حين تفوز الغطرسة والعنصرية: ما تقوله الأرض – بقلم : د فيحاء عبد الهادي

منوعات ….
بقلم : د. فيحاء عبد الهادي – فلسطين المحتلة
“أجلس وأحدِّق في آلام العالم كلها/ أرى ما فعلته المعارك، والأوبئة، والطغيان/ أرى الشهداء والسجناء/ أرى المجاعة في البحر/ وأرى البحّارة يقترعون على من سَيقتلون/ حتى يظلّ أحياءً الباقون/ أرى الإهانات والشتائم التي يكيلها المتغطرسون/ للعمال/ والفقراء/ والزنوج/ وأمثالهم/ كل هذا/ كل هذا اللؤم والعذاب، اللذين لا ينتهيان/ أجلس وأحدِّق فيهما/ أرى/ وأسمع/ صامتاً”.
والت ويتمان
حين تفوز الغطرسة والعنصرية والجهل والحماقة، وحين تسودّ السماء، وتغرب الشمس؛ تتكلَّم الأرض، لتمدّنا بالحكمة والبصيرة،
وتصلنا بمصادر الأمل، ولكن، هل يمكن أن تتكلم الأرض؟ وهل يمكن لكاتب أن يستنهض الطاقة الإيجابية الكامنة فينا؟ من خلال استلهامه حكمة السكان الأصليين لأميركا، الذين كانوا يحترمون الطبيعة ويجلّونها، ويصغون إلى روحها العظيمة؟ ويحفظون تفاصيلها، ويفتحون حواراً ثرياً معها؟
*****
يدعونا كتاب “باري لوبيز” (Barry Lopez) “إعادة اكتشاف أميركا الشمالية: ما تقوله الأرض” (Rediscovery of North America)، الذي ترجمته إلى العربية “سيرين حليلة”، وراجعته وحرَّرته “زليخة أبو ريشة”، بعد أن أوصت بترجمته “تانيا تماري ناصر”، إلى الإصغاء إلى ما تقوله أمنا الأرض، وما تحدثنا عنه، وما تذكِّرنا به.
يدعونا إلى التأمل بما تهمس به من حكايات عاشت في ذاكرتها. يدعونا إلى التعامل معها ككائن حي، يتنفس، ويتألم، ويفكر، ويختار. كائن يذكِّر بالصلة الوثيقة بين ما يحدث اليوم من خراب ودمار ووحشية، وما حدث بالأمس القريب، وبالأمس الموغل في القدم.
تحدِّثنا الأرض المنتهكة ليس عن معاناتها فحسب؛ بل عن رغبتها في خلق علاقة إنسانية مع البشر، تعتمد على الصداقة، والأخوّة، والحب.
وحين تحدِّث عن معاناتها؛ تبرز ملامح المشروع الاستعماري، الذي بدأ في العام 1492، حين أعلن الإسبان أنهم اكتشفوا أميركا، وهم في الحقيقة، قد غزوا أميركا الشمالية، واقترفوا المجازر البشعة بحق السكان الأصليين، الذين أطلقوا عليهم اسم “الهنود الحمر”، أو “الإسكيمو”.
وتبع هذا الاكتشاف/ الغزو، “وعلى مدى عقود، أعمال إجرامية تمثلت في القتل والاغتصاب والسطو والاختطاف والتخريب والاعتداء على الأطفال والوحشية والتعذيب والإذلال”.
لو كان الأمر اكتشافاً؛ لسعى المكتشفون إلى الثروة بمعناها الواسع: اكتشاف الثقافات المحلية المتنوعة الغنية، والتعلم من إنجازاتها، والعمل معها؛ لكن الأرض كشفت عن الهدف الحقيقي للمستعمرين، وهو البحث عن الثروة بمعناها الضيق: البحث عن الذهب. وفي سبيل الذهب؛ ضحَّى المستعمر بالثروة البشرية والحيوانية والبحرية.
“الغاية النهائية التي حثت الإسبان على البطش بالناس وتدميرهم كان الذهب فقط، لاعتقادهم أن الغنى السريع قد يوصلهم إلى درجات ومرتبات اجتماعية عالية بخلاف ما كان عليه أصله، مع افتراض التفوق على الشعوب المحلية، لا بناء على أي فكرة أخلاقية بل على المقارنة العرقية والثقافية، أو لنقلها بصراحة، على المقارنة القائمة على الجهل المطبق، وعلى الأمية”. “وبهذه الطريقة فقدنا مجتمعات ونباتات وحيوانات بأكملها، لأن حفنة من الرجال رغبت في الذهب والفضة والأراضي وميزات الأرستقراطية، كما رغبت في العبيد وفي إسطبلات مليئة بالأولاد. لقد فقدنا لغات ومعارف وكتباً وطقوساً ونظماً منطقية وما ورائيات.. فيا لها من مجزرة طويلة وبشعة!”.
يأتي المستعمر ليفرض ويجبر؛ لا ليقترح، كما يبيِّن لوبيز: “لم نقل أبداً للناس أو للحيوانات أو للنباتات أو للأنهار أو للجبال: ما رأيك بكذا وكذا؟ بل قلنا: نحن نرى الأمور على هذا النحو”.
هل كان ممكناً أن نخاطب الحيوانات والأشجار والأرض ذاتها؟ السكان الأصليون، فعلوا. لم يعتبروا أن مخاطبة الأرض أمر رومانسي، انطلقوا من مبدأ احترام الطبيعة، والتعلم منها، في حكمة بليغة تفيد أن الكائنات يعتمد بعضها على بعض، وأنهم شركاء مع الأرض في هذا الكون وليسوا أسياداً عليها.
وإذا كان الماضي الموغل في القدم، هو الاستعمار الإسباني لأميركا الشمالية، فماذا عن الماضي الأقرب؟ ماذا عن جرائم أميركا في فيتنام؟ التي حصدت أرواح الملايين، وأحرقت الأرض وما عليها؟ والتي جسَّدتها “مجزرة مي لاي”؟ التي راح ضحيتها سكان القرية كلها، بعد أن أضرم الجنود الأميركان النار في بيوت سكان القرية، فحرقوهم أحياء.
ثم الماضي الأقرب، جرائم أميركا في العراق، واليمن، ووو..؟
*****
تهمس الأرض بأن ما بدأه المستعمرون الإسبان/ كولمبوس، في القرن الخامس عشر، من تدمير ونهب ومجازر، مستمر منذ ذلك التاريخ، بأشكال مختلفة: محاربة الإرهاب حيناً، وتحقيق الديمقراطية حيناً، والتقدم العلمي والتكنولوجي أحياناً. لكن الحقيقة هي أن السعي وراء الكسب المادي، والجشع الرأسمالي، والإحساس بالتفوق العرقي، والتفوق الثقافي، هي الأساس في استمرار سياسة انتهاك الأرض المتواصل، في أميركا. “إن تاريخ استخدام الطبيعة الأميركية كان تاريخاً من الاستغلال والخروج على القانون. يمكن النظر إلى سياسة حرق الغابات بالأسيد في نيو هامبشاير، وإلى التربة المدمَّرة بالمواد الكيماوية في آيوا، أو إلى انهيار وادي سان يواكين ليتحوَّل إلى كهوف أُفرغت في مياهها المتحجرة”، والأساس في انتهاك أميركا للأرض في بقية دول العالم.
*****
كيف تعود الأرض لتكون صديقة للجميع، كما هي طبيعتها؟ كيف نخلق علاقة شراكة مع الأرض ومن عليها من البشر والنباتات والحيوانات والأنهار؟ كيف يمكن أن نستلهم دروس الماضي؟ كيف نضمِّد جراحنا ونبني ونعمِّر على هذه الأرض؟ كيف يمكن أن يكون التنوّع والاختلاف مصدري معرفة وجمال واعتزاز؟ وهل يمكن أن نسلك طريقاً مغايراً ونقيضاً؟
ليس لنا سوى أن ننصت، ونشاهد، ونتأمل، ونتعلم؛ لنستطيع أن  نتحاور، ونبني، ونعيش.
هذه حكمة الأرض. هذا ما تقوله الأرض.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة