Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit
 

دراسة لمجموعةِ قصائد للمرحوم الشَّاعر ” داود تركي – بقلم : حاتم جوعية

فن وثقافة ….
بقلم : حاتم  جوعيه – فلسطين المحتلة ….
مقدِّمة ٌ:الشَّاعرُ المخضرم المرحوم ” داود سمعان  تركي” أشهرُ من  نار على علم ، عُرفَ  بنضالِهِ  السِّياسي  والوطني  والقومي،  قدَّمَ  الكثيرَ لأجل  شعبهِ  وقضى سنينا  طويلة  من  حياتهِ  في غياهبِ  السُّجون  لأجل  نصرةِ  الحقِّ  والقضيَّة  الفلسطينيَّة  .    هو إنسانٌ  وفنانٌ  وشاعرٌ   ناضلَ  بالكلمةِ  والعمل وليسَ  كالبعض  من الشُّعراءِ  وأصحابِ  الكلمات  المُستهلكة  الذين يكتبونَ فقط  لأجل  مصالح شخصيَّة ومادِّيَّة وليسَ من منطلق رسالةٍ  ومبدإ ، فأولئك يدَّعون الوطنيَّة َ زيفا  وهم  أمامَ  أيَّة َ  تضحيةٍ  أو تجربةٍ  واختبار  وطنيٍّ  وقوميٍّ  يُوَلُّونَ الأدبارَ  ويديرونَ  ظهورَهم  للخلفِ أو  يكونونَ  مع  التيَّار  الآخر المُعادي  والمُناقض  لقضايا  شعبهم  وأمَّتِهم …  فداود  تركي ( أبوعايدة) يُذكِّرُني بالشَّاعر الفلسطيني الكبير الشَّهيد(عبد الرَّحيم  محمود) الذي ترجمَ  ما قالهُ وكتبهُ من ناحيةٍ عمليَّةٍ  فاستشهدَ في معركةِ الشَّجرةِ عام (1948)  وهو القائل :
( ” سأحملُ  روحي على  راحتي      وألقي   بها  في  مَهَاوي  الرَّدَى ” )     ويُذكِّرُني أيضًا بالشَّاعر العملاق إبي الطيِّب المتنبِّي صاحب البيت الشَّهير:
( “الخيلُ  والليلُ  والبيداءُ  تعرفني    والسَّيفُ والرُّمحُ  والقرطاسُ والقلمُ “)
وكانَ هذا البيتُ  سببَ  مقتل المتنبِّي، حيث  لم  يتراجع  ويهرب عندما تعرَّضَ  لهُ   ” فاتكُ  بن جهل الأسدي ” مع  مجموعةٍ  كبيرةٍ  من  الفرسان  المُدَجَّجين بالسِّلاح ، فدفعَ  حياتهُ  ثمنا  لما  قالهُ .   وداود أيضا  لم  يتراجع   عن آرائِهِ  ومبادِئِهِ القوميَّة  والأمَميَّةِ التي نادى وتغنَّى بها  ودفع  سنينا  من  حياتهِ  وزهرةِ  شبابهِ  ثمنا  وفداءً  لهذه  المبادىء .
والجديرُ بالذكر انَّ الشَّاعرَ  ” داود تركي ” أصلهُ من قريةِ المغار- الجليل  وسكنَ  أهلُهُ  مدينة َ حيفا  زمن  الإنتداب  البريطاني  على  فلسطين، وأنهى دراستهُ  الثانويَّة  في حيفا ، وهو من  مؤَسِّسي  فرع  الحزب  الشُّيوعي  في ” المغار” في أوائل الخمسينيَّات يومَ كان الحزبُ آنذاك هو التنظيم  والإطار السياسي  الوحيد الذي  يجمعُ  الأطر  والعناصرَ الوطنيَّة َ من عرب  الداخل  ولا  يوجدُ  تنظيمٌ  سياسيٌّ غيره  يُطالبُ  ويدافعُ عن  حقوق  الأقليَّة العربيَّة  في الداخل ( داخل دولة إسرائيل ): سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا  وإنسانيًّا .
يملكُ  أبو عايدة  ثقافة ً واسعة   في  جميع  الميادين  الأدبيَّة  والفكريَّة  والسياسيَّة ، ويجيدُ أيضا عدَّة  لغاتٍ  أجنبيَّة  كالإنجليزيَّة  والفرنسيَّة  كتابة ً وقراءة ً وحديثا، وبالرُغم  من مكانتهِ  الشعريَّة الكبيرةِ  وثقافته الواسعة  بدأ  يُمارسُ  كتابة َ الشعر من  فترة  ليست  طويلة  (  بعد  أن سُجنَ  في  قضيَّة  أمنيَّة )  وكان  لديه  في البدايةِ مخزونٌ ثقافيٌّ  كبيرٌ وتجارب خصبة  وغنيَّة في  معترك الحياةِ ..وهذا إضافة ً إلى  تقلباتِ الدَّهر  والأيام عليهِ  فيما  بعد  ومكوثه  الطويل  داخل  السجن  ومعاناته  وبعدهِ عن  بيتهِ   وعائلتهِ …فكلُّ  هذه  العناصر  والأشياء  فجَّرت  موهبتهُ  الشعريَّة  بشكل  كبير  فبدأ  يكتبُ  ويبثُّ لواعجَهُ وزفراتهُ وأحاسيسَهُ المتوقدة الجيَّاشة والصادقة…فكتبَ الكثيرَ من القصائد الوطنيَّة  والوجدانيَّة وغيرهَا في السِّجن، وقسمٌ من هذه القصائد طُبعَ  في  كتابٍ أصدرتهُ  جمعيَّة  ” أنصار السجين ”  تحت عنوان : ( ريح الجهاد ) *1  .  وأريدُ  الإشارة  َهنا  أنهُ  أثناءَ مكوثه الطويل  داخل السجن  ( 13 سنة) دفاعًا عن قضايا شعبه وأمَّتهِ ( بغضِّ النظرعن  وسيلة  النضال التي قامَ  بها أهملَ من  ناحيةٍ  إعلاميَّةٍ  مُورسَ  ضدَّهُ  تعتيمٌ  إعلاميٌّ  كبيرٌ ومقصود ولم  تكتب عنهُ  طيلة هذه  المدَّة  أيَّة ُ جريدةٍ  محليَّةٍ  عربيَّة، ولكن بعد خروجهِ من السجن ( في صفقةِ لتبادل الأسرى مع أحمد جبريل )  بدأت وسائلُ الإعلام  العربيَّة  وغيرها تكتبُ عنهُ بشكل مكثف وتكثرُ من  زيارتهِ   وإجراء اللقاءات  الصَّحفيَّة  معه  * 2 .   واستمرَّ “داود  تركي ” في كتابةِ  الشعر بعد خروجهِ من السِّجن، فطوَّرَ أسلوبَهُ وأدواتهِ  الشعريَّة بشكل  كبير وملحوظٍ ، وخلال  سنين  قليلة  أصبحَ  هو الصَّوت  المقاوم  الأوَّلَ والمُمَيَّز  محليًّا ( شعريًّا  وأدبيًّا )  بعدَ  أن سكنت  وخمدت السَّاحة  الأدبيَّة  الملتزمة ُ وَهُجِّنَ  وَدُجِّنَ الكثيرُ من الأصوات، وبعضها كانَ  يدَّعي ويتبجَّحُ  بالوطنيَّة وبالمقاومة .  وشاعرنا ” داود تركي ” كان  يكتبُ دائمًا  دونما انقطاع  ولهُ  كمٌّ   كبيرٌ من الإنتاج  الشِّعري  قد  يتراوح  ويتسع ُ لعدَّة  مجلداتٍ  ضخمة، ولكنهُ  لم  يطبع  منهُ  حتى الآن أيُّ  ديوان خاصٍّ  بهِ .  وقد أصدرَ  مُؤَخَّرًا ( قبل وفاتِهِ بقليل) كتابا عن حياتِهِ ومسيرتهِ  في الكفاح والنضال فيهِ  بعض الأبييات من شعرهِ  بعنوان : ( ثائر من الشَّرق العربي ) .
مدخلٌ : في هذه الدراسةِ  سأتناولُ  بعضَ القصائد من  شعرهِ (وهي غير المطبوعة  في ديوان )  مع الإستعراض والتحليل .  وشاعرنا بدورهِ  يكتبُ  الشعرَ الكلاسيكي  التقليدي فهو مُتمَكّنٌ وَمُتبحِّرٌ  في معرفةِ الأوزان ” بحور الخليل “، كما أنَّ لغته  العربيّة  قويَّة ٌ جدًّا وجزلة ٌ. وفي كتاباتهِ  قويُّ النبرةِ  ومعانيهِ عميقة وشاملة، ومعظمُ قصائِدِهِ  تدورُ في الجانب والإطار السياسي  والوطني  القومي   .  هوَ  يركِّزُ على  العقل  والأشياء  الحيسِّيَّة  والملموسة  والمنطقيَّة ، ولهذا  قلَّما  نجدُ عندهُ  النفسَ والطابعَ  الرُّومانسي  والحالم  في أشعارهِ  .   فداود  إنسانٌ عمليٌّ  وديناميكيٌّ  وواقعيٌّ  وليسَ  خياليًّ   فيُؤمنُ بالحقالئق والعيِّنات الملموسة، وشعرُهُ نابعٌ ومنبثقٌ من العقل والفكر وَمُجَرَّد من  لواعج  وطيش الشباب  ونزوات  المراهقة والمشاعر المضطربة  غير المستقرَّة . نجدُ  في شعرهِ الأملَ والتفاؤُلَ دائما  والتأكيد بانتضار الحقِّ على الباطل  والنور على  الظلام ، ولداود أسلوبٌ  وطابعٌ   مُمَيَّزٌ وروحٌ  متفرِّدة   متميِّزة  في الشعر، ولديه أيضا  النفسَ  الطويل  في كتابةِ القصيدة  الطويلة  العصماء  التي  لا  يستطيعُ  أيُّ   شاعر  أن  يكتبَ  نمثلها  مستوًى  وطولا  ولغة ً وبلاغة ً وفنذًا .  فهو  يمتلكُ   مقاليدَ  اللغة  والوزن  والملكة الشعريَّة  والموهدة  المتوقِّدة  المُتفجِّرة  .  وأنا  أعتبرُهُ   في  طليعةِ  شعراء المقاومة  من ناحيةِ  المستوى الشِّعري ، وشاعر المقاومة  الأوَّل  في البلاد ( محليًّا ) من  ناحيةِ  النضال  الصَّادق الوطني  والقومي  والسياسي  ومطابقة  القول بالعمل  والفعل… وذلك  لأنَّ  بعض الذين  يكتبون  الشِّعرَ  وأخذوا  الألقابَ اللامعة :  كشعراء  وطنيِّين  ومقاومين  فهؤلاء  لا  يستحقونَ  هذه  الألقاب الفخمة  من ناحيةِ المصداقيَّةِ  والنضال  الوطني والقومي والعمليَّة  والناحيةِ  الإبداعية  .    وداود  هو  شاعرٌ  مبدعٌ  ومتميِّزٌ  ورائد  وعملاق ٌ   وإنسانٌ مناضل – كما  ذكرتُ أعلاه – قدَّمَ حياتهُ وزهرة  شبابه فداءً لشعبهِ  وقضاياه المصيريَّة   ولأمَّته العربيّضةِ  وقضى  فترة ً طويلة  من حياتِهِ  في  غياهب السُّجدون واستطاعَ  أن  يلخِّصَ ويجسِّدَ الكفاحَ وللمقاومة وتجاربَ  ونضال  جميعَ الأحرار والمناضلين القوميِّين الوطنيِّين  والأمَميِّن العالميِّين في شعرهِ ، فشهرُهُ  دستورٌ للثورةِ  ونبراسٌ للثُّوَّارعلى الظلم  والإستعمار في كلِّ بقعةٍ  في العالم …بيدَ  أنَّنا  نجدُ  البعضَ من  مُدَّعي المُقاومة  والنضال  يتبجَّحون  فقط  بالوطنيَّة وبنضالِهم العقيم  من على المنصَّاتِ  الخطابيَّةِ  وفي الحفلات ( محليًّا ) . ولنأخذ  أمثلة ونماذجَ  من شعر المناضل  داود  تركي  .. فيقولُ  من  قصيدتهِ المهدا  إلى المغنيَّة ” فيروز “( كتبها  وهو  في السِّجن ” وهي قمَّة ٌ في المشاعر الإنسانيَّة المضيئة ، فصوتُ  فيروز  يشجيه  وَيُرَوِّحُ  عن  نفسيِهِ  ويُسكنُ  ألمِهِ داخل السِّجن ..فهذه المطربة ُبصوتها الملائكيِّ  رسولة السلام  والمحبَّة  والسكينة  لجميع البشر …غنَّت لفلسطين  ولشعب فلسطين  المُشَرَّد  أجملَ   وأروعَ  الألحان ، يقولُ  داود * 3  :
( ” فيروزُ  غنِّي   صوتُكِ   الرَّنَّانُ       في   الكونِ  لحنٌ    تعشقُ  الآذانُ
غنيتِ  اوطانا بها  انتفضَ الفتى       وبنفسِهِ         لغنائِهِ      الأوطانُ
غنَّيتِ   بيروتَ  النُّهَى   وَبَعلبكاً       وحضارةً     باهَى    بها     لبنانُ
غنَّيتِ    مكَّة َ   أهلهَا    وَتمثَّلتْ       بالبيتِ    فيكِ    ومجّدتْ    ألحانُ
والشَّامُ في بردَى، لها عذبتْ بكِ      الأنغامُ ، قد  ولعتْ   بكِ   الأذهانُ
والقدسُ في ثوب الكآبةِ  حرَّكتْ       أبناءَها    في   صوتِكِ    الأشجانُ
وَمَنحتِ   كلَّ  الناسِ  فنًّا  رائعًا        لم    يَبْقَ    فيهم   عاتبٌ    وجدانُ
إلاَّ     مُحِبٍّ     للحياةِ      مُقاتلٌ       غصبَ  الطغاةُ   حقوقهُ   وأدانوا”)
وفي قصيدةِ  “نقاتل للحياة ” المنشورة في صحيفة “الإتحاد  ”   يعطي دروسًا  تثقيفيَّة ونضاليَّة  ووطنيَّة هامَّة للشَّعب الفلسطيني  وللأجيال الجديدة الناشئة والواعدة، وشعرُهُ إنسانيٌّ  حافلٌ  بالقيم والمُثل وَمُترَعٌ بروح النضال  والمقاومةِ  لأجل  نصرةِ  الحقِّ  وصَدّ الظلم  والعدوان… هو لا  يكتبُ  فقط  لأجل  شعبهِ   الفلسطيني ..بل  لجميع الشعوب المظلومة  والمضطهدة  التي تعاني  من الظلم  ونير الإستعمار، فيحثُّهَا  وَيُحفزُها  بأشعارهِ  الملتهبة على المقاومة المستمرَّة  والنضال  الدَّؤوب  ويبشّشرُها أن  الفجرَ  لا  بُدَّ سيظهرُ     وترفرفُ  بنودُهُ  والظلمُ  سيندحرُ ويتلاشى، فيقولُ  مثلا في إحدى قصائدِهِ :
( ” تَنكَّبْ    للمُنى  عزمًا     أشدَّا       وَسِرْ     لمنالِهِ      بأسًا     أحَدَّا
وَجَرِّدْ   للنضالِ   نفوسَ  مَجْدٍ       وفكرًا     بارقا      أملاً     أجدَّا
فحُسنُ  زمانِنا   وَمرامُ  عيش ٍ       تدَنَّى    مستوًى    وانحطَّ    جدَّا
ويقولُ: نقاتلُ للحياةِ  وسَعدِ  عيش ٍ      يُعكِّرُ    صفوَنا     عادٍ      تبدَّى
لنا هدفٌ، سَمَا  في الأرض سعيا     وَشَدَّ    بلوغَهُ     شعبٌ    تحدَّى “)
إنَّ  شعرَهُ غنيٌّ  بالصُّور الشِّعريَّةِ والمعاني العميقة  والرَّائدة ، وحتى في نفس الشَّطرةِ  من البيت  قد  نجدُ   عدَّة َ مواضيع  وقضايا  هامَّة   يطرحُها
ويعرضُها  بأسلوبٍ شاعريٍّ فنيٍّ رائع، وقصائدهُ  جميعها زاخرة ٌ  بالصُّور الشعريَّة الخلابة وبالتعابيرالبلاغيَّة والبيانيَّة الجميلة والمستحدثة وبالعبارات والمصطلحاتِ  الثوريّة  والعلميَّة  والسياسيَّةِ  الحديثةِ التي  تتلاءَمُ   وتتناغمُ  مع  روح  العصر الحديث  ومقتضيات  ومستجدَّات  التجديد  والحداثة  في  مسيرةِ الشِّعر  المعاصر ( عربيًّا  وعالميًّا )  .  وشاعرنا  استطاعَ  أيضا أن   يقولَ لالخطابَ  السياسيَّ  أو المقالة  السياسيَّة  ضمنَ القصيدة الكلاسيكيَّة ،  وليسَ   شاعر بإمكانِهِ   أن  يفعلَ  هذا  الشيىء   في  طابع  وقالبٍ  شعريٍّ  فنيٍّ  جميل ومموسق بعيدًا عن الرَّتابةِ  المملَّة  والتكرار، كما انَّهُ  في الكثير من  قصائِدِهِ للعموديَّةِ ( الكلاسيكيَّة ) لا نحسُّ  ونشعرُ  بالطابع  المنبري  أو  الخطابي ( هنالك  بعض النويقدين المحليِّين الذي  يجهلون الأوزان الشعريَّة  – علم العروض وقواعد اللغة صرفها ولنحوها ومعلوماتهم وثقافتهم  ضحلة   في  مجال   النقد  بجميع  مدارسهِ  وأساليبه ، وبعضُهُم   مأجورٌ   وَمُرتزق   فيُهاجمون الشِّعرَ  العمودي جميعَهُ  ومن  يكتبُهُ  وأنَّهُ شعرٌ منبريٌّ  وخطابي  ومتأخِّر ( حسب مفهوم ومستوى عقليَّتهم السَّقيمة ) وغابَ عن  أذهانِهم  أنذَ  معظم الشعراء العرب الكبار  في العصر الحديث والمعاصرين كتبوا الكثيرَ  من الشعر الكلاسيكي التقليدي وأبدعُوا فيهِ  وأنَّ الإبداعَ  والتجديدَ  لا  يُقاسُ  في  شكل  القصيدة   الخارجي  فقط ، بل  في  المعاني   والعبارات  الحديثة  والمفردات الجديدة والصور الشِّعريَّة  الغزيرة  والجميلة  وبالمعاني العميقة  وبالرُّؤيا  الفلسفيَّة  والإنسانيَّة  الشَّاملة ..إلخ .   وأنَّ  التجديدَ   والإبداعَ  في الشِّعر الكلاسيكي ( الموزون والمقفى – الأبيات ) أصعبُ بكثير من الإبداع  في الشِّعر الحُرِّ لأنَّ فيهِ إلتزامٌ بالوزن والقافيةِ  ويحتاجُ إلى  مهارةٍ  ومقدرةٍ  لغويَّةٍ  عظيمةٍ وإلى موهبةٍ  فذةٍ  وثقافةٍ واسعة وطاقة شاعريَّة عملاقة . وشاعرُنا داود تركي- كما ذكرتُ- لقد جدَّدَ  كثيرًا وأبدعَ في الشِّعرالعمودي.   والكثيرُ من  قصائدِهِ  الكلاسيكيَّة  بإمكانِنا  أن  نكتبَهَا   وندرجَهَا على شكل  جمل  متفرِّقة (  مثل شعر التفعيلة )  ولا نحسُّ بالطابع  الكلاسيكي  الرَّتيب  وتيقى قصائدُهُ التي تغيَّرَ نمط  ترتيب كلماتِها وجملها محافظة ًعلى جوهرها  وجمالها وروعتِها وعذوبتها  وموسيقاها السَّاحرة  وقيمتها الفنيَّة  الخالدة …   على عكس الكثير من  الققصائد  الكلاسيكيَّة  العموديَّة  لغيرهِ  من  الشُّعراءِ للمحليِّين التي  تفتقرُ  إلى  جوهر الشِّعر  الحقيقي  وإلى  المُقوِّمات  الجماليَّة والفنيَّةِ والأدبيَّةِ والذوقيَّة رغمَ أنَّها خاضعة ً لقيود الوزن والقافية، ولو  كتبنا  وأدرجنا  قصائد بعضَ الشُّعراء المحليِّين غيره ( الكلاسيكيَّة  العموديَّة على شكل جمل متفرِّقة ( مثل  شعر لتفعيلة ) لوجداها مجرَّدَ هذيان  وكلام عاديٍّ   ومستهلم وبينها وبين الشعربون  شاسع.. وهنا  تكمنُ عبقريَّة ُ الشَّاعر داود  تركي   وتفرُّده  وتميُّزه  عن الكثيرين غير  من شعراء  القصيدة العموديَّة .  فداود  شاعرٌ مُجَدِّدٌ  ورائدٌ  ومُبدعٌ وعملاقٌ  في الشعر العمودي . إنّهُ يمتلكُ  القدرة َ  العظيمة  في  للغة   والوزن   وكيفيَّة   استعمال  المفردات  اللغويَّة  وتوظيف  الكلمات   والرُّموز  الجميلة  في  قصائدِهِ  للوصول  إلى  الفكرةِ  والموضوع    والمعاني  والأهدافِ  التي  يُريدُها .
فيقولُ  مثلاً  في  قصيدةِ    ” لن  نستكين”  المنشورة  في  مجلّةِ  “عبير” المقدسيَّة *  3:
( ” لعدالةٍ      تصحُو      وَتنتصِبُ        فكرُ     الفتى    يصفو    وَينتسبُ
والجُهدُ      بالآمالِ        مُنطبعٌ        لتقدُّمٍ     في      الكونِ      ينتسبُ
لعروبةٍ       تسمُو       بوحدَتِها        ضَحَّى   الشَّبابُ    وأنفسٌ     تَثِبُ
ويقولُ:( وقوافلُ  الشّثهداءِ  موكبُهَا         تشكو   عديَ     نفوسهِ      التُّربُ
حُلمُ    الملايين   استوَى   رجلاً        بجمالهِ        لعروبتي        عجَبُ
لا     بُدَّ     من    نهج ٍ    تُشَرِّفهُ         في    قدوةٍ     بكفاحِهَا     العَرَبُ
فأنا   لضادِ   العُربِ    مُجتهَدي        وَبشعبهَا     المعطاءِ       مُحتسَبُ
لوجودِهَا    عمري     وَمَوهبتي         ذهبَ    الكفاحُ     بهِ     وَمُرتقبُ
ولعت    بها    نفسي     وَهذبني        معنًى    ومغنى    حُبُّهَا     العذبُ
ويقولُ: خطبتْ  خيالي  منذُ   مولِدِهِ         بجمالِها       وتألَّقتْ         خُطبُ
وَمَعًا    على    لدُّنيا      تَوَسُّمُنا         خيرٌ     إلينا      هَبَّ       يَنجَذِبُ
وَمصاعبُ  لم    يَشْكُ    قسوتهَا         بدروبِنا     الإشراقُ       والسَّبَبُ
وفي نهايةِ  القصيدةِ يقولُ :
( ”  نمضي  وزادُ  اليأس   فكرتنا           للنصر        نخلبُهُ        وَينخلبُ
هذي   البلادُ     بلادُ    يعرُبنا          من  رامَ    فيها   العيشَ   يَعْتربُ
فالعيشُ  في  هون ٍ   لنا  عدَمٌ           والموتُ  عن  حقٍّ   لنا    الغلبُ
وفي إحدى قصائدِهِ  يقول :
( ” رَفرفْ   لواءَكَ    خافقا  “أيَّار ”      أمَمًا      بها     يتوَقَّدُ     الإصرَارُ
مَهْمَا الزَّمانُ  يطُلْ  فإنَّ  بنودَنا        سَتُظلِّلُ    الدُّنيا     بهَا     الأحرارُ
ويقولُ: أنتَ السَّبيلُ إلى ريبعٍ  دائمٍ         ونفوسُنا        لبهائِكَ      الأزهارُ
إنَّا  انطلقنا  مَوجَ   بحرٍ   زاخرٍ        أبشِرْ     وَبَشِّرْ      بالفدَا       أيَّارُ
ولُننذرِ  الظُلاَّمَ   إنَّ   مصيرَهُمْ          حُللُ    الظلامِ     وَإنَّكَ     القهَّارُ
ويقولُ في إحدى قصائدِهِ:
( ” سمراءُ    يا   محبوبة َ   العُمر ِ        أمّ     العيونِ    السُّودِ     والحَوَر ِ
حُيِّيتِ   لطفا   يستوي   غزلي          ونديَّة       الأنسام ِ        والسَّمَر ِ
قِمَمُ   الزّهورِ  صحَت   لرُؤيَتِنا         وتمايلتْ       في    شدَّةِ     الغيَر ِ
ويقولُ :جَمعَت   عذوبتها    أمانينا          بأنامل     حَنَّتْ     إلى      الوَترِ
شابَ  الزَّمانُ  ولم  يشب  زَمَنٌ          بخيال       مُستمع ٍ       وَمُنأسِر ِ
سمراءُ   يا   عُنوانَ    موطننا          لغدٍ     أنيق ِ    الوجهِ      والفكر ِ
يا  مَن  مكارمها استوَت  بلدي          وبدَت  كشمس الظهر في السَّحَر ِ
وعلى  هوى  نسماتها  انفتحَتْ         عينُ   الحبيبِ    وقلبُ    مُزدَهر ِ
شُدِّي  عليكِ  الجُرحَ   وانطلقي          عزمًا   يُرَوِّضُ    قسوَة َ    القدَر ِ
دُومي  على  ما   كانَ   مَنهَجُنا          عَرَبيَّة َ       الإشراق      والكبَر ِ
وَتوَشَّحِي      حُبًّا       يُلازمُنا           حتى  الممات      وآخر    العُمر ِ
وسأختارُ أيضًا  بعضَ الأبيات من  قصيدةٍ  لهُ   بعنوان : (” سلامٌ  على ” السِّلم “:*4
(سلامٌ  مِنَ  القلبِ  الوجيع ِ  يُدَمدِمُ     على “السِّلم ِ” والرَّأسُ الخنوعُ  يُهَمهِمُ
مَنَ الشَّمسِ آتٍ، مِن ذرَى شهدائِنا      يدكُّ     فضاءَ     الخائنينَ      وَيَدهَمُ
فلسطينُ  داري  والعُروبة ُ  أمَّتي       مِنَ  الشَّام ِ  حَيَّتهَا   شموسٌ   وأنجُمُ
ويقولُ :
(فيا أيُّهَا  الشَّعبُ  العظيمُ  تحَمُّلاً    لكَ المجدُ في دنيا الشُّعُوبِ مُعظَّمُ )..إلخ .
وأخيرًا  سأكتف  بهذا  القدر  من  إستعراض  قصائد  الشَّاعر المناضل  المرحوم داود  تركي .

بقلم :  حاتم  جوعيه –

 المصادر :
*1  كتاب ” ريح الجهاد ”   –  إصدار  جمعية   أنصار السَّجين  .
* 2  كتاب  ” ثائر من  الشَّرق  العربي ”  –   تأليف  داود  تركي  .
* 3   كتاب  ريح  الجهاد  –  .  إصدار  جمعية أنصار  السَّجين  .
* 4   مجلة   ” عبير”   المقدسيَّة
* 5    صحيفة   الإتحاد   الحيفاويَّة  .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة