“أدموزكِ وتتعشترينَ” أغنيّة على وتر يكتمل عشقا – بقلم : فراس حج محمد

اصدارات ونقد ….
بقلم : فراس حج محمد – فلسطين المحتلة ….
في ديوان الشّاعرة آمال عوّاد رضوان “أدموزكِ وتتعشترينَ” ثمّة ما يدفع القارئ للدهشة اللغوية والشّعرية، ويثير في النفس شهوة العشق في أغنية مصنفة تحت “عشقيّات”، ولعلّ العنوان بتركيبته الاشتقاقية الصرفية تأخذ القارئ إلى منحى دلالي مفتوح على الخصب والصخب، نعم إنه خصب ثرّ تنبجس منه أسطورتان متحدتان في ذات واحدة، فإذا كان “دموزي” أو “تموز” حارس بوابة السماء وهو المسؤول، حسب الأسطورة، عن دورة الفصول وما يعني ذلك من مظاهر الخصب والصخب معا؛ نظرا لتقلب الفصول وما يصاحب ذلك من مظاهر وطقوس طبيعية وبشرية فردية ذاتية وجماعية، فإن “عشتار” إلهة الحرب والحب والجنس والحياة، ولما لهذا أيضا من تجليات الصخب والخصب، يصبح هذا الاجتماع الشعري اللغوي الاشتقاقيّ ذا غاية مهمة في الدلالة على العشق الذي يمتح من الحياة وما فيها من طقوس متعددة الألوان والأشكال التي تكون بين ذاتين ليصبحا ذاتا واحدة، يتبادلان هذه الطقوس، فإذا ما “دَمْوَزَ” المحبّ محبوبته، فإنها بالمؤكد ستصبح عشتار الحب والجنس والحياة.
لقد انداح هذا المعنى الأسطوريّ في متن الديوان الذي تفرّع إلى عدة عناوين، مع أنّ الديوان كله يشكل قصيدة واحدة، منسجمة في الإيقاع واللغة والأفكار، بحيث لو حُذِفت تلك العناوين الداخلية لهذه القصيدة لما شعر القارئ بأي خلل تركيبي، فاللغة المشتركة، وصياغة الجملة الشعرية الجارية في خط مستقيم متناغم، يمنح الدارس حق الانحياز إلى هذا الحكم. عدا ما في هذه المطولة من انغماس بموضوع واحد وانحياز إلى لغة الخطاب الموحدة من أول جملة إلى آخر جملة، إضافة إلى انتماء ألفاظ الديوان إلى حقل دلالي واحد.
وما يلفت النظر في الديوان أن الشاعرة قد اختارت ضمير المخاطب المؤنث، ولم يفارقها هذا الضمير الذي كان عاملا موحدا إضافيا لاعتبار الديوان قصيدة واحدة، وكأنّ من كتب الديوان شاعر وليس شاعرة، فكيف استطاعت الشاعرة الأنثى أن تتلبس صوت الرجل وروحه وتنطق بلغته دون أن تظهر الأنثى الشاعرة أم أن في المسألة أمرا مغايرا؟ هل أرادت الشاعرة من ذلك إثبات قدرتها على التحدث بلغة الشاعر العاشق أم أنها كانت تعبّر عن رغبتها في أن تكون لغة الشعراء على هذا النحو من الصياغة الشعريّة؟ وكأنها، وبطريقة غير مباشرة، تقدم للشعراء رسالة جماليّة، تتمحور حول كيفية خطاب الأنثى، ليرتفع الشعراء بمحبوباتهم إلى مصافّ “عشتار”، ذلك المثال الإلهي المكتنز بالحياة والحبّ.
هل باستطاعة الدارس أن يرى أبعد من هذه الاحتمالات التي يمكن أن يكون لها كلها سند من الحقيقة؟ فلعلّ الشاعرة في لا وعيها أرادت تقديم هذه الرسائل دفعة واحدة، وهنا لا بد من النظر في الديوان إلى ما هو أبعد من بنيته النّصيّة المباشرة.
لعلّ فيما اقترفته الشاعرة من “لعبة جماليّة” أبعد من كل تلك التأويلات. ربّما أرادت الشاعرة أن تجرد من ذاتها ذاتا أخرى، آمال الشاعرة، وآمال الإنسان، وتواجه نفسها بحقيقتها الجماليّة في الدرجة الأولى، ولهذا الرأي الذي أراه، وجاهته وله ما يؤيده في النص ذاته، وفي مواضع كثيرة عبر توظيفها لمجموعة من الألفاظ ذات الدلالات المفتوحة على التأويل، فكل عبارات الإيحاء “الأيروسيّ” في الخصب والهيام في دنيا العشق ما هو إلا تعبير عن حالة هيام آمال الشاعرة بآمال الإنسان، وكأن إحداهما قد دخلت في حوار مع الأخرى، مواجهة عيانا لا مواربة ولا مجازا، من هنا باستطاعة القارئ أن يفهم هذا الانفتاح على لغة خطاب المؤنث الذي لم يتعثر ولم يتخلف في أي مقطع لتصل الشاعرة إلى خلاصة هذا الحوار الذاتي بقولها في مقطع حمل من الإيحاء الكثير في الدلالة على ما أزعم، وقد عنونته الشاعرة بــ “ما مآلي إلاكِ آمالي”، ففيه تصرّح:
وما زلتُ في حوزة ماضيكِ
ألوذ بنبضكِ
ويشعّك بين اعوجاج أضلعي
بل إن الشاعرة تقترب إلى التصريح بهذا الذي أرادته عندما تعلن بعد عدة أسطر:
أنا من كنتُ طيفكِ الْــ
يتلوّن.. برقصةِ شفاهكِ
على مسرحِ فمي
ردّي إليّ نبعا كنتِه
ما عاد فيه سوى الفحيح!
لقد أوردت الشاعرة في هذا الجزء من الديوان كثيرا من أدوات الكتابة الشعرية، كالعزف والناي والمعجم، وعبارة “ينقش الضوء”، والإيقاع، ونزيف الجمال والشوق، إلى أن تقول موحدة بين ذاتيها؛ ذات الشاعرة، وذات الإنسان؛ لافتة النظر إلى ما بين الذاتين من صراع، وإن حاولت الشاعرة إخفاءه إلا أن يتسرب بين الكلمات:
أمتطي خيول خيالي
صوب جنوني
أتظلّ قوارير هوايَ
تنكفئُ على شظايا أهاتي؟
إن ما قدمته الشاعرة آمال عوّاد رضوان في ديوان “أدموزكِ وتتعشترين” من اقتراح جماليّ شعريّ يعكس انشغال الشاعرة بالشعر وصناعته على مثاله الأسنى، ولكنّه أيضا انفتاح الذات على الذات ليسمع الشاعر صوت نفسه، ولعلّه يحاكم نفسه شاعراً، أو لعله يحاكم الشاعر فيه إنسانيّته وصولا إلى صياغة مشتركة، يكون فيها الشاعر والإنسان منسجمين انسجاما متآلفا بذرات متماثلة متحدة حيوية، كاتحاد “عشتار” و”دموزي”/ “تموز” في دورة عشق تمنح الكون جماليّته والإنسان تكامله، بغض النظر إن كان حب الذات للذات أو حبّ الرجل للمرأة، ففي نهاية المطاف لا فرق بين الكينونتين، ولا مفرّ من أنهما واحدٌ يشكلان الحياة بأعمق مدلولاتها الفلسفية والفكرية، ولذلك كانت الأسطورة التي اتكأت عليها الشاعرة ذات دلالات عميقة ليس فنيّاً فقط، بل في تفسير مظاهر الحياة الإنسانيّة بكلّ تجلياتها الواقعية والجماليّة والروحيّة.

كرامة لله  .. يا مصر قومي وشدي الحيل
بقلم : محمد خضر قرش – القدس المحتلة  ….
لا يوجد عربي حقيقي مسلما كان أو مسيحيا وينحدر من نسل أو سلالة عدنان وقحطان وينتمي للعروبة قولا وفعلا وينطق بلغة الضاد، إلا ويتألم وبمرارة كبيرة لواقع العرب الحالي لكونه أضعف الإيمان. فالانتماء للعروبة التي انجبت من رحمها آخر الأنبياء محمد بن عبد الله، العربي النشأة والتكوين تلزمنا بهذا الشعور كحد أدنى وذلك أضعف الايمان. ولأن مصر هي أرض الكنانة وقلب العروبة النابض ومهد الحضارة والتاريخ معا، فلا يمكن والحالة هذه أن يكون الأنسان عربيا أصيلا ويؤمن بكل الأنبياء والرسل دون أن يتألم لوضع مصر العروبة بنفس الألم الذي ينتابنا جميعا من واقعنا العربي المرير. فليس عربيا ولا وطنيا ولا قوميا ولا مسلما ولا مسيحيا من يتآمر على مصر وينشر فيها الإرهاب ويعبث باقتصادها. فمن يتآمر على مصر يتآمر على قوة العرب وتاريخهم وأنبيائهم. فمصر العظيمة تمر بأزمة اقتصادية ربما هي الأشد وطأة وقساوة على شعبها منذ مئات السنين. ولعل الكثير من العرب وخاصة الجيل الحالي لا يعلم أن أس الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر حاليا تعود إلى قيادتها للصراع الطويل والمرير الذي خاضته بلا هوادة بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر وتحملها الأعباء الاقتصادية المترتبة على مواجهتها للاستعمار والكيان الإسرائيلي معا. فدعم مصر لثوار الجزائر سرع ساعة الخلاص من الاستعمار الفرنسي ولولا دعم ومساندة مصر لثوار جنوب اليمن ما تخلص من الاستعمار البريطاني وإجباره على حمل عصاته ومغادرة الأرض العربية ولولا الفكر القومي العروبي والتحرري الذي نشره عبد الناصر لما تم تصفية القواعد الأميركية والبريطانية في ليبيا بعد سقوط نظامها ونفس الشيء في العراق. فمصر هي من أفشلت الانزال الأميركي في لبنان عام 1958 حينما كان كميل شمعون رئيسا. ولولا وقوف ومشاركة جيش مصر لليمن لما أمكن انتصار ثورتها على حكم الأئمة الفاسد والموغل في الرجعية والتخلف عام 1962. فجيل اليوم ربما لا يعلم أو لم يدرك بأن القرار التاريخي بتأميم قناة السويس عام 1956 وعودتها للسيادة المصرية كان السبب وراء العدوان الثلاثي في مثل هذه الأيام من العام المذكور وأنه لولا هذه الخطوة الشجاعة والجريئة والاستثنائية لما فتحت الطريق واسعا أمام تأميم شركات النفط العربية في العراق وليبيا والجزائر. كما كان لمصر دور كبير وملموس في لجم وتحجيم الأنظمة العربية الصغيرة الصديقة للغرب الاستعماري بالإضافة إلى دورها في تأسيس وتزعم دول عدم الانحياز والابتعاد عن الغرب الاستعماري ومقارعتها لأعداء القومية العربية وفي المقدمة إسرائيل. فالكثير مما تعاني منه مصر حاليا وفي المقدمة منه أزمتها الاقتصادية يرجع بالدرجة الأولى إلى كل ما سبق، دون التقليل من الآثار السلبية للسياسات الاقتصادية التي اتبعها السادات ومبارك؟ فقد حصلت تطورات استراتيجية عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، أدت لحصار الحوت المصري الضخم ضمن المياه المصرية من خلال وضع مصدات وشبكات وأسيجة اقتصادية حالت دون إبحاره في المياه الإقليمية العربية كما كان يفعل قبل ذلك دفاعا عن الامن القومي العربي. وكانت أحد أبرز الأدوات التي استخدمها أعداء مصر هي إضعافها اقتصاديا ووقف المساعدات المالية عنها. وإذا كان الزعيم جمال عبد الناصر بحكم صلابته وقوته وشخصيته وفكره وإيمانه العميق بالقومية العربية قد تمكن من التصدي لكل محاولات الغرب لإخراج مصر من ساحة الصراع إلا ان خليفته السادات لم يكن يملك نفس الجرأة والشجاعة والكاريزما والإيمان بالقومية العربية، فقد نخ كما تنخ الناقة وسلك الطريق التي يريدها الغرب دون أن يحقق مبتغاة من وراء هذا التحول الاستراتيجي غير المسبوق والمجاني، بتحقيق الرفاه والرخاء الاقتصادي الذي بشر شعبه به حين وقع اتفاقية كامب ديفيد. وجاء بعده الرئيس المخلوع حسني مبارك فأدخل مصر واقتصادها في مرحلة السبات العميق أو البيات الشتوي والذي امتد لنحو ثلاثة عقود متتالية سهل خلالها للفاسدين من تبوأ المناصب والاستئثار بالحكم على حساب شعب مصر العظيم وانكفاءه نحو الداخل. لقد مارست الولايات المتحدة الأميركية ضغوطا شتى وكثيرة على الدول النفطية العربية الخليجية لوقف مساعداتها لمصر. فالغرب وإسرائيل وبعض دول النفط تعمل على إبقاء مصر دائما بالكاد قادرة على العوم. فليس من مصلحتها أن تغرق مصر لأن ذلك سيؤثر سلبيا على عموم المنطقة ويخلق عدم الاستقرار مما ستكون له ارتدادات كبيرة جدا سينتج أو يتولد عنه عدم توازن في القوى الإقليمية لن تنجو منه دولة في المنطقة بما فيها الخليجية. وفي ذات الوقت فهي ضد أن تكون مصر منتعشة ومزدهرة وقوية اقتصاديا لأن من شأن ذلك أن يدفعها نحو الفعل وتغيير الوضع من حولها للحفاظ على الأمن القومي العربي مما سيترك تأثيراته على عموم المنطقة وهذا يتعارض مع المصالح الأميركية وإسرائيل وبعض الدول النفطية العربية لذا فإن جميع هؤلاء يريدوا أن تبقى مصر ضعيفة اقتصاديا ومديونة ومنهكة وغير قادرة حتى على العوم داخل مجالها البحري لفترة طويلة. تلك المعادلة الاستعمارية التي ما فتئ الغرب وإسرائيل وبعض الدول العربية المرتبطة بهما وخاصة النفطية منها على إبقاء مصر فيه. ومع وفاة الزعيم جمال عبد الناصر وتولي السادات وبعده المخلوع مبارك السلطة، دفعا باتجاه انكفاء مصر نحو الداخل وإبعاد تأثيرها القومي والوطني على عموم المنطقة. لذا لم يكن وقف تصدير المشتقات النفطية من شركة أرامكو أخيرا وتجميد صندوق الاستثمار المشترك المقدر بنحو 12 مليار ريال صدفة أو وليد ساعته أو بسبب قرار القضاء المصري المتعلق بالجزر الثلاث في مدخل خليج العقبة، كما لم يكن بسبب بداية تغير الموقف المصري مما يجري في سوريا والعراق واليمن وليبيا فحسب. وللتدليل على ذلك فأن موقف سلطنة عُمان من سوريا وما يجري في اليمن متقدم درجات على مواقف مصر الحالية، فهي لم تقطع علاقاتها معهما والوفود الرسمية بين السلطنة وسوريا منتظمة وكذلك مع اليمن والعراق ورغم ذلك لم يتخذ أي قرار أو معاتبة ضد السلطنة وتجميد عضويتها في مجلس التعاون الخليجي بعكس ما حصل مع مصر. السبب الرئيس والجوهري لموقف بعض دول النفط من مصر هو انها تريد بل وتسعى أن يبقى اقتصادها ضعيفا ومنهكا. فقوة الاقتصاد المصري ستؤدي حتما إلى تعزيز قوتها العسكرية وبالتالي زيادة تأثيرها على دول المنطقة وإفشال مخططات الغرب الشريرة بتقسيم وتجزأة المنطقة العربية. لذلك فأميركا وإسرائيل وبعض الدول الإقليمية والنفطية على عجلة من أمرهم لإتمام مهمتهم القذرة قبل أن تتمكن مصر من النهوض من كبوتها وإنعاش اقتصادها وزيادة تأثيرها. الهجمة على الوطن العربي بغرض تقسيمه ستستمر وستزداد ما دامت مصر العظيمة ضعيفة اقتصاديا.
أثر نهوض مصر
ندرك كما تدرك مصر بأن إعادة الحيوية لدور مصر العربي والإقليمي والدولي له متطلبات لا بد من توفرها ولعل أهمها تحصين الجبهة الداخلية وتقويتها مما يعني ضرورة توحيد القوى الوطنية المصرية الفاعلة والانفتاح عليها وعدم الانطلاق من المفهوم الأمني لتصليب وتقوية الجبهة الداخلية. والنقطة الثانية إعادة هيكلة الاقتصاد ومحاربة الفساد وأنصار النظام السابق والانحياز للطبقات الفقيرة والمعدمة، والنقطة الثالثة هي إعادة التموضع من جديد لمصر وإعادة دورها القيادي في دول عدم الانحياز وإفريقيا وعدم الوثوق بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. التحول المصري يجب أن يتم عن قناعة من قبل القيادة المصرية وشعبها ومؤسستها العسكرية بأن ذلك هو طريق خلاص مصر مما هي عليه حاليا. كلنا بدأنا نلمس مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه ونتطلع أن تستمر. فمن يقود مصر يقود الوطن العربي، فغيابها أو انكفاءها سمح لبعض الدول التي لا تُرى بالعين المجردة من التحرك والتأثير السلبي بالطبع على الوطن العربي ومستقبله. ولعلنا نذكر جيدا ما أدلى به عاموس يادلين رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عام 2010 عقب انتهاء خدماته ،أمام اللجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست ” أما في مصر، الملعب الأكبر لنشاطاتنا، فإن العمل تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979، فلقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل  تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة