ديفرغينت (الاستعصاء): بقلم : مهند النابلسي

فن وثقافة ….
بقلم : مهند النابلسي – الاردن ….
براعة  الاخراج وسذاجة الأفكار!
تحت عنوان الاستعصاء”ديفرغينت”(الاختلاف) واستنادا “لبيست سيلر” عالمي  وباسلوب تصوير استحواذي”آي ماكس وثنائي الدي”، وبأفيشة لافنة تختصر قصة الفيلم:” الذي يجعلك مختلفا يجعلك خطيرا “! يقدم هذا الفيلم الموجه ربما تحديدا لفئة المراهقين (تماما كألعاب الجوع وقصته الفانتازية)، واستنادا لخيال علمي أصبح بالحق مبتذلا من كثرة تكراره الذي يستند بمعظم الأحيان لنفس السيناريو باختلاف التفاصيل، مدينة شيكاجو الباهتة هنا تحديدا وبعد دمار الكوكب بفعل حرب عالمية كاسحة(بعد مئة عام)، حيث ينعزل باقي السكان الأحياء وراء أسوار محكمة ومراقبة، تحكمهم حكومة عالمية مستبدة وتصنفهم لفئات “سلوكية-جينية” (تماما عكس التصنيف الطبقي لفيلم “أليزيوم” ما بين أثرياء باذخين مترفين وفقراء معدمين  كادحين)!
هنا تدخل القصة منعطفا جريئا بتصنيفها للبشر بواسطة فحص دماءؤهم وعلنا بواسطة احتفال عالمي لأربع فئات رئيسية: الادباء وهم بأعلى الهرم، والشجعان الخارقين (والشريط يتحدث عنهم تحديدا وعن بطولاتهم)، والنكران وهم هؤلاء اللذين يقومون بالتضحيات من اجل الآخرين ويقومون بانقاذهم ان تطلب الأمر بلا تبجح وتباهي!
أما ابطال القصة فهم مجموعة شابة من الوجوه الجديدة اللافتة، والفيلم حافل بالمؤثرات المدهشة ومشاهد الأكشن الخارقة على خلفيةموسيقى تصويرية صاخبة ومعبرة، حيث نرى مشاهد تحضير وتأهيل مكررة للشجعان، وتشمل اقتباسات منها مشهد هجوم الغربان الضارية للبطلة من خلال حلمها (مقتبس من فيلم الطيورالشهيرلهيتشكوك)، حيث تنجح كالعادة من التغلب عليها وبالحد  الأدنى من الخدوش البسيطة،  ثم نرى مشاهد لاهثة لمعاناة تكرارالغرق داخل غرفة زجاجية مغلقة باحكام، وتتمكن البطلة من النجاة بحيلة بديهية…وتماما كفيلم ماتريكس الشهير فمشاهد عديدة تتم هنا بواسطة الاستشعار والتخاطر الحلمي وليس بالواقع، كما نرى مجموعة من الشباب والشابات(ومنهم بطلة الفيلم) يكررون عملية القفز من قطار سريع وبمحاذاة منحدر حاد خطير ودون ان نرى جرحا او خدشا واحدا، ثم يستكمل المشهد بجرأة الاقدام على القفز من علو شاهق بأسفله فتحة مسيجة باطار معدني حاد، ليتبين أن تحتها واقي شبكي مطاطي زمبركي…ثم تتكرر هذه اللقطات وتفقد مغزاها الشيق المخيف، وخاصة عندما نلاحظ لاحقا أن فئة من الرجال والنساء متوسطي الأعمار يقفزون أيضا بلا تدريب من قطار سريع، دون ان يتعرض احدهم للتكسير او حتى الجروح…هكذا تستمر القصة بايقاع سردي ساذج ومشاهد بطولة”كرتونية”متواصلة…كما تركب البطلة بمشاهد اخرى “تلفريك” متسارع نزولا باتجاه البلدة وكأنها بمدينةالملاهي، ونراها بمهارة تتمكن اخيرا من الضغط على الكوابح قبيل ثواني فقط من اصطدام التلفريك بجدار خرساني ضخم، ولا نعلم المغزى من هذه المشاهد لأن معظم الأبطال قد نجحوا تباعا باجتياز هذا الفحص…ونراها كذلك تنجح بالصعود لأعلى برج معدني شاهق فيما يعجز مدربها البطل رئيس المجموعة بحجة فوبيا الأماكن المرتفعة(فكل منا يملك مخاوف)! ونكاد كمشاهدين مساكين لا نعرف مخاوف  هذه البطلة الخارقة التي تنجح بكل التحديات والمواجهات والاختبارات بل استثناء، ولكن كاتب السيناريو الذكي يستدرك  ذلك فيتحفنا بلقطة “تخاطرية-حلمية”حيث ينححشر البطلان بمكان ضيق محصور ليتمكنا ببراعة من الانفلات أيضا والتغلب على “فوبيا الانحشار” المرعبة!
وكالعادة يقع أحد القادة الشجعان (مدربها) بغرام البطلة الخارقة الجميلة وينجذب لها، ثم ليتبين لاحقا أنهما الاثنين ينتميان بالصدفة لفئة جديدة مركبة خارقة تسمى “الاستعصاء” او “الاختلاف”، وتمثل خليطا متجانسا من عناصر القوة والشجاعة والتعاطف والنكران والذوق والذكاء والابداع، ونظرا لاختلافهم الجيني والسلوكي عن الآخرين فهم يمثلون بنظر الحكومة العالمية المستبدة خطرا كامنا، ونرى رئيسة هذه الحكومة الشقراء الجميلةالمهيبة تلاحقهما بلا هوادة للقضاء عليهما، ونراهما يكافحان سوية بعناد ومثابرة واستبسال للنجاة والهرب، كما نرى والدي الفتاة (المنتميان أيضا لفئة الاستعصاء أيضا)، وقد ضحا بنفسيهما (تعزيزا لقيم النكران والتضحية) لانقاذ ابنتهما والآخرين من استبداد وجحيم الحكومة الفئوية وطغيان القائدةالمستبدة (الممثلة كيت ونسليت باداء باهت غير متوقع)، ثم يتمكنوا أخيرا من طعنها بمصل كيميائي لتهدئتها وتحييدها، وللكف عن تدفق التخاطر الذهني “المغناطيسي” الموجه منها “للشجعان” الذي يحولهم لكائنات “روبوطية” خارقة شريرة تبيد وتنكل بفئة “الناكرين” المسالمة وبضراوة ولا رحمة (وربما يتماثل ذلك لحد ما مما يجري الآن من توجيه استلابي للطائفيين التكفيريين اللذين يقتلون المدنيين البسطاء طمعا بالجنةوالحور العين)!
المغزى الرائع الذي يقدمه هذا الفيلم بالنهاية يكمن في القوة الخارقة السحرية للحب(بكافة أشكاله) ،والتي يمكن ان تتغلب على الاستبداد والطغيان والفئوية ، وخاصة بمواجهة “فوى الشجاعة والوحشية الجامحة” اذا ما خرجت من نطاقها وارتبطت بالاستقواء والتفوق وغرائز الفتك والقتل!
بالرغم من براعة الاخراج ومشاهد االأكشن وجمالية التصوير والمؤثرات البصرية الا ان هذه المكونات لم تصل لحد الابهار كما نشاهد بقيلم “سبايدر مان المذهل” مثلا، كذلك فالقصة مملة نوعا ما ومكررة ولا تستطيع ان تمسك أنفاسك لتتابع بشغف سياق االأحداث، كما لم ينجح المخرج (نيل بيرغر) باستغلال المكونات السينمائية المتعددة لاحداث التركيز والتماسك السردي، كما أنه من السذاجة حقا تصنيف وتحديد فئات البشر بهذه الصورة المبسطة لفئاتخمس حدية هي التعاطف والصدق والذكاء والغيرية والشجاعة الجريئة، وربما لهذا الغرض تم ابتكار فئة الاستعصاء “المتداخلة والمعقدة”والتي تستند للطبيعة السيكولوجية الغامضة للشخصية البشرية، كما نجح المخرج بعرض المخاطرالمحتملة كنتيجة لمثل هذه التصنيفات الحدية الكاسحة، وأبدع المخرج بلقطة رمزية ساحرة وسيريالية معقدة استهل بها هذا الشريط، بتعريض الفتاة لاختبار تنويمي غامض حيث تواجه كلابا وحشية سوداء ضارية،  وفجاة نراها تلحق بلا فزع بكلاب متوحشة اخرى لحماية فتاة بريئة صغيرة !
لا نفهم لماذا تنضم الفتاة (أبدعت الممثلة الشابة”شابلين وودلي” بتقمص الدور) لفئة الشجعان فيما يدل فحصها العملي على انها تتبع لفئة “الاستعصاء المركبة”(فيما ينكشف ذلك ويتم اخفاؤه خوفا من العواقب)، كما لا نفهم حقيقة سبب اقدام فئة الادباء (الأذكياء) بتوجيه فئة الشجعان(بالسيطرة التخاطرية واستخدام الأمصال) لابادة فئة “النكران” المسالمة والضرورية  لتوازن المجنمع ولحماية الضعفاء والفقراء والمحتاجين؟!
مهند النابلسي

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة