهض من فوره وارتدى ملابسه وذهبنا سويا الى جارنا الذي كنت اعرفه ولكني لم احادثه يوما ..

قلنا له حكايتنا .. سرح كثيرا وقال : نعم .. عندي ما يمكن ان اساعدكم فيه .. فانا اعمل في مصرف وتمر هذه الحكايات كثيرا عندما نكون في عملنا .. ثم تساءل .. هل تقسمون انكم ستعيدون النقود التي سأفرج من خلالها كربتكما على ان تعيداها الى حسابي في بنك آخر في اليوم التالي.. قال زوجي .. حتما مقضيا .. قال الرجل .. ان في حسابي ما ينوف على خمسة عشر الفا من الدنانير .. سأقوم بسحب المبلغ من حسابي .. فتعطيني وصلا أو صكا بانك مدان لي بالمبلغ .. ويجب ان تعيده الي حال طلبه .. قال زوجي .. سأكون ممتنا ..

ذهب زوجي الى المصرف وسأل عن الرجل .. كان له مكتب خاص في المصرف مما دل على انه ذو قيمة في البنك .. قال لزوجي بعد ان اخرج رزمة من النقود في ظرف وقال له : هذه عشرة الاف وخمسمائة دينار سحبتها من حسابي في البنك .. هي لك اذا التزمت بما اتفقنا عليه .. قال زوجي .. سأقوم بكتابة الصك الذي وعدت بالامس .. ثم انني قمت بكتابة الصك بمبلغ عشرة الاف وخمسمائة دينار علي أن اسددها حال الطلب . واضاف زوجي : لقد طلبنا عشرة الاف فقط .. قال الرجل الكريم : وتذكرة الطائرة ومصاريفك هناك يا جارنا .. انها تنوف على خمسمائة دينار آخر .. فهل تحصل على التأشيرة ثم لا تستطيع السفر .. قال زوجي .. بارك الله بك يا سيدي. . ثم انني ذهبت واياه الى بنك آخر غير بعيد عن المصرف الذي يعمل فيه .. وفتح زوجي حسابا بعشرة الاف وخمسمائة دينار .. واضافة للصك فقد كتبت له شيكا بعشرة الاف دينار لكي يسحبه في اليوم التالي من تسجيل الحساب .. فقام الرجل بتمزيق الصك وقال لي .. سأكتفي بالشيك فقط .. لان الشيك معترف به انك مدان لي ..
في اليوم التالي : أدخل جارنا الشيك المعطى له الى حسابه .,. وبقي لنا في الحساب خمسمائة دينار للتصرف عندما توافق السفارة على اعطائي التأشيرة .. بعد ان طلب الي ان احضر رسالة من البنك الذي اودعنا فيه النقود ان يعطي زوجي ما يفيد ان له حسابا فيه عشرة الاف وخمسمائة دينار .. وهكذا كان ..

ذهب زوجي الى السفارة الامريكية .. وهناك ووفق له على التأشيرة .. فجاء الي فرحا كأنما قد امتلك الدنيا وما فيها ..
قلت لها : يا سيدتي .. لقد فرج الله عليكما ومنحكما جارا لا تجدان مثله هذه الايام .. فما الذي حدث بعد ذلك الامر .. قالت : حدث ما لم يكن في الحسبان .. هطلت الدموع من عينيها وقالت : اصبر علي قليلا .. فقد كانت نهاية الامر مأساة ما زلت اذكرها حتى اليوم .. رغم زواجي من رجل آخر .. قلت : هل نكث الجار بوعده فقام بالاحتفاظ بالصك وطالبكم به .. بحيث ستدفعون عشرون الفا بدلا من العشرة .. قالت : كلا .. فقد كان الجار محسنا كبيرا .. وانما حدث ما لم يكن في الحسبان عندما هاجر زوجي وترك في بطني جنينا كان عمره ستة اشهر .. ولم نكن نعرف في ذلك الوقت اهو ولد ام بنت ..
سافر زوجي وودعته في المطار .. كان يبكي كالاطفال .. وقد ابكاني كثيرا .. لم يبكني فقط عند سفره .. ولكنه ابكاني طيلة عمري .. قلت : ما الحكاية .. قالت .. عندما سافر جلست ارقب الطائرة وهي في الجو فادعو له بالتوفيق .. وكان وداعي له في المطار آخر مرة اراه بعد ان عاد الي بعد عشرين عاما ..

لفتت انتباهي هذه القصة الغريبة فقلت لها : كيف يا سيدتي .. الم ترينه الا بعد عشرين عاما .. قالت : نعم .. ثم اضافت .. انقطعت اخبار زوجي .. لا رسائل ولا ما ينبىء عن وجوده حيا .. فقد مضت السنة الاولى دون ان اسمع منه شيئا .. وفي غضون ذلك انجبت ابنتي .. ثم توالت السنوات .. لا اعرف عنوانا له .. ولا اعرف أهو حي او ميت .. وساءت بنا الاحوال كثيرا

مضت السنوات .. كانت ابنتي تكبر وتسأل عن ابيها فاقول لها الحكاية .. ولكنها لا تفهمني .. فقد كانت في السادسة من عمرها .. ولم تكن تدرك معنى ذلك الغياب .. وكنت اركن الى مخدتي في الليل فاناجيها واطلب منها ان تساعدني .. غير ان المخدة كما نعرف لا تتحدث .. وانما كانت دموعي هي التي تحدثني ..

في هذه الاثناء .. رأيت ان اقتحم ميدان العمل مهما كان شأنه .. عملت منظفة في فندق لنصف نهار .. ثم عملت منظفة في مطعم لنصف نهار آخر .. بحيث كنت آتي لبيتي عند منتصف الليل .. ارهقني العمل .. ولكني صبرت وصبرت .. وما كان يعزيني انني اربي طفلة قد اينعت .. واصبحت صديقتي الى جانب انها ابنتي .. بلغت ابنتي العاشرة .. عندما جاءني رجل خير يكبرني بنحو ثلاثين عاما . كان يحمل الجنسية الامريكية … وطلب يدي من اهلي فوافقوا على الفور .. وجاءني اخي الاكبر لكي يقول لي : انها نهاية الرحلة .. عليك ان تتزوجي .. فقد اتعبك العمل كثيرا .. والرجل الذي طلبك ميسور وقد ابدى استعداده لكي تكون ابنتك الى جانبك .. قلت لاخي .. ولكني زوجة رجل آخر .. لست مطلقة حتى الان .. قال .. سوف يساعدك الرجل على ان تحصلي على ورقة الطلاق .. وليس لك من خيار آخر .. وبفعل الضغط الذي مارسه علي اخي .. وافقت على الزواج بعد ان حصلت على الطلاق واعلمني القاضي انني صبرت بما فيه الكفايه .. وهكذا سافر زوجي الجديد الى امريكا مقسما انه سوف يستقدمني الى هناك .. خفت كثيرا .. فقد كان الرجل بارا بي في الايام التي امضاها في البلاد .. غير انه كان يعرف قصة زوجي مما اخبره اخي .. وقال لي : لن اقاطعك كما فعل زوجك الاول سامحه الله .. قلت له : لسنا نعرف هل هي ظروف قاهرة صادفته ام انه مات او فقد فلا مجال للومه ..

تزوجنا .. وبقيت في البلاد لسنة اخرى .. فاذا بالسفارة تستدعيني انا وابنتي وتعطينا تأشيرة هجرة الى امريكا بعد التحقق من هويتي وسؤالي عن اوضاعي .. وهكذا سافرت الى امريكا .. قلت : وهل لا تزال ابنتك معك يا سيدتي .. قالت .. عشر سنوات مضت واذا بابنتي قد قاربت العشرين .. قلت : هذه امور تحدث للمهاجرين كثيرا ممن لا يأبهون لمن هم خلفهم في البلاد .. قالت : اصبر قليلا .. فان نهاية القصة مأساة .. قلت وقد استمتعت بغرابة قصتها فقلت لها .. هل للقصة بقية .. قالت نعم .. قلت .. اذن تحدثي بما عندك .. قالت : استأجر لنا زوجي بيتا في ولاية نيوجرسي .. كان صاحب بقالة تقارب في سعتها شركات التسويق الكبيرة .. وكان يكسب نقودا كثيرة .. فاسبغ علينا مما اعطاه الله انا وابنتي .. وآخر عمل قام به ان قام بشراء سيارة لي لكي اتنقل بها انا وابنتي دون ان ننتظر الحافلات لتقلنا الى مقاصدنا .. كان الزوج شفوقا رحيما يحدب على ابنتي وكأنما كانت من صلبه .. وتعلقت الفتاة به حتى لم يعودا ينفصلان ..

وفي يوم كنت وابنتي في مركز تسوق نشتري بعض الحاجيات .. اوقفت سيارتي في الموقف العام للمركز .. واذا رجل يجلس على قارعة الطريق قرب باب مركز التسوق ويمد يده مستعطيا الناس الذين يمرون من امامه .. تفرست في وجهه .. وذهبت في طريقي الى المركز .. ولكني عدت ثانية .. يا الله .. انا اعرف هذا الوجه .. تفرست فيه ثانية فاذا بي اصرخ .. يا الهي .. يا رب ما هذا العذاب .. انه زوجي الاول .. ولم اتركه لحاله .. بل امسكت بيده وانهضته من مكانه واخذ يتفرس بي كأنه لا يعرفني .. اما ابنتي فقد اصابها الذهول لتقول لي .. هل تعرفين هذا الرجل .. قلت نعم .. امض بنا معه الى سيارتي وسنتحدث هناك .. امسكته من يده وجررته الى حيث سيارتي .. كان بطىء السير كمن اصابه الكساح .. دلفنا الى السيارة ثلاثتنا .. كنت امسح دموعي التي تناثرت على صفحة وجهي .. واذا الفتاة تسألني .. فاجيبها .. كنت فيما مضى تسألينني عن ابيك .. وكنت اقول لك انه سافر الى امريكا ولا نعرف عنه شيئا .. ولقد تحدثت اليك كثيرا عنه فاقول لك انني لا اعرف له وجهة منذ غادر مهاجرا  .. انه ابوك يا صغيرتي .. وكأنما الرجل استفاق من غفوته فنظر الى كلينا وقال : اذن فانت .. انت .. قلت : نعم .. انا هي .. اراد الرجل ان يحتضني فابتعدت عنه .. قلت له .. انا الان متزوجة ولا يحق  لي حتى ان اتحدث اليك .. لكني اريد معرفة ما جرى لك ..

نسينا امر  التسوق .. وجلسنا في سيارتي ثلاثتنا لاكثر من ساعتين .. كان يحكي ويبكي في الوقت نفسه .. اما الفتاة فقد ذهلت ولم تستطع ان تتحدث بشىء .. كانت ايضا تبكي .. قال لي .. من هذه الفتاة .. قلت له .. انها ابنتك .. فقد غادرتني وانا احمل في بطني جنينا .. كان كمن اصابه الخرس .. لم يتحدث .. لكن دموعه هي التي كانت تتكلم .. واخيرا التقط انفاسه وتوقف عن البكاء قائلا .. ما اسمها : قلت .. لقد سميتها غربة .. قال : الم تجدي لها اسما غير ذلك الاسم .. قلت .. لقد افتقدتك كثيرا عندما غادرتني ولم اسمع منك شيئا .. وعندما وضعتها سميتها غربة .. قال .. ساحكي لك بالتفصيل ما الذي جرى .. فلم يكن غيابي او عدم اتصالي بكم بمحض ارادتي .. كان يتلفظ بالكلمات ودموعه منهمرة .. قلت له : ما الذي جرى .. قال : اعطني بعض الوقت لكي استرد روحي .. قلت .. لا بأس في ذلك .. قال الرجل .
عندما غادرتك في المطار في البلاد .. كتبت لك رسالة في الطائرة .. لم ازل احتفظ بها في جيبي .. لقد اصبحت مهترئة لكثرة ما بكيت .. وناولني ورقة كانت في بعض اطرافها ممحية الحبر نتيجة الدموع .. وتابع .. هل تصدقين .. لم ار امريكا الا قبل سنتين .. فقد انتقلت من طريق المطار الى السجن مباشرة .. قلت ملهوفة .. ما الذي جرى .. قال : عندما هبطت من الطائرة الى مطار نيويورك .. كان يجاورني في الطائرة شاب يحتضن حقيبة في يده .. تجاذبنا اطراف الحديث .. في الطائرة .. قال لي .. ما رأيك ان تحمل لي هذه الحقيبة ثم تعطنيها في المطار بعد ختم جوازاتنا .. فانني احمل الكثير من الامتعة ولا قبل لي بحمل آخر يزيد فوق حملي .. قلت له : ماذا تحوي هذه الحقيبة .. قال انها اوراق ومستندات هامة .. قلت له : هل استطيع ان اراها .. قال نعم .. ثم فتح الحقيبة وناولني بعض الاوراق .. نظرت اليها فاذا بها مكتوبة بالانكليزية وفي بعضها اللغة العربية .. تأكدت انها لمشروع قام الشاب باقامته في  البلاد .. قال لي : لقد جئت الى هذا البلد لافتح فرعا لشركتي في البلاد .. قلت له : حسنا .. ساحملها لك .. وساعطيكها في المطار كما قلت : قال.. شكرا لك .. ثم بعد ان غادرنا الطائرة .. افتقدت الرجل فرأيته بعيدا عني .. تناول ثلاث حقائب ووضعها في عربة وجرها وقال لي بعد ان مر بي .. انتظرك خارج المطار .. قلت له : حسنا ….

التقطت حقيبتي التي تحوي ملابسي .. ووضعت الحقيبة الصغيرة فوق الحقيبة العائدة لي .. وعندما ولجنا الى نقطة تفتيش الحقائب قال لي الشرطي .. ما الذي تحويه هذه الحقيبة الصغيرة .. قلت له : انها ليست لي .. بل هي لرجل كان يجاورني في الطائرة .. قال : هل هو هنا .. قلت : لقد مر بي وهو يحمل امتعته .. قال : الا تعرف اسمه .. قلت لا .. قال .. اذن افتح هذه الشنطة .. فتحتها وقلت له انها تحوي اوراقا ووثائق .. عمق الشرطي يده في الحقيبة واخرج الاوراق التي اراني اياها صاحبها .. ولكنه فغر فاه عندما وصل الى قاعها .. وانتزع منها ثلاث حافظات بلاستيكية تحوي كلا منها ما يشبه الطحين وقال لي .. ما هذا يا رجل .. واخذ يشم الاكياس البلاستيكية .. قلت : انها ليست لي كما قلت لك .. قال : كيف هي اوصاف صاحبها .. قلت له ماذا يلبس وعمره وملامحه .. قال : تعال معي .. ذهبت الى غرفة في المطار .. اما هو فقد ذهب الى خارج المطار وعاد بعد لأي لكي يقول لي .. لم اجد الشخص الذي وصفته لي .. واني لاخمن ان هذه الحقيبة هي لك .. قلت له : يا سيدي .. انا لا اعرف اللغة الانكليزية كثيرا .. قال : اذن احضر لك مترجما .. تركني في المكتب مع شرطي آخر .. واحضر لي مترجما يفهم اللغتين .. ثم قال لي : اتعرف ماذا تحوي الحقيبة .. قلت كلا .. قال .. انك تحمل ثلاث عبوات من الهيروين في الحقيبة .. صعقت وقلت .. والله اني لا اعرف ذلك .. انها ليست لي .. وفي غضون ذلك تجمع العديد من الشرطة في الغرفة .. قال احدهم مما ترجمه لي من يفهم الانكليزية .. هؤلاء المهربون يتذرعون دائما عندما نضبطهم ان الحقائب ليست لهم .. انت تحمل ممنوعات قد تذهب فيها الى السجن لا اقل من خمسة عشر عاما .. قلت : يا الله .. ما هذه المأساة ..

خلاصة القول انهم قادوني الى السجن .. وضربوا لي موعدا للمحاكمة .. فاذا بالقاضي يحكم علي بالسجن لمدة عشرين عاما .. ولقد خرجت قبل سنتين قبل ان اكمل المدة لحسن سلوكي في السجن .. لقد منعوا عني حتى كتابة الرسائل .. ومنعوني من الاتصال بأحد .. وبقيت في السجن حتى اهترأ عمري وتقرح جسدي .. ثم قالوا لي انهم سوف يرحلونني الى خارج البلد بعد ان انهيت سجني .. ولكنني سوف أخضع لمحاكمة اخرى بعد ان أخرج من السجن ليقرر القاضي ترحيلي .. قلت : ولكنك هنا ولم ترحل بعد .. قال .. لقد اخرجني احد المحسنين العرب بكفالة مالية على ان احضر المحاكمة الثانية .. لم يكن في جيبي دولارا واحدا .. فبدأت منذ عشرة ايام بالاستعطاء لكي اعيش .. وهكذا وجدتكم ..

قلت للمرأة التي تحكي قصتها .. هذه قصة غريبة لا تحدث الا في الافلام .. قالت : مهلا .. لقد تأكدت من صحة ما يقول .. قلت لها : كيف كان ذلك .. قالت ..
استطحبت الرجل الذي لم يعد زوجي الى من تزوجني بعده .. كانت الفتاة تمسك بيد ابيها وتبكي .. وتبكي .. حتى وصلنا الى  زوجي .. ففوجىء بي .. قلت له الحكاية وقد ظننت انه سيثور ويلقي باللوم علي .. غير انه لم يفعل ذلك وقال : ان قضيته معقدة .. وهي بحاجة الى محامي من الدرجة الاولى لكي ينقذه من ورطته والا رحلوه خارج البلد .. قلت : انه اب لابنتي .. ولن اتركه حتى تحل مشكلته .. قال لي الزوج .. وانا ايضا كذلك .. لن اتركه ابدا .. فان نهاية قصته مأساوية ..

اصطحب زوجي الرجل وقام بتأمين سكن له عند احد اصدقائه في غرفة منعزلة في بيته  بعد ان اعطاه زواجي ما تيسر من النقود ..ثم قام باصطحابي الى محام حكى له قصة الرجل .. المحامي قال له : سأتقاضى خمسة الاف دولار عن القضية .. واني متأكد انه سيقى هنا طالما ان له ابنة تحمل الجنسية الامريكية .. ولن يكون ذلك سهلا .. ولكني سوف اجاهد لكي يبقى في البلد بعد ان اقنع المحكمة ان لا يد له في القضية .. وهكذا كان .. فقد تبرع زوجي بمبلغ خمسة الاف دولار اعطاها للمحامي .. وكانت المحاكمة التالية شاقة ومؤثرة ..

تابعت المرأة .. اتدري يا سيدي ان القصة لم تنته بعد .. قلت .. وما الذي حدث .. قال : ابنتي تشبثت بالامران تذهب الى ابيها وتظل عنده حتى نهاية المحاكمة واستعدت لخدمته .. وفي غضون الايام التي تلت .. قمنا بشراء بعض الملابس للرجل .. وكنت ازوره بين يوم وآخر لكي امده بالطعام وبعض النقود بمعرفة زوجي .. امتدت المحاكمة الى اكثر من خمسة اشهر متلاحقة بمعدل كل شهر حضورا للمحكمه .. واذا بالقاضي يأمر ان يظل الرجل في امريكا بعد ان تأكد انه لم يكن له يد فيما جرى . وانه امضى مدة سجنه دون مشاكل كما يفعل بعض السجناء. وها انت تراني يا سيدي آتي اليك .. ان ابنتي ترفض ان تغادر الرجل .. وهي تقضي عنده من الوقت اضعاف الوقت الذي تقضيه معي .. فهل عندك رأي فيما جرى ..

قلت لها : كم عمر ابنتك يا سيدتني .. قالت .. لقد قلت لك انها قاربت العشرين .. قال : لا تستطيعين ارغامها على ان تبتعد عنه .. انها فوق السن القانوني .. قلت : ولكنها تعيش حياة مرفهة مع زوجي .. قلت : انه ابوها ولا مجال للبحث في ذلك ..

زوجي الحالي شفوق وكريم وقد اكرم الرجل لان ابنته تحبه .. اما انا .. فقد اصبحت حياتي هباء .. لان الرجل الذي تزوجني قد بلغ من العمر ارذله .. وهو يطلب مساعدتي في كل حين .. وعرضت عليه امرا فوجد انه الحل .. قلت له : لماذا لا تستفيد من زوجي القديم في خدمتك في عملك .. بعد ان فكر قال : انها فكرة حسنة .. وهكذا عمل زوجي السابق عند زوجي الحالي .. وتحسنت احواله كثيرا .. فقد اعتمد على نفسه وقام باستئجار بيت تتردد عليه الفتاة فيه في كل يوم تقريبا ..

وفي يوم قبل ستة اشهر .. اعتل زوجي فارسناه الى الطبيب .. ولكن الله سبحانه قد اخذ وديعته بعد طول مرض .. فورثت انا وابنتي كل ما كان لديه .. والمصيبة التي لا اعرف كيف احلها .. ان الرجل الذي كان زوجي فيما سبق .. يطلب الي ان نعود سويا الى ما كنا عليه .. زوجان محبان لا تفصلهما هذه الحياة .. فهل اقبل .. علما بان ابنتي تطالبني بالقبول .. وهي لا تفارق والدها الا لماما .. بحيث اخذت تغيب عن البيت فاتفقدها فاذا بها عنده .. لقد خلب لبها بعطفه وحنانه .. فهل اطلب اليك المساعدة .

قلت لها : هذه قضية انت اولى بحلها يا سيدتي .. فلا اريد ان اعطيك رأيا فيها .. قالت : ماذا لو كانت هذه القضية هي قضيتك .. وحدث لك ما حدث لزوجي الاول .. قلت : لو كنت مكانك يا سيدتي .. فاني اعود الى زوجتي حالا وسريعا .. قالت : هل تنصحني بذلك .. قلت لها : ان ابنتك في عهدتك .. فلا تجعليها تغادرك نتيجة التعنت .. لم يكن لزوجك الاول يد فيما حدث .. وانما هي الظروف القاهرة .تركتني المرأة وفي عينيها بعضا من دموع .. قالت لي وهي تغادر : سأقوم بالعمل بنصيحتك ..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة